دخل فيلم “رامايانا”، المستوحى من إحدى أشهر الملاحم الدينية في الهندوسية، سباق شباك التذاكر العالمي، بعدما انطلقت عروضه الخميس 5 نونبر الجاري، في إنتاج سينمائي غير مسبوق من حيث التكلفة في تاريخ الهند، بميزانية تقدر بنحو 420 مليون دولار، ورهان على تحويل قصة متجذرة في الموروث الديني والثقافي الهندي إلى عمل قادر على منافسة أضخم الإنتاجات الهوليوودية.
ويحمل الفيلم، الذي أخرجه نيتيش تيواري، عنوان “رامايانا: بزوغ أسطورة”، ويُعرض بنسختين بالهندية والإنجليزية، فيما استعان صناعه بتقنيات الذكاء الاصطناعي للمساعدة في مزامنة الدبلجة بنحو 40 لغة، في خطوة تستهدف توسيع انتشاره خارج الهند والوصول إلى جمهور لا يعرف بالضرورة تفاصيل الملحمة الأصلية.
واستغرق التحضير لهذا المشروع أكثر من عشر سنوات، وشارك في تنفيذه متخصصون في المؤثرات البصرية حائزون جوائز أوسكار، إلى جانب مجموعة من أشهر نجوم السينما الهندية، على أن تُعرض القصة في جزأين، صدر أولهما هذا الأسبوع، بينما يرتقب طرح الجزء الثاني سنة 2028.

أسطورة هندوسية تتحول إلى ملحمة سينمائية عالمية
ويروي العمل قصة الأمير راما الذي يسعى إلى إنقاذ زوجته سيتا بعد اختطافها على يد رافانا، ملك الشياطين، بمساعدة شقيقه لاكشمان والإله القرد هانومان، في ملحمة تنسب إلى الشاعر السنسكريتي فالميكي، ويعود تاريخها، وفق الروايات التاريخية إلى القرن الخامس قبل الميلاد.
وتحتل هذه القصة مكانة مركزية في المعتقد الهندوسي، حيث يُنظر إلى راما باعتباره تجسيدا للإله فيشنو، كما تحولت أحداث الملحمة وشخصياتها على مدى قرون إلى مصدر إلهام للأدب والفنون المسرحية والرقص والاحتفالات الدينية في الهند وبلدان أخرى من جنوب آسيا وجنوب شرقها.
ويشارك في بطولة الفيلم الممثل رانبير كابور، أحد أبرز نجوم بوليوود، إلى جانب الممثل ياش الذي يؤدي شخصية رافانا، والممثلة ساي بالافي التي تجسد شخصية سيتا، في عمل يقوم على مشاهد قتالية واسعة ومؤثرات رقمية تصور كائنات أسطورية وشياطين عملاقة وفيلة طائرة.
وقال رانبير كابور قبيل انطلاق العروض، إن المشروع جمع عاملين ومتخصصين من أنحاء مختلفة من العالم، في إشارة إلى الطابع الدولي للإنتاج الذي يجمع بين الخبرة الهندية والتقنيات المستخدمة في كبرى استوديوهات السينما العالمية.
وتولت شركة “DNEG”، التي يوجد مقرها في لندن، إنجاز المؤثرات البصرية للفيلم، وهي شركة سبق أن نالت ثماني جوائز أوسكار عن مساهماتها في أعمال سينمائية، من بينها “إنسبشن” و”ديون”، ويقودها المنتج الهندي ناميت مالهوترا، أحد أبرز المشرفين على المشروع الجديد.
واستعان الفيلم كذلك بالموسيقار الألماني هانز زيمر، المعروف بأعماله في عدد من الإنتاجات الهوليوودية الكبرى، والملحن الهندي أي. آر. رحمان، الحائز بدوره جوائز أوسكار، لوضع موسيقى تصويرية ترافق الأحداث الملحمية والمواجهات التي تشكل العمود الفقري للقصة.

بوليوود تنافس هوليوود وتراهن على الأسواق الدوليةوأكد المنتج ناميت مالهوترا أن “رامايانا” هو أكبر إنتاج في تاريخ السينما الهندية، مقارنا حجمه وطموحه الفني بسلسلتي “حرب النجوم” و”سيد الخواتم”، ومعتبرا أن طبيعة الحكاية واتساع مشاهدها يمنحانها القدرة على استقطاب جمهور عالمي.
وأوضح مالهوترا أن العمل يحتفظ بهويته الهندية رغم اعتماده على تقنيات إنتاج دولية، قائلا إن القصة تقدم سردا أصيلا ينطلق من الثقافة الهندية دون التخلي عن خصوصيتها، وهو توجه يراهن عليه المنتجون لإيصال الملحمة إلى أسواق سينمائية متعددة.
من جانبه، قال المخرج نيتيش تيواري إن المشاعر والقيم التي تحملها “رامايانا” تتميز بطابع يتجاوز الزمن، موضحا أن فريق العمل سعى إلى نقل هذه المضامين إلى الجمهور العالمي من خلال لغة سينمائية معاصرة.
واختار صناع الفيلم الابتعاد عن بعض المكونات التقليدية المرتبطة بأفلام بوليوود، خصوصا الفقرات الغنائية والاستعراضية، مع الاحتفاظ بعناصر أخرى من السينما الهندية، مثل الدراما العاطفية وقصص الحب والمواجهات الحركية والمناظر الطبيعية الواسعة.
ويأتي هذا الرهان في وقت تنتج فيه الصناعة السينمائية الهندية نحو ألفي فيلم سنويا، وتواصل توسيع حضورها الدولي، مستفيدة من انتشار منصات البث الرقمي، من قبيل “نتفليكس” و”أمازون برايم فيديو”، اللتين ساهمتا في وصول الإنتاجات الهندية إلى جماهير جديدة.
وتتولى إنتاج “رامايانا” شركتا “برايم فوكس ستوديوز”، التي يملكها مالهوترا وتتخذ من مومباي مقرا لها، و”مونستر مايند كرييشنز” التابعة للممثل ياش، بينما تتكلف شركة “سوني بيكتشرز” بتوزيعه دوليا.

من معابد أيودهيا إلى الشاشة.. ملحمة في قلب الجدل الديني والسياسي
غير أن أهمية “رامايانا” تتجاوز أرقام الإنتاج والتوزيع، بالنظر إلى الموقع الذي تحتله الملحمة في الذاكرة الدينية والسياسية الهندية، حيث ارتبطت شخصية راما خلال العقود الماضية بنقاشات حادة بشأن الهوية الدينية والعلاقات بين الهندوس والمسلمين.
ففي سنة 1992، هدم ناشطون من التيار القومي الهندوسي مسجدا يعود إلى القرن السادس عشر في مدينة أيودهيا بشمال الهند، اعتقادا منهم أن الموقع شُيد فوق المكان الذي شهد مولد راما، وهو الحدث الذي أعقبته أعمال عنف طائفية أودت بحياة ما لا يقل عن ألفي شخص، غالبيتهم من المسلمين.
وفي سنة 2019، أصدرت المحكمة العليا الهندية حكما أتاح بناء معبد هندوسي في الموقع، قبل أن يفتتحه رئيس الوزراء ناريندرا مودي سنة 2024، في احتفال حظي باهتمام سياسي وإعلامي واسع قبيل الانتخابات العامة التي أعادت حزبه إلى السلطة.
وكانت الملحمة نفسها قد عرفت انتشارا شعبيا استثنائيا عندما تحولت إلى مسلسل تلفزيوني عرضته القناة العمومية الهندية “دوردارشان” في أواخر ثمانينيات القرن الماضي، واستقطب ملايين المشاهدين، حتى إن بعض الباحثين ربطوا نجاحه بتزايد حضور الرموز الدينية الهندوسية في المجال السياسي.
وخلال الفترة نفسها، عرف حزب “بهاراتيا جاناتا” الذي يقوده مودي حاليا صعودا انتخابيا لافتا، بعدما ارتفع تمثيله في مجلس النواب من مقعدين سنة 1984 إلى 85 مقعدا سنة 1989، ثم 120 مقعدا سنة 1991، بالتزامن مع تصاعد الجدل بشأن موقع أيودهيا.
ولم تنحصر تأثيرات “رامايانا” داخل الحدود الهندية، إذ ظهرت روايات مختلفة للقصة في الآداب التاميلية والبنغالية والخميرية والإندونيسية، كما حضرت شخصياتها في الرقصات الشعبية والمسرح وعروض الدمى في تايلاند وكمبوديا ودول أخرى.
وتحتل الملحمة أيضا مكانة بارزة في عدد من المناسبات الدينية، من بينها احتفالات “دوسيهرا” المرتبطة بانتصار راما على رافانا، واحتفالات “ديوالي” التي ترتبط في إحدى رواياتها بعودة راما إلى أيودهيا بعد انتهاء منفاه.
ويضع هذا الامتداد الديني والثقافي صناع الفيلم أمام تحد يتعلق بكيفية تقديم شخصيات تحظى بمكانة مقدسة لدى قطاعات واسعة من الجمهور الهندوسي، وهو ما أشارت إليه الممثلة ساي بالافي عندما تحدثت عن شعورها بمسؤولية كبيرة في أداء شخصية سيتا، بالنظر إلى العلاقة الشخصية والوجدانية التي تربط ملايين الهنود بهذه الشخصيات.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.