عرصة بناني

عرصة بناني
الجمعة 5 دجنبر 2025 - 10:46

يقع بيتنا في عرصة بناني، حي سيدي بوجيدة (الزعيمة، كما كنا نسميها)، وهو حي يقع خارج أسوار فاس، نسبة للشيخ بوجيدة العماري ذي الأصول الأمازيغية، حيث كان الناس يحتمون به من اللصوص. كانت حومتنا، عرصة بناني، تضم ساحتين: ساحة كبيرة وساحة صغيرة، في الدرب الوحيد الموجود بالعرصة. إنها ساحة داخل الساحة. غالبًا ما كانت الساحة الصغيرة مخصصة للصغار، بينما كانت الساحة الكبيرة شاهدة على وقوع مباريات حامية الوطيس، يحضرها جمهور غفير من الساكنة، صغارًا وكبارًا، وأحيانًا حتى المسنون. علاوة على الفرجة المضمونة من قلب البيوت، التي كانت توفرها النوافذ الكبيرة المشرعة، الشيء الذي كان يسمح بمتابعة أطوار المقابلة، أو يتيح، في أحيان أخرى، ممارسة المراقبة الأبوية، كما يشفي غليل الفضول في معرفة أسباب ومآل نزاع، أو التعرف على كل من يلج عتبات العرصة من غير سكانها الأصليين…

في أقصى العرصة، توجد على اليسار العمارة التي يؤوي بيتنا، وهي لصيقة بسور نطل من خلاله على وادٍ على شكل ممر قصير، يفصل بين جهتين: حومة عرصة بناني وحومة لحبيل. كان يستقبل مياه الصرف الصحي، وينهمر بالماء الغزير في فصل الشتاء. مرارًا ما كنا ننزل إلى الوادي لاسترجاع كرة طائشة أو “خذروف” (طرومبيا)، أو أشياء أخرى… أحيانًا، في أحد أيام فصل الربيع الجميلة، كنا نمتطي صهوة الوادي، نمشي على الجانب المعشوشب، الذي تنمو فيه بعض النباتات من تلقاء نفسها، كأنها تريد أن تؤنس الوادي في رحلته المستمرة. نسير إلى أن نصل إلى جنان بوطاعة، ونعود أدراجنا بعد أن نستنفذ طاقتنا في اللعب، وبعد أن تمتلئ صدورنا بمرح الحياة. نعود ونحن نراقب في إيابنا كيف أن الوادي لا يزال على نهج الذهاب. هكذا سيترسب بداخلي حضور الماء والرغبة الدائمة في النظر إلى سيولته وحركاته، والتسمع لصوته، حيث أشعر بالتجدد، بالاستمرارية، بالانطلاق، بالطفولة… لم يعد للوادي أثر، لقد عُوِّضت سيولة الماء بصلابة الأرض، وأصبح الوادي طريقًا، ولم يعد لصوت وسيولة الوادي من وجود سوى في ذاكرتي…

كانت الحومة تعج بساكنة غير متجانسة من حيث الأصل الجغرافي، والمرجعية الثقافية، والمستوى الفكري، وطبيعة الحالة النفسية، ودرجة التفاوتات الاجتماعية. لكنها نسجت تجانسًا إنسانيًّا على قاعدة العيش المشترك، وقبول الاختلاف، والاعتراف بوحدة الانتماء إلى المملكة الصغيرة “عرصة بناني”، التي كانت تقوم على ركائز اللعب والمغامرات والمحادثات.

تفتحك العرصة على اتجاهات مختلفة. كنا نحج إليها، ثم نعود عاكفين إلى العرصة، جُحْرنا الذي يجعل لكل ذاهب معنى وغاية. نذهب للعب الكرة في ساحة المستوصف عندما نمثل فريق حومتنا، مقابل اللعب مع فريق حومة أخرى. غير بعيد عن العرصة، كانت تنتصب شجرة التوت، التي نأكل منها، ونلقط أوراقها لتغذية دودة القز، التي كنت، كباقي أقراني، أقوم بتربيتها، وأرعى تكاثرها، وهي تلقي بالخيوط الحريرية من فمها، وتنسج شرنقاتها. كنت أسعد بتحولاتها، حيث تضع الفراشة البيوض، وتبقى مدة طويلة قبل أن تفقس، وتظهر اليرقات، التي تنسج الشرنقات، ثم تتحول إلى فراشات لامعة في لونها الأبيض أو الأصفر. كم كنت أتأسف على موتها بعد أن تضع البيوض. وكنت في بعض الحالات أبيع ما رعيته من ديدان لكل من يرغب في خوض غمار هذه التجربة، في تتبع مسار دورة الحياة.

كل شروط العيش كانت متوفرة في العرصة، وفي الامتدادات التي تفضي إليها: ساحة اللعب، مقهى ومحلبة بناني، ثم لحقتها مقهى التحيفة، حوانيت المواد الغذائية، وبائعو الخضر والفواكه، وبائع المكسرات والحبوب الجافة والمقلية، وبائع الدونات (الشفناج)، وبائع الحليب واللبن، والجزار، وتاجر الدواجن، والحلاق، والفران، والحمام، والمستوصف، والنادي النسوي، وبائع الجرائد والمجلات والسجائر. وبائع السجائر بالتقسيط، وبائع الحشيش، وبائع المشروبات الكحولية… إنها شبه مدينة مصغرة، تكاد تغيب فيها السيارات والدراجات النارية…

كانت بعض السلع تستنفذ لقلتها، وتلزمك بالاستيقاظ باكرًا إن كنت ترغب في الحصول على نصيبك منها، مثل الحصول على اللبن يوم الجمعة، أو الحصول على الحليب في رمضان. لذا، كنا نقوم بشكل تناوبي، أنا وإخوتي، على الالتحاق بحانوت بائع الحليب بعد صلاة الفجر مباشرة، ونقف في طابور لكي نأخذ حصتنا من الحليب الذي سنحتاجه في موعد الفطور.

كما كنت أستيقظ باكرًا، مسرعًا في اتجاه “الصاكا” القريبة من النادي النسوي، من أجل اقتناء جريدة “المحرر”، التي كانت تستنفذ قبل الثامنة صباحًا. كنت، وأنا في مرحلة التعليم الإعدادي، أواظب على “المحرر”، وأعكف على قراءتها كاملةً دون أي استثناء. كانت الجريدة تزخر بمواد سياسية وأدبية وتاريخية واقتصادية، كانت منبرًا سياسيًّا ومرجعًا ثقافيًّا. كانت الجرائد والمجلات متوفرة في أغلب أحياء فاس، بما فيها حتى تلك التي تصدر خارج المغرب، من مجلات عربية وغربية. كنت، مثلاً، أواظب على شراء كل شهر مجلةٍ بدرهم واحد، كانت تصدر من الاتحاد السوفياتي. لكنني استغربت ذات زيارة للمدينة منذ سنوات خلت، وقبل الزحف الرقمي وما رافق ذلك من تراجع رهيب في محتويات الجرائد، حيث بحثت عبثًا عن الجريدة داخل المدينة القديمة فوجدتها أصبحت في خبر كان…

لم تكن العرصة مكانًا فقط أسكن فيه، ويتواجد فيه بيتنا، بل كانت امتدادًا لبيتنا، جزءًا أساسيًّا من فسيفساء تشكيل هويتي، في علاقتي بالمدينة، وبالحياة، وبالعالم، وبالمستقبل أيضًا. كم أتحسر على ضياع حياة الحومة داخل المدينة، التي تتداعى اليوم بحمى الحياة، وإنهاء شرايين امتداد الحومة، لكي تتحول إما إلى مكان منغلق بساكنته التي تتوجس بشكل رهيب من الآخر، وتتهيب من الشارع والزنقة والخارج، وكلما غادرت منازلها إلا وبحثت عن داخل تأوي إليه: المقاهي والمطاعم… أو تحولت إلى مجرد مكان مغلق بإقاماته، التي تعزل مجموعة من الساكنة لا تعيش في الداخل مع بعضها البعض، بقدر ما تعيش عزلة حادة تفصل بين عمارة وأخرى، وبين شقة وأخرى. لم يكن الحي الشعبي (مثل سيدي بوجيدة وعرصة بناني تحديدًا) مزبلة المدينة، ولا هامشًا للفوضى، لم يكن يكتظ بساكنة تتجاوز طاقته الاستيعابية، ولا مأوى للمحبطين والمقهورين، ولا مكانًا يعج بالمنحرفين والمجرمين. بل كان فضاءً جميلًا للعيش المشترك، يمنحك الحق في اللعب والسمر، يملؤه الحالمون والمثقفون والسياسيون. كان مكانًا نظيفًا ومنظمًا، وكل استثناءٍ كان يؤكد القاعدة….

عندما أزور سيدي بوجيدة والعرصة الآن، لا أجد طفولتي إلا في ذاكرتي. لا أعثر على عرصة الطفولة، بل أجد سيدي بوجيدة غريبة عني، بما ظهر عليها وعلى امتداداتها من مظاهر البدونة، من تشويه عمراني، وفوضى الباعة المتجولين، وانتشار الأزبال والأوساخ، وشحوب الجدران، وترهل النوافذ، وذبول الأبواب. فلا ألمس نداوة طفولة سيدي بوجيدة والعرصة، بل أجدها شاخت وأصبحت أرضًا غمقًا.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
جنرال أمريكي: المغرب مصدر للأمن
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 16:47 2

جنرال أمريكي: المغرب مصدر للأمن

صوت وصورة
مبادرة ساكنة لفك العزلة
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 15:06 8

مبادرة ساكنة لفك العزلة

صوت وصورة
تشييع المغربية ضحية الهجوم الحوثي
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 10:57 2

تشييع المغربية ضحية الهجوم الحوثي

صوت وصورة
معرض الطيران يجمع الفرجة والمعرفة
السبت 10 أكتوبر 2026 - 23:30

معرض الطيران يجمع الفرجة والمعرفة

صوت وصورة
مضادات "درون" مصنوعة مغربيا
السبت 10 أكتوبر 2026 - 21:30 5

مضادات "درون" مصنوعة مغربيا

صوت وصورة
الدار البيضاء تتضامن مع غزة
السبت 10 أكتوبر 2026 - 20:15 7

الدار البيضاء تتضامن مع غزة