في الثاني من غشت 2025، وبينما كانت المنطقة المغاربية تمر من لحظة تراكم دبلوماسي حساس، بعث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بصفته الرسمية رئيسا للولايات المتحدة، رسالة خطية إلى الملك محمد السادس، لم تكن بيان مجاملة ولا لفتة تحالف تقليدية، بل كانت بمثابة وثيقة سيادية دولية، تعلن للعالم أن أمريكا تجدد اعترافها الكامل بسيادة المغرب على أقاليمه الصحراوية، ليس بوصفه موقفا قائما على العرف، بل باعتباره سياسة دولة مستمرة لا رجعة فيها. كانت الرسالة، من حيث لغتها، محسوبة الكلمات؛ لكنها من حيث دلالاتها، تتجاوز بكثير ما يقال في المؤتمرات أو يدون في بيانات الخارجية.
لقد جاء تأكيد ترامب هذه المرة أكثر رسوخا من إعلان 10 دجنبر 2020، لا لأنه أكثر صخبا، بل لأنه يصدر هذه المرة عن رئيس عائد إلى البيت الأبيض في ظرف دولي مختلف، وفي مواجهة تحولات إقليمية يراها بنفسه امتدادا لما بدأه في ولايته الأولى. ولذلك، فالموقف الأمريكي المجدد لا يقرأ اليوم كاستمرار، بل يقرأ كـتصعيد استراتيجي محسوب في وجه كل الأطراف التي لا تزال تراهن على تدويل الصحراء أو إعادة خلط أوراق التفاوض. الرسالة تقول بوضوح: إن الإدارة الأمريكية تعتبر مبادرة الحكم الذاتي المغربية الحل الوحيد الجاد والواقعي والدائم، وهذه العبارة، حين تصدر عن رئيس في الحكم، ليست توصيفا، بل إشارة إلى إنهاء هامش المناورة من جهة الخصوم.
بالنسبة للجزائر، الجارة التي ما فتئت تؤكد رفضها للاعتراف الأمريكي، وتراهن على الزمن الدبلوماسي الطويل، فقد مثلت رسالة ترامب ضربة دبلوماسية مباشرة. ليس فقط لأن الرجل عاد ليثبت من موقعه الرئاسي ما سبق أن أعلنه، ولكن لأن واشنطن، تحت قيادته، قررت أن تجسد هذا الموقف على الأرض سياسيا واقتصاديا، عبر تحفيز الشركات الأمريكية للعمل في أقاليم الجنوب، وتوسيع الاستثمارات في الداخلة والعيون، بل ومطالبة الدول الأخرى بالاعتراف بالمقترح المغربي. الرسالة الأمريكية إذن، أغلقت الباب تماما أمام فكرة العودة إلى الحياد الأمريكي الذي لوحت به بعض الدوائر الأوروبية والحقوقية سابقا، وفرضت على الجميع معادلة جديدة: من لا يعترف، يخرج من طاولة الحل.
أما المنظمات الدولية، وفي مقدمتها الأمم المتحدة، فستجد نفسها منذ اليوم أمام معادلة سياسية لا يمكن تجاوزها: فحين تؤكد أكبر قوة في العالم أن لا حل للصحراء خارج السيادة المغربية ومقترحها الذاتي، فإن كل حديث عن “استفتاء” أو “خيار تقرير مصير كلاسيكي” يتحول إلى صدى خطاب تجاوزته القرارات السيادية الدولية الجديدة. وهذا يعني في المآل العملي أن المبعوث الأممي القادم، أيا يكن، سيكون مطالبا بأن يتحرك داخل إطار سيادي محدد، لا ضمن حقل مفتوح.
لقد جاءت رسالة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الملك محمد السادس في لحظة حرجة، لا فقط بسبب المنعطفات الدولية الحادة، ولكن لأنها تتقاطع مع تحول فرنسي نوعي في الموقف من قضية الصحراء، حيث أعلنت باريس رسميا في يوليوز 2024 دعمها الصريح للسيادة المغربية، وتبعتها لندن في يونيو 2025 بموقف مماثل، فيما أصبح الاتحاد الأوروبي برمته مضطرا لإعادة هندسة خطابه السياسي حيال الملف. وسط هذا السياق، لم تكن رسالة ترامب مجرد تذكير بموقف إداري سابق، بل جاءت بلغة الدولة العظمى التي تكتب التاريخ السياسي بلغة الأمر والقرار: إن سيادة المغرب على صحرائه هي أساس الموقف الأمريكي، وخطة الحكم الذاتي هي الإطار الوحيد المقبول لحل دائم. بتلك الصيغة الحاسمة، تكون واشنطن قد أغلقت الباب أمام أي عودة إلى لغات الحياد الدبلوماسي أو التدويل الرمادي، وأثبتت أن وعود الاعتراف ليست مرحلة انتقالية، بل استراتيجية ثابتة.
إن الأثر الفوري لهذه الرسالة لم يقتصر على محور الرباط واشنطن، بل ضرب في العمق كل مواقع التردد في بروكسل. فرنسا التي تحولت من الحياد البراغماتي إلى الاعتراف العملي، وجدت نفسها الآن أمام واجب الترجمة المؤسسية لهذا الموقف داخل الاتحاد الأوروبي. وبالمثل، واجهت بروكسل مأزق التوفيق بين خطاب حقوقي يدور في فلك الأمم المتحدة، ومصالح استراتيجية تتجه بسرعة نحو الرباط. وبذلك، لم تعد الرسالة الرئاسية الأميركية وثيقة دبلوماسية، بل معيارا جديدا لترسيم المواقف وتحجيم التأويلات، وركيزة لتوازن قوى جديد في الساحة السياسية الدولية.
أما داخليا، فقد بدت الرسالة كإشارة انطلاق لمرحلة جديدة من التموقع الاقتصادي المغربي. فقد تسارعت التصريحات حول دخول كبريات الشركات الأميركية إلى الجنوب المغربي، من الداخلة إلى العيون، ضمن مشاريع بنى تحتية ولوجستيكية تربط المغرب بالعمقين اللاتيني والأفريقي. الرسالة إذن لم تؤسس فقط لاعتراف سيادي، بل أطلقت يد الرباط في الاستثمار والتحالف والضغط الدولي. ففي مجلس الأمن، سيكون للولايات المتحدة أوراق ضغط إضافية ترجح كفة المقترح المغربي، فيما تتحول المصالح الميدانية الأميركية إلى شبكة أمان سياسية للمغرب ضد أي محاولات انتكاس.
في المقابل، تجد الجزائر نفسها أمام مشهد استراتيجي شديد القسوة: دعم غربي متنام لمقترح الحكم الذاتي، وتآكل متسارع لمصداقية خطابها في المنتديات الدولية. فبعد أن كانت تراهن على تدويل الملف من بوابة مجلس الأمن، وعلى استثمار التردد الفرنسي كرافعة توازن، اكتشفت أن اللعبة تغيرت: باريس خرجت من مربع الحياد، ولندن تخلت عن الغموض، وواشنطن أعلنت التزاما يتجاوز الكلام إلى الفعل. بهذا المعنى، لم تترك الرسالة الرئاسية فراغا في الحقل الدبلوماسي، بل سدت منافذ الالتفاف، وقلبت الطاولة على رهانات الجزائريين، ودشنت لمرحلة لا تملي فيها الأمم المتحدة قواعدها على الأرض، بل تمليها التحالفات التي تبنى في الصحراء، على الأسفلت، وفي الأسواق، وفي الحقول النفطية والرقمية.
إن ما يجعل رسالة ترامب ليوم 2 غشت 2025، ذات أثر مركزي لا يقتصر على إعادة تأكيد الاعتراف، بل على ما تضمنته من تحول في بنية التعامل الأمريكي مع ملف الصحراء المغربية: من الاعتراف السياسي إلى الاستثمار العملي، ومن الدعم الصوري إلى التموضع الاستراتيجي. وهذه الرسالة لم تكن نتيجة ضغط مغربي أو مساع دبلوماسية خفية، بل كانت ترجمة فعلية لما أصبح عليه المغرب في نظر الولايات المتحدة: دولة محورية في شمال إفريقيا، وفاعل استقرار، وشريك موثوق في الأمن، والطاقة، والتنمية العابرة للقارات. فحين تمنح شرعية السيادة على الإقليم، وتفتح بوابات الاستثمار في الأقاليم الجنوبية، ويتم تحييد أطروحات التقسيم، فإن واشنطن تقول ضمنا: الصحراء مغربية، والملف انتهى، ومن أراد العودة للوراء، فليتحمل كلفة العزلة.
وهنا بالضبط تظهر المفارقة الجزائرية: فقد كانت تظن أن الزمن يعمل لصالحها، وأن تآكل المواقف الغربية سيمنحها منابر جديدة لخطاب تقرير المصير، وأن التحول في إدارات واشنطن سيضعف الاندفاع المغربي. غير أن الرسالة كشفت أن الزمن لم يعد عنصرا حياديا في هذا الملف، بل صار عامل ضغط إضافي. وكلما مضى الوقت، ازدادت السيادة المغربية على الأرض ترسخا بالاستثمار، وتوسعا بالاعتراف، وتأييدا بالوقائع. ومع ذلك، لا يزال الخطاب الرسمي الجزائري يعيد العبارات نفسها، التي تجاوزها السياق، غير مدرك أن الصمت الدولي عن تلك العبارات لم يعد محايدا، بل تحول إلى عزلة مؤسساتية، ترجمت في تناقص عدد الدول المؤيدة لجبهة البوليساريو، وفي انهيار المبادرات الإقليمية التي كانت الجزائر تسعى لتأطيرها داخل الاتحاد الإفريقي.
أما على مستوى المنظمات الدولية، فإن الرسالة الأمريكية شكلت منعطفا فعليا في خطاب الأمم المتحدة، وإن لم يعلن ذلك صراحة. فالمبعوث الأممي بات يتحرك في هامش سياسي جديد، لم تفرضه الرباط، وإنما فرضه تواطؤ القوة والشرعية. والمقترح المغربي، الذي كان يعامل بوصفه خيارا من بين خيارات، أصبح في واقع الملفات الجارية المقترح الوحيد الذي لا يملك خصومه بديلا واقعيا له. وهو ما يدفع تدريجيا نحو تحويل المائدة المستديرة إلى آلية تنفيذ، بدل أن تبقى آلية تفاوض عبثي.
وعلى ذلك، نستطيع أن نقول، دون تردد، إن رسالة ترامب لم تكن مجرد خطاب مجاملة من رئيس حليف إلى ملك شريك، بل كانت نقطة انقلاب استراتيجي هادئ في ميزان القوى المغاربي والدولي. فكل حرف فيها كان مقصودا، وكل توقيت فيها كان محسوبا، وكل جهة معنية بها فهمت مضمونها، سواء صرحت بذلك أم سكتت. ومن هنا، فإن الجواب الحقيقي على الرسالة لم يكن في التصريحات، بل في التبدلات الصامتة التي بدأت تشهدها العواصم الإقليمية والدولية، حين أدركت أن الصحراء لم تعد ملفا للنقاش، بل أصبحت أرضا للقرار. وهذا هو بالضبط ما أراد ترامب قوله، دون أن يرفع صوته.
تمثل رسالة ترامب التي بعث بها إلى العاهل المغربي محمد السادس -حفظه الله ورعاه- لحظة فارقة في مسار النزاع، لأنها أعلنت انتهاء مرحلة “الانتظار والتردد”، ودخول مرحلة “الفرض والإنجاز”. وهي، من منظور استراتيجي، وضعت الجزائر أمام جدار صلب لا يمكن تجاوزه إلا بتغيير عميق في خطابها وسياستها، وهو ما يبدو بعيد المنال في الظرف الحالي.
بهذا المعنى، فإن الرسالة لم تُعد فقط تموقع المغرب دوليًا، بل دشّنت مرحلة عزلة متزايدة للجزائر، سياسيًا ودبلوماسيًا، حيث لم يعد خطابها يجد آذانًا صاغية، لا في مجلس الأمن، ولا في العواصم الكبرى، ولا حتى داخل الاتحاد الإفريقي، بعدما تحوّل الزمن من حليف محتمل إلى عامل ضغط شديد الوطأة.
فهل يستوعب حكام المرادية الرسالة .. ؟!