سؤال الديمقراطية داخل الأحزاب

سؤال الديمقراطية داخل الأحزاب
الإثنين 28 شتنبر 2026 - 14:13

إن كل ذي عين فاحصة وبصيرة غير ناقصة، متتبع عن كثب للمشهد الحزبي، لن يجد كبير عناء في الوقوف على إشكالية غياب الديمقراطية داخل الأحزاب السياسية المغربية، والتي تتمظهر في عملية انتخاب هياكل الحزب من رئاسة وأجهزة تنفيذية، وما يشوبها من تجاوزات.

ويستتبع ذلك، نتائج سلبية يمكن إجمالها في حدوث شروخ وانشقاقات داخل الحزب الواحد، وصراعات تحول المشهد الحزبي إلى حلبة للدفاع عن المصالح الشخصية الصرفة عوض المصلحة العامة، والمشهد الحزبي غني بهذه الأمثلة.

وغير خفي، أن غياب الديمقراطية داخل الأحزاب يتنافى مع مكانتها الدستورية باعتبارها رافعة أساسية لبناء دولة الحق والقانون، وتكريس خيار الديمقراطية التشاركية التي تعتبر أساس المجتمع القوي. كما أن موت الديمقراطية داخل الأحزاب يتنافى مع مفهوم الحزب الذي يرتكز على مبدأ الديمقراطية، والتي تعني ذلك النظام الذي يختار فيه المواطنات والمواطنين من يمثلهم عن طريق الانتخابات الصحيحة الحرة.

ومن هنا تثار مجموعة من التساؤلات من قبيل: كيف يمكن لحزب سياسي لا يعتمد على الآليات الديمقراطية في تدبير شؤونه الداخلية، أن ينجح في صون الخيار الديمقراطي الوطني، وفي تسيير أمور البلاد والعباد عند تقلد رجالاته لمراكز المسؤولية والقرار؟.

إن تلاشي الديمقراطية داخل الأحزاب السياسية يترتب عليه غياب الفاعلية والمردودية عن أجهزتها، لاسيما وأن جل الأحزاب أصبحت لصيقة ومرتبطة بأشخاص معينين منذ ردح من الزمن، مما أفرز لنا ظاهرة يمكن تسميتها بشخصنة الأحزاب السياسية.

وينجم عن ذلك، تكريس أزمة عزوف المواطن عن المشهد السياسي، وهذا يتنافى مع مفهوم الحزب السياسي الذي يعتبر منظمة مستمرة ودائمة، بمعنى أنه منظمة يتجاوز عمرها السياسي عمر الأعضاء الذين أنشؤوها.

وظاهرة الشخصانية تمثل الطابع الأكثر تمييزا للأحزاب السياسية في الدول النامية، ومؤداه الاستعاضة عن دور المؤسسات السياسية في العملية السياسية بالدور الذي تلعبه الشخصيات، حيث يتولى القادة أو رؤساء الأحزاب اتخاذ القرارات السياسية الاستراتيجية أو التكتيكية في إطار نمط من العلاقات الضيقة، فعندما تغيب المؤسسات السياسية يكون البديل هو الشخصيات، وفي الوقت الذي يعكس هذا الطابع السلطة الشخصية لقادة الأحزاب، يكرس الطبيعة الغير ديمقراطية لعملية اتخاذ القرارات السياسية، فهذه القرارات تصنع داخل إطار ضيق يتكون من الرؤساء وبعض المقربين والأتباع.

وكنتيجة لما سلف ذكره، استفحلت ظاهرة العزوف الانتخابي، وتدني نسبة المشاركة في الانتخابات، والتي أضحت من أبرز الاختلالات التي تعتري المشهد السياسي.

ويمكن تعريف العزوف السياسي، بأنه الامتناع والإمساك والكف والاستنكاف والإحجام عن التصويت، والذي يمكن تفسيره بضعف سمعة المرشحين، وتشابه البرامج الحزبية، وضعف اقتناع الناخبين بجدوى الاقتراع.

وهكذا، يتعطل مفهوم المشاركة السياسية، والتي تُعرف بكونها: مجموع النشاطات الجماعية التي يقوم بها المواطنين، وتكون قابلة لأن تعطيهم تأثيرا على سير عمل المنظومة السياسية، بحيث توحد الفكر الجماعي للجماهير، وتساهم في بلورة فكر واحد نحو الإحساس بوحدة الهدف والمصير المشترك.

وفي هذا الصدد، يرى ماكس فيبر بأن: “الأحزاب السياسية أداة أساسية للديمقراطية والاقتراع العام ولضرورة تجنيد وتأطير الجماهير، حتى يتسنى السيطرة على البرلمان لممارسة السلطة السياسية”. وتأسيسا على ذلك، فإن غياب الديمقراطية داخل أحزابنا السياسية يتسبب في انفصالها عن الكثلة الناخبة، وبالتالي تعطيل الخيار الديمقراطي.

ومن هذا المنطلق، فإن مخالفة الأحزاب لمضمون الفصل السابع من دستور 2011 الذي ينص على أنه “يجب أن يكون تنظيم الأحزاب السياسية وتسييرها مطابقا للمبادئ الديمقراطية.”، يفقدها مصداقيتها داخل المجتمع، ويقصي شريحة كبيرة من الشباب التي فقدت الثقة في العمل الحزبي، مما يولد علاقة تنافر بين الأحزاب والكتلة الناخبة.

وبالمقابل، فإن ما تشهده الدول الديمقراطية العريقة من مشاركة كبيرة في الانتخابات، تلعب فيها الأحزاب السياسية دورا أساسيا بواسطة تنظيم المواطنين للمشاركة في المؤسسات التشريعية والتمثيلية بطرق سلمية، عكس ما يحدث في دول العالم الثالث.

وجدير بالذكر، أن إشكالية الديمقراطية داخل الأحزاب السياسية أفرزت مجموعة من الأزمات الوظيفية.

بعد تحليل إشكالية غياب الديمقراطية داخل أحزابنا السياسية، يمكن القول إن الديمقراطية الداخلية ليست ترفا تنظيميا ولا مسألة شكلية، بل هي شرط دستوري ومبدئي لقيام أي حزب سياسي بمهامه التمثيلية والتأطيرية.

وقد أظهرت التجربة الحزبية ببلادنا أن موت الديمقراطية داخل الأحزاب يفضي إلى شروخ وانشقاقات وصراعات، ويحول الحزب من مؤسسة للدفاع عن المصلحة العامة إلى فضاء لتصفية الحسابات والمصالح الشخصية. كما أن شخصنة الأحزاب وتغول القيادات الفردية على حساب المؤسسات، يُضعفان قدرة الحزب على التجديد والاستمرار، ويكرسان منطق الولاءات الضيقة بدل منطق الكفاءة والبرامج.

إن علاج أزمة الديمقراطية داخل الأحزاب السياسية يقتضي مقاربة شاملة ومتعددة المستويات، وذلك على النحو التالي:

– بالنسبة للجانب التشريعي والقانوني: يبدو من الضروري تفعيل مقتضيات الفصل السابع من الدستور عبر تعديل قانون الأحزاب السياسية، بما يجعل الديمقراطية الداخلية التزاما قانونيا قابلا للمراقبة والمساءلة، وذلك بإلزام الأحزاب بانتخابات داخلية نزيهة، وتحديد مدة الولاية، ومنع التمديد غير المحدود أو التوريث السياسي، وإخضاع مالية الأحزاب، وتمويل الحملات الداخلية للمراقبة والشفافية، مع نشر الحسابات والتقارير، وإحداث هيئة مستقلة لمراقبة الانتخابات الداخلية، وضمان حق الطعن أمام القضاء.

– بالنسبة للشأن الحزبي والتنظيمي: يتعين على الأحزاب أن تعيد الاعتبار للمؤسسات وللعمل الجماعي، وأن تقوي دور الأجهزة التقريرية والتنفيذية في اتخاذ القرار، وأن ترسخ ثقافة التداول السلمي على السلطة، وتنظم مناظرات داخلية حول البرامج والقضايا الكبرى. كما ينبغي تمكين الشباب والنساء من مواقع القرار عبر آليات حقيقية للتأطير والتكوين السياسي، وفصل النشاط الحزبي عن المصالح الشخصية والاقتصادية، وتشديد قواعد الأخلاقيات والمساءلة داخل الحزب.

وفضلا عن ذلك، فإن إصلاح الوعي السياسي يظل مدخلا أساسيا لتحصين الديمقراطية الداخلية، وذلك بإدراج التربية المدنية والسياسية في المناهج التعليمية، وتفعيل دور الإعلام في تغطية الشأن الحزبي بموضوعية، وتشجيع النقاش العمومي حول البرامج بدل الأشخاص، ودعم منظمات المجتمع المدني في مراقبة الأداء الحزبي والانتخابي والتحسيس بأهمية التصويت.

أما على المستوى الانتخابي والمشاركة السياسية: فإن استعادة ثقة المواطن تقتضي إصلاح النظام الانتخابي بما يضمن تمثيلية أوسع وعدالة أكبر، ويقرب الناخب من ممثليه، مع تبسيط المساطر الانتخابية، وتقريب مراكز التصويت، وتشجيع المشاركة خاصة في صفوف الشباب، وربط المسؤولية السياسية بالنتائج، ومحاسبة المنتخبين على وعودهم وبرامجهم. وبذلك تتحول المقترحات من مجرد توصيات متفرقة إلى منظومة متكاملة، تجعل من الديمقراطية الداخلية للحزب مدخلًا لإصلاح المشهد السياسي بأكمله، وتحصين الخيار الديمقراطي الوطني.

هكذا، يتبين أن إصلاح مشهدنا السياسي يمر حتما عبر إحياء الديمقراطية داخل الأحزاب، لأن الحزب الذي لا يمارس الديمقراطية في داخله لا يمكنه أن يحميها في الدولة والمجتمع. فبدون ديمقراطية داخلية حقيقية، تبقى الأحزاب عاجزة عن استعادة ثقة المواطنين، وعن أداء دورها الدستوري كرافعة لبناء دولة الحق والقانون، وتكريس الديمقراطية التشاركية. لذلك، فإن إصلاح الأحزاب ليس مسألة حزبية ضيقة، بل هو مدخل أساسي لإصلاح المنظومة السياسية بأكملها، وتحصين الخيار الديمقراطي الوطني من الانحدار والتراجع.

-دكتور في القانون العام والعلوم السياسية

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
توقف أشغال يعرقل السير بطنجة
الإثنين 28 شتنبر 2026 - 15:42 2

توقف أشغال يعرقل السير بطنجة

صوت وصورة
حريق سوق المسيرة بالبيضاء
الإثنين 28 شتنبر 2026 - 13:09 4

حريق سوق المسيرة بالبيضاء

صوت وصورة
دواوير بدون كهرباء في سيدي الطيبي
الإثنين 28 شتنبر 2026 - 12:13 2

دواوير بدون كهرباء في سيدي الطيبي

صوت وصورة
رالي المغرب يخترق الصحراء
الأحد 27 شتنبر 2026 - 23:36 1

رالي المغرب يخترق الصحراء

صوت وصورة
مستشفى تيفلت بلا تجهيزات
الأحد 27 شتنبر 2026 - 22:03 2

مستشفى تيفلت بلا تجهيزات

صوت وصورة
البيضاء تخسر "ذاكرة السينما"
الأحد 27 شتنبر 2026 - 21:30 3

البيضاء تخسر "ذاكرة السينما"