ذاكرة المقهور وشهوة المتسلط

ذاكرة المقهور وشهوة المتسلط
الثلاثاء 13 أكتوبر 2026 - 09:52

تتكرر استعارة جورج أورويل في “مزرعة الحيوان” كلما عادت السياسة إلى امتحانها الأكثر بدائية، حيث تضع من بين أهم مآزق وجودها أسئلة من قبيل، من يملك القوة، ومن يملك حق تعريف الحقيقة، ومن يستطيع أن يحوّل الخوف إلى طاعة، واللغة إلى أداة للهيمنة. لذلك لا تستنفد الرواية دلالتها في الحكاية التي ترويها عن حيوانات ثارت على الإنسان، ثم انتهت إلى إعادة إنتاج نظامه؛ فالمفارقة الأورويلية الأعمق تكمن في أن الثورة التي بدأت بوعد الخلاص قد تنتهي إلى استنساخ الاستبداد نفسه، وأن الضحية حين تستولي على أدوات القهر لا تكون بالضرورة قد تحررت من الجلاد، وإنما قد تكون ورثت منطقه.

تتجاوز رواية أورويل حدود المجاز السياسي لتلامس سؤالا أنثروبولوجيا وفلسفيا شديد القسوة: هل يستطيع المقهور أن يتحرر من السلطة من دون أن يتحرر من الرغبة في ممارستها؟

إن الحيوان الأورويلي لا يبدأ مستبدا. إنه يبدأ مظلوما، جائعا، مُهانا، ومحرومًا من ثمرة عمله. يثور لأن النظام القديم صادر حقه في الوجود الكريم. لكن المأساة تبدأ في اللحظة التي تتحول فيها الثورة من تحرير للإنسان ـ أو الحيوان ـ من علاقات القهر إلى صراع على احتكار السلطة. عندها تتبدل وظيفة الثورة، من تفكيك بنية الهيمنة إلى إعادة توزيع مواقعها. يصبح السؤال: من يحكم؟ لا: كيف نحكم؟ ولأي غاية؟

تكمن عبقرية أورويل، في كونه لا يضع الاستبداد خارج النفس الإنسانية، وإنما يكشف قابليته على الاستقرار داخلها. فالمستبد الجديد لا يحتاج إلى أن يكون مختلفا جذريا عن المستبد القديم؛ يكفي أن يرث أدواته، وأن يعيد تأويلها بلغة جديدة. ولذلك فإن نابليون لا يهزم السيد جونز بقدر ما يستولي على موقعه الرمزي. يتغير الحاكم، وتتغير الشعارات، وتتغير الذاكرة، لكن بنية السلطة تظل قائمة. إن الثورة في هذه الحالة، لا تهدم المزرعة القديمة؛ إنها تستولي عليها.

وتأسيسا على ذلك، يمكن قراءة أورويل في ضوء أطروحة نيتشه حول إرادة القوة. فالسلطة لا تعمل دائما بوصفها ضرورة خارجية مفروضة على الذات؛ إنها قد تتحول إلى رغبة تسكن الذات نفسها. وحين يمتلك المقهور القوة، قد يجد نفسه أمام إغراء إعادة إنتاج ما كان يرفضه، لا لأنه نسي المظالم السابقة فقط، وإنما لأن السلطة ذاتها تمتلك قابلية إغواء تجعلها غاية في ذاتها. وهنا يتحول التحرر من سؤال أخلاقي إلى امتحان وجودي: ماذا يفعل الإنسان حين يصبح قادراً على فعل ما كان يكرهه؟

لهذا تبدو “مزرعة الحيوان” أقرب إلى تشريح للسياسة منها إلى رواية سياسية بالمعنى الضيق. فالاستبداد عند أورويل لا يقوم بالسوط وحده؛ إنه يحتاج إلى اللغة، وإلى إعادة صياغة الذاكرة، وإلى التحكم في الحقيقة، وإلى إنتاج عدو دائم، وإلى جعل الجماعة تشك في قدرتها على التذكر. وهذه النقطة تلتقي بصورة عميقة مع فوكو: السلطة لا تستقر فقط في مؤسسات القمع، وإنما تعمل عبر إنتاج الخطابات التي تحدد ما يجوز قوله، وما ينبغي تصديقه، ومن يملك حق الكلام، ومن يملك حق تسمية الأشياء.

ولذلك فإن أخطر تحول في المزرعة ليس أن الخنازير أصبحت أقوى، وإنما أنها أصبحت مالكة للمعنى. حين تستطيع السلطة أن تغير الكلمات، فإنها تستطيع أن تغير إدراك الواقع. وحين تعيد كتابة الماضي، فإنها لا تتحكم في الذاكرة فحسب، بل تتحكم في شروط الحكم على الحاضر. تصبح الحقيقة قابلة للتعديل بحسب مصلحة السلطة، وتتحول الجماعة من شعب يتذكر إلى جماعة تتلقى ما ينبغي لها أن تتذكره.

وفي هذا الصدد، يلتقي أورويل مع حنّة أرندت في مفهومها للسلطة والتسلط؛ إذ لا يحتاج النظام الاستبدادي إلى إلغاء الحقيقة كلها، بقدر ما يحتاج إلى إغراق المجال العام في حالة تجعل التمييز بين الحقيقة والكذب أكثر صعوبة. حين تفقد الوقائع قدرتها على تثبيت الوعي، يصبح المواطن قابلا لإعادة التشكيل السياسي. ولعل هذا هو السبب الذي يجعل الجملة الأورويلية الشهيرة حول مساواة الحيوانات ثم اكتشاف أن بعضها “أكثر مساواة” من بعضها الآخر تتجاوز السخرية إلى كشف البنية العميقة للخطاب السياسي. فالمساواة حين تُفصل عن العدالة تتحول إلى قناع؛ والشعارات حين تنفصل عن المؤسسات الضامنة لها تتحول إلى أدوات لتجميل التفاوت. وهكذا يمكن للغة أن تحتفظ باسم المساواة، بينما يجري تفريغها من مضمونها.

إن أخطر ما في الاستبداد أنه لا يعلن دائما عن نفسه بوصفه استبدادا. قد يدخل المجال العام مرتديا ثياب العدالة، أو الثورة، أو الوطنية، أو حماية الجماعة، أو الدفاع عن الشعب. ومن ثمة يصبح التمييز بين شرعية الوصول إلى السلطة وشرعية ممارسة السلطة أمراً مركزيا. فقد تصل الثورة إلى الحكم باسم المظلومين، لكنها لا تصبح عادلة بمجرد أن يكون أصلها احتجاجاً على الظلم.

وأستحضر في هذا المقام ما يراه روسو من أن المشكلة ليست في استبدال سيد بسيد، وإنما في بناء إرادة عامة لا يستطيع فرد أو جماعة اختطافها وتحويلها إلى إرادة خاصة متنكرة في هيئة المصلحة العامة. عندما تتماهى إرادة الحاكم مع إرادة الجماعة، يصبح الاعتراض عليه خيانة للجماعة نفسها، وحينها تبدأ السياسة في الانغلاق على نفسها. ف”مزرعة الحيوان” تكشف عن مأساة الإنسان الذي يحمل داخله ذاكرة المقهور وشهوة المتسلط في الوقت نفسه. إنه يريد العدالة حين يكون ضعيفاً، لكنه قد يكتشف، عندما يصبح قويا، أن العدالة لم تكن دائماً غايته النهائية، وأن ما كان يطلبه أحياناً هو موقعاً أفضل داخل منظومة القوة.

وبالتالي فإن عبارة “الثورة تأكل أبناءها” تأخذ معناها الأكثر قسوة. فالذي تأكله الثورة ليس فقط الأشخاص الذين شاركوا في صناعتها، وإنما قد تأكل أيضاً المبدأ الذي منحها شرعيتها الأولى. تبدأ الثورة بإدانة العنف، ثم تبرر عنفها؛ تبدأ بمحاربة الكذب، ثم تنتج قاموسها الخاص لتبريره؛ تبدأ بتحرير الذاكرة، ثم تصنع ذاكرة رسمية؛ تبدأ بإلغاء الامتياز، ثم تنشئ طبقة جديدة من المستفيدين. وهو ما يجعل أورويل قريبا، من زاوية أخرى، من رينيه جيرار، الذي يذهب إلى أن الجماعة التي تبحث عن خلاصها قد تحتاج إلى ضحية جديدة كي تستعيد تماسكها. وحين تفقد الثورة عدوها الأول، قد تصنع عدوا بديلا حتى تستمر في إنتاج وحدتها الداخلية. يصبح الخوف مادة سياسية، ويصبح الآخر ضرورة لبقاء الجماعة متماسكة. وهكذا لا يعود العنف مجرد وسيلة، بل يتحول إلى طقس لإعادة إنتاج الجماعة والسلطة معاً.

إن “مزرعة الحيوان” بهذا المعنى ليست مرآة للأنظمة الشمولية وحدها، وإنما مرآة لكل فضاء سياسي تتحول فيه المبادئ إلى شعارات، والشعارات إلى مصالح، والمصالح إلى امتيازات، والامتيازات إلى بنية مغلقة تدافع عن نفسها باسم الجماعة.

والمفارقة الأكثر إيلاماً أن الإنسان الذي طرد الحيوان من المجال السياسي الوهمي قد يعود ليكتشف أن الحيوان لم يكن خارج الإنسان أصلا. فالوحشية السياسية لا تأتي دائماً من الخارج؛ إنها قد تستيقظ في الداخل عندما تنفصل القوة عن المسؤولية، والرغبة عن القانون، والحرية عن العدالة. ولذلك فإن صورة الخنزير الذي يمشي على قدمين في خاتمة الرواية ليست مجرد انقلاب في هيئة الحيوان؛ إنها سقوط الحد الفاصل بين الإنسان والحيوان، حين يتخلى الإنسان عن إنسانيته السياسية والأخلاقية.

وهنا تصبح المزرعة استعارة للمجال العام كله. وكلما تغيرت الوجوه وبقيت قواعد اللعبة نفسها، ظل السؤال الأورويلي حاضراً: هل تغير النظام فعلاً، أم تغيرت فقط الكائنات التي تجلس على مقاعده؟

إن مأساة السياسة لا تبدأ عندما يصل الطغاة إلى السلطة، وإنما عندما تتشكل في الوعي قابلية لقبول الطغيان، وعندما يتحول المقهور إلى مستهلك للخطاب الذي يبرر قهره، وعندما تصبح الجماعة مستعدة للتنازل عن حريتها مقابل وعد بالأمن أو الخلاص أو الانتماء. عند تلك النقطة لا يعود المستبد بحاجة إلى أن يفرض نفسه بالقوة وحدها؛ يكفي أن يجعل الناس يطلبون النظام الذي يقيدهم.

وهكذا تتجاوز أورويل حدود الرواية إلى سؤال الإنسان نفسه: هل تكفي الإطاحة بالجلاد لكي يولد الإنسان الحر؟ أم أن التحرر الحقيقي يبدأ من تفكيك الجلاد الكامن في داخل الإنسان؟

ربما تكون هذه هي الخلاصة الأكثر عمقا في “مزرعة الحيوان”، في أن المشكلة ليست أن الحيوانات أصبحت تشبه الإنسان؛ المشكلة أن الإنسان، حين يفقد المعنى الأخلاقي للحرية، يستطيع أن يصبح أكثر حيوانية من الحيوان نفسه. فالاستبداد ليس مجرد نظام سياسي؛ إنه انحراف في علاقة الإنسان بالقوة، يبدأ حين تتحول السلطة من وسيلة لتنظيم الحياة المشتركة إلى رغبة في امتلاك الآخرين.

ولذلك لا يكون الخلاص في تغيير الحاكم وحده، وإنما في بناء شروط تمنع السلطة من التحول إلى ملكية خاصة، وتمنع الحقيقة من أن تصبح امتيازاً رسمياً، وتمنع الذاكرة من أن تقع تحت وصاية المنتصر. فالمزرعة لا تتحرر حقاً عندما يتغير سيدها؛ إنها تتحرر عندما يصبح استعباد الآخر مستحيلاً، حتى بالنسبة إلى من امتلك القوة لتحويله إلى عبد.

أعتقد ختاما، أن ثمة ما يكرس المسافة بين الثورة بوصفها انتقالا في السلطة، والثورة بوصفها تحولا في الإنسان. الأولى قد تبدل الحاكم؛ أما الثانية فتبدل علاقة الإنسان بالقوة، وبالآخر، وبالحقيقة، وبنفسه. وفي تلك المسافة تحديدا يظل أورويل واقفا، ساخرا ومفزعا، كمن يقول إن التاريخ لا يعيد نفسه لأن البشر لا يتعلمون فقط، وإنما لأن الرغبة في الهيمنة تستطيع أن ترتدي في كل مرة قناعا جديدا، بينما تظل المزرعة هي المزرعة، ويتغير فقط اسم الحيوان الذي يمسك بمفتاحها.

صوت وصورة
تصوير الخيول في معرض الفرس
الثلاثاء 13 أكتوبر 2026 - 23:24

تصوير الخيول في معرض الفرس

صوت وصورة
هلال: مجلس الأمن قبَر الاستفتاء
الثلاثاء 13 أكتوبر 2026 - 19:31

هلال: مجلس الأمن قبَر الاستفتاء

صوت وصورة
أبعاد استراتيجية | استراتيجية جديدة للهجرة
الثلاثاء 13 أكتوبر 2026 - 19:00

أبعاد استراتيجية | استراتيجية جديدة للهجرة

صوت وصورة
التويزي رئيسا جديدا لمجلس النواب
الثلاثاء 13 أكتوبر 2026 - 18:22

التويزي رئيسا جديدا لمجلس النواب

صوت وصورة
النواب يشرعون في انتخاب الرئيس
الثلاثاء 13 أكتوبر 2026 - 15:51

النواب يشرعون في انتخاب الرئيس

صوت وصورة
الرقمنة في خدمة مربي الخيول
الثلاثاء 13 أكتوبر 2026 - 13:42

الرقمنة في خدمة مربي الخيول