"رابعة الأثافي" .. تجربة شعرية مشتركة

"رابعة الأثافي" .. تجربة شعرية مشتركة
صورة: هسبريس
الجمعة 2 أكتوبر 2026 - 04:57

يشكل ديوان “رابعة الأثافي: خفق جناحين.. قصيدة بصوتين” للشاعر المغربي عبد الرحمن بوطيب والشاعرة السورية روضة الدّخيل تجربة جمالية تلامس جوهر الكتابة نفسها، ويعيد طرح السؤال القديم/الجديد: هل القصيدة صوتٌ واحد، أم أنها في أصلها تعددٌ مؤجل؟ حيث لا يُجاب عن هذا السؤال نظريا، بل يُختبر عمليا، عبر مغامرة شعرية تضع اللغة في امتحان الحوار، وتدفعها إلى تخوم لم تألفها.

ما يُلفت الانتباه منذ الوهلة الأولى في ديوان “رابعة الأثافي: خفق جناحين.. قصيدة بصوتين” الصادر حديثا في طبعة أنيقة عن منشورات النورس، أن القصائد تقوم على بنية جدلية دقيقة، حيث يكتب عبد الرحمن بوطيب نصا يؤسس أفق المعنى، ثم تأتي روضة الدّخيل بعطفة بوصفها انزياحا واعيا، يعيد توجيه البوصلة الدلالية للنص، هنا، لا تكون الكتابة الثانية تعليقا، أو صدى، أو عطفا تابعا لمعطوفه، بل فعلا تأويليا مضادا، يكشف هشاشة المعنى الأول، ويقترح عليه احتمالات مغايرة.

إننا بإزاء كتابة تشتغل على تفكيك اليقين الشعري من الداخل، لا عبر الهدم، بل عبر الإزاحة الدقيقة.

هذا التوتر الخلّاق بين الصوتين يمنح الديوان طابعا دراميا خفيا، حيث تتحول القصيدة إلى مسرح صامت تتواجه فيه رؤيتان للعالم: رؤية تميل إلى تثبيت المعنى، وأخرى تنزع إلى تقويضه أو تعليقه.

ولا غرابة أن يتوزع الديوان على ثيمات مثل الوطن، الحب، الذاكرة، والانكسار… كتجارب لغوية قيد التشكل، تتغير ملامحها كلما عبرت من صوت إلى آخر. فالوطن، مثلا، يُعاد بناؤه في كل عطفة، كأن اللغة نفسها لا تثق في تعريفها الأول.

إن ما يميز هذه التجربة هو أنها لا تكتفي بالاشتغال على مستوى المعنى، بقدر ما تمتد إلى هندسة النص، فالتجاور المنتظم بين “النص” و”العطفة” يخلق إيقاعا خاصا، لا يقوم على الوزن أو الموسيقى التقليدية، بل على إيقاع التناوب والتوتر، حيث ينتظر القارئ دوما ما ستفعله العطفة بالنص السابق: هل ستحتويه، أم ستقاومه؟

هذا الترقب يصبح جزءا من تجربة القراءة، ومن متعة النص ذاته.

من جهة أخرى، يكشف ديوان” رابعة الأثافي: خفق جناحين.. قصيدة بصوتين” عن وعي عميق بطبيعة اللغة الشعرية، فهي هنا ليست أداة للتعبير، بل فضاء للصراع والتفاوض.

في نصوص بوطيب، نلمس نزوعا إلى التكثيف والاحتشاد الدلالي، بينما تميل الدخيل إلى خلخلة هذا الاحتشاد، عبر لغة مراوغة، تشتغل على الفراغات بقدر ما تشتغل على الامتلاء، وهكذا، لا يكون الاختلاف بين الصوتين اختلاف نبرة فحسب، بل اختلافا في تصور الشعر ذاته: هل هو بناء، أم تفكيك؟ قول أم تأجيل للقول؟

يمكن قراءة “رابعة الأثافي” أيضا بوصفه تأملا في فكرة الآخر داخل الذات، فكل صوت هنا يكتب في حضرة الآخر، بل بسببه، مما يجعل الكتابة فعلا علائقيا بامتياز، لا يتحقق إلا عبر هذا الاحتكاك الخلّاق. إننا أمام تجربة تُعيد الاعتبار لفكرة “الكتابة المشتركة”، لكن من زاوية أكثر راديكالية، حيث يتم تقاسم القلق الشعري ذاته.

لا يمنح هذا الديوان قارئه أجوبة جاهزة، بل يدفعه إلى التورط في لعبة المعنى، إلى إعادة القراءة، والمقارنة، والإنصات لما بين السطور، إنه نصّ يكتب نفسه مرتين، لا ليكرر ذاته، بل ليشكك فيها، وربما في هذا الشك تحديدا تكمن قيمته الجمالية: أن يجعل من القصيدة مساحة مفتوحة تتسع لما لا يُقال إلا بين صوتين.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
لقاء خاص | عبد اللطيف وهبي
الجمعة 2 أكتوبر 2026 - 08:55 12

لقاء خاص | عبد اللطيف وهبي

صوت وصورة
الشعر الصوفي ''إكسير الشفاء''
الجمعة 2 أكتوبر 2026 - 07:48 2

الشعر الصوفي ''إكسير الشفاء''

صوت وصورة
دراسات أثرية حول العصر المرابطي
الجمعة 2 أكتوبر 2026 - 00:30

دراسات أثرية حول العصر المرابطي

صوت وصورة
أمطار غزيرة وسيول جارفة بوجدة
الخميس 1 أكتوبر 2026 - 23:48 4

أمطار غزيرة وسيول جارفة بوجدة

صوت وصورة
التسعيرة ثابتة و''المازوط'' غالي
الخميس 1 أكتوبر 2026 - 20:32 6

التسعيرة ثابتة و''المازوط'' غالي

صوت وصورة
عرشان يدعم "حكومة المنصوري"
الخميس 1 أكتوبر 2026 - 13:42 5

عرشان يدعم "حكومة المنصوري"