ليس هناك، في كثير من الأحيان، أحسن من بعض عبارات وتعابير كبار الأدباء والمثقفين والكتاب، ممن يصنفون ضمن خانة “عدو السياسي”، والتي يمكن استعمالها وتوظيفها كأحسن وصف أو تعبير عن وضع أو واقع ما، كما هو الحال بالنسبة للوضع الوضيع الذي تعيشه الحياة السياسية والحزبية في هذا الظرف القاتم الذي يعيشه ويجتازه المغرب، وهو وضع يؤسف له كل الأسف، لأنه وضع وطن جريح.
“ساسة اليأس”، هو واحد من هذه التعابير القوية والصادقة للكاتب المغربي الراحل، محمد خير الدين، وهو أدق ما يمكن أن يطلق على مشاهد من بطولة ممثلين وكومبارس ضمن حلقات بئيسة من مسلسل اسمه “ساسة اليأس”، وبإخراج سيء للغاية لا تصنيف له، ولا ضوابط تحكمه.
ما ذا يحدث إذن؟ إنه السؤال الحامل بين دفتيه لأكثر من أهمية وراهنية ومغزى سياسي. لكن، أليس الجواب هو القول بأن ما يحدث هو العبث بعينيه، الذي ما بعده عبث، وهو العنوان العريض لما يطبع المشهد السياسي والحزبي بالمغرب؟ مشهد أقرب إلى صورة الرجل المريض، في زمن التماسيح والعفاريت والسكارى والذئاب والثعالب والخطابات السياسية المهترئة والمهزوزة.
الأكيد أن التطورات الأخيرة، وما رافقها من مشاهد ومستجدات، حتى وإن لم تكن جديدة، هي أهم مؤشر يؤشر على انحطاط غير مسبوق أصبح يفرض نقاشا وطرحا لأسئلة تتعلق بمدى أهمية وجود ما يسمى ب “الأحزاب السياسية” – التي هي أقرب ما يكون حالها بمقولة تشابه البقر-. علاوة على مدى ضرورة وجود كائنات حزبية يبدو أن انعدام وجودها أحسن من وجودها من الأصل، على الرغم مما يفترض من دور لهذه الأحزاب على مستوى التكوين والتأطير والتنظيم، وفعاليتها على صعيد المشاركة السياسية والعملية الديمقراطية برمتها.
إن ما نشهده اليوم، وما يحدث على مستوى مسرح الأحداث السياسية، لهو الطامة الكبرى والكارثة العظمى التي يمكن أن تقتل الهامش الديمقراطي وتساهم في موت السياسة، وبل وقتل السياسة التي هي محور الدينامية الديمقراطية المساعدة على خلق عوامل وشروط التطور والتقدم لكل بلد. أما الحديث هنا عن وضاعة السياسة بالمغرب، فهو إشارة مباشرة إلى أن أبطال هذه اللعبة السياسية، وليس هناك أفضل من تعبير اللعبة يمكن أن يطلق عليها، إنما يضحكون على ذقون المغاربة ويتلاعبون بآمالهم، حتى نكاد نسمى نحن ب “أهل الاستحمار” ويسمون هم ب “أهل النباهة”. يلعبون بالنار ويمارسون “الاستمناء السياسي” والشعوذة السياسية ويبيعون الأوهام والأكاذيب ويصمتون في أوقات الشدة، أو بالأحرى بخفون وجوههم، كما تفعل النعامة، ويستهزؤون بمصداقية العمل السياسي مقابل انتصارهم للابتذال السياسي وللممارسة السياسية الوضيعة التي تعصف بكل أخلاق ومبادئ السياسة ونبلها، إلى درجة أن حولوا الحياة السياسية لسوق أسبوعي أشبه ما يكون ب “جوطية” أو “خردة”..لكنهم حتما سينهزمون ويرحل ساسة العدم، وما ذلك ببعيد.
لقد رسموا صورة قاتمة عن الفعل السياسي وساهموا في تدهور المشاركة السياسية، وعزوف المواطنين عن الانخراط في “الأحزاب السياسية”، وأهملوا الانخراط الجدي في البحث عن الحلول والسبل الحقيقية لتجاوز المعضلات التي يعيشها المغاربة، الذين تركوا لمواجهة قدرهم الخاص، وهؤلاء جزء من قدر المغاربة المقدر عليهم.
صاروا بالمغرب ويسيرون به الهاوية منذ أن طال أمد هذا الواقع السياسي والحزبي البئيس، ودخلوا بالبلاد إلى دائرة الخطر. فمن ينقذ الموقف يا ترى؟ وكيف السبيل للتخلص من “ساسة اليأس” بمختلف ألوانهم وأطيافهم السياسية وقبعاتهم الحزبية؟.
سئل أحد الساسة العظماء عن رأيه في السياسة على ضوء تجربته بعد اعتزاله فأجاب:"لو عرف كل من يبحث عن دخول عالم السياسة أن دوره هو خدمة وطنه ومواطنيه ، وأن تحمل المسؤوليات يكمن في نسيان الذات ، والتفاني في خدمة الصالح العام للشعب ، وتذليل العقبات أمام ساكنة الأمة ، والبحث عن حلول إيجابية بسيطة للارتقاء بكل الناس ، والرقي والازدهار لكل الناس…لو عرف هؤلاء الباحثين عن ذواتهم – والتي يجهلونها – والباحثين عن المناصب والكراسي الوثيرة المريحة – والتي يعشقونها – لو عرف هؤلاء المسؤوليات الإنسانية في عالم السياسة والتي تنتظرهم لما تشدقوا بمايجهلون ولما ترشحوا لما لايعرفون منه إلا القشور ولما وضعوا مصالحهم الشخصية فوق كل اعتبار "…ياويح أهلي أبلى بين أعينهم…على الفراش ولا يدرون مادائي…