سبتة ومعركة الرواية

سبتة ومعركة الرواية
السبت 22 غشت 2026 - 09:30

بعد أحداث سبتة الأخيرة، سمعت رئيس مليلية المحتلة خوان خوسيه إمبرودا يعود إلى التاريخ للدفاع عن السيادة الإسبانية على سبتة ومليلية. قال إن إسبانيا كانت هناك قبل أن تكون “الأمة المغربية” حلما. فعادت بي الذاكرة أربع سنوات إلى الوراء. كنت وقتها أقف أمام القضاء المغربي أحاول أن أشرح لماذا ليس بريئا أن يشاهد ملايين المغاربة على تلفزيونهم العمومي سبتة وقد تحولت دراميا إلى مدينة إسبانية قبل أكثر من ألف سنة.

لقد ضقنا ذرعا من تاريخ مغربي لا يظهر فيه المغربي إلا تابعا. مرة يُكتب من المشرق فيصبح المغرب هامشا في قصة مشرقية، ومرة يُكتب من أوروبا فتتحول مدننا وشخصياتنا إلى امتداد لروايتهم. وفي الحالتين يُطلب منا أن نتعرف إلى أنفسنا في مرآة صنعها غيرنا.

وحتى قبل أن نشاهد المسلسل، كان سؤالنا بسيطا. كيف يتناول مخرج كويتي محطة مركزية من تاريخ المغرب وشمال إفريقيا في عمل ضخم سيُعرض على التلفزيون العمومي المغربي، من دون استشارة مؤرخ مغربي واحد أو إشراك الباحثين المغاربة في بناء هذه الرواية؟ وكيف يُصوَّر تاريخ المغرب في المشرق بديكور ومعمار وهوية بصرية بعيدة عن بلدنا ثم نُطالَب نحن بألا نلاحظ أن هوية المكان نفسها تغيرت؟ حين نسمح للآخرين بالعبث في تاريخنا فأكيد أننا سنكون الحلقة الأضعف في تلك الحكاية. وسنكرّس لدى المغاربة شعورا بالدونية والتنكر لتاريخهم المجيد.

في أبريل 2022 رفعت دعوى استعجالية للمطالبة بوقف عرض مسلسل “فتح الأندلس”. وكان المقال الاستعجالي، الموقَّع بتاريخ 8 أبريل، يتحدث صراحة عن مغالطات تمس “الامتداد التاريخي والجغرافي للوحدة الوطنية”. كانت سبتة في صلب الدعوى منذ يومها الأول وفي كل تصريحاتنا الصحفية.

الرواية التي دافعنا عنها، وقدّمنا بشأنها مراجع ووثائق للمحكمة والصحافة، هي أن يوليان الغماري كان حاكما مغربيا أمازيغيا مسيحيا ينتمي إلى قبائل غمارة التي ما تزال تقطن شمال المغرب إلى اليوم. وأن طارق بن زياد كان ملكا أمازيغيا مغربيا اعتنق الإسلام، وكانت طنجة عاصمة ملكه. استندنا في ذلك إلى مراجع عدة، منها منمنمات قوطية قدمناها ضمن أدلتنا. لم يكن اعتراضنا محصورا في يوليان وحده. اعترضنا أيضا على تحويل طارق بن زياد إلى مجرد تابع مطلق لموسى بن نصير، وعلى اختزال الفاعلية المغربية والأمازيغية كلها في دور هامشي خلف المشرق.

ما لفتني وقتها، وما زال يعود إليّ كلما تابعت الملف، هو كيف تناولت الصحافة الإسبانية القضية. وكالة الأنباء الإسبانية EFE نقلت الخبر في منتصف أبريل، وأعادت “20Minutos” و”Diario de Sevilla” ومنابر أخرى نشره بعناوين ركزت على التشكيك في الأصل المغربي لسبتة. وحتى “Ceuta TV”، التي تبنت في مقالها الموقف الإسباني وقالت إن سبتة لم تكن مغربية، وصفت جوهر دعوانا بدقة. رفضنا نفي الأصل المغربي للمدينة وتصوير يوليان قوطيا إسبانيا. لم تتبنَّ الصحافة الإسبانية موقفنا، ولم نكن ننتظر منها ذلك. لكنها فهمت أن النزاع يمس مباشرة الرواية التاريخية التي يستند إليها كل طرف في قضية سيادة. وفي غشت من العام نفسه عادت “El País” إلى الملف في تقرير أوسع. وضعت منذ عنوانها الفرعي مسألة الأصل المغربي لسبتة في قلب الجدل، لتؤكد أن القضية لم تكن خبرا رمضانيا عابرا.

داخل المغرب كان الأمر مختلفا تماما. وزارة الثقافة تعاملت مع العمل باعتباره “محاولة فنية وإبداعية” قائمة على الفرجة والخيال، لا عملا وثائقيا يقدم مادة تاريخية. نحن كنا نتحدث عن مدينة مرتبطة بالوحدة الترابية وعن هوية حاكمها، وجاءنا الجواب من باب حرية الفن والتخييل.

والتلفزة المغربية لم تناقش جوهر الاعتراض. خرج من داخلها كلام عن أن القضية “مسألة أذواق”، وعن أننا نبحث عن “الشهرة المؤقتة والبوز”. كان ذلك أكثر ما استفزني. أن نطرح سؤالا عن تاريخ سبتة والوحدة الوطنية، فيُطرح علينا بدلا منه سؤال عن نوايانا.

القضاء الاستعجالي بالرباط قضى بعدم الاختصاص، ولم يصل النقاش إلى جوهر الإشكال. وطُرحت القضية أيضا في البرلمان، عبر سؤال كتابي ينتقد شراء المسلسل بالمال العام دون إشراك مؤرخين مغاربة.

أما الهاكا فاعتبرت أن تجسيد الأحداث الواقعية ومحاكاة الحقب التاريخية في الأعمال التخييلية يدخل ضمن الرؤية الفنية لصاحب العمل، وأنها ليست جهة لمنع عمل أو سحبه أو إملاء مضمونه. وهنا يصبح السؤال مشروعا. كيف يمكن لمؤسسة يُفترض أن تستحضر، في تقديرها للمضامين السمعية البصرية، السياق الوطني والتاريخي الذي تُعرض فيه، أن تتعامل مع مسألة تمس الوحدة الوطنية باعتبارها مجرد خيار فني؟ لم نكن نطالب بدراما تردد الرواية الرسمية، وإنما بألا تُقدَّم رواية تاريخية متنازع عليها للمشاهد كما لو كانت حقيقة مستقرة.

المخرج الكويتي محمد سامي العنزي أعلن لاحقا عن جزء ثانٍ، ونقلت عنه وسائل إعلام مغربية وصفه لمنتقديه بـ”العنصريين”. عُرض المسلسل كاملا، واستمر يكرّس الرواية نفسها حتى آخر حلقاته. في المقابل، لم يكن الاعتراض موقفا فرديا، بل تحول إلى اعتراض شعبي ورقمي واسع لم أتوقعه شخصيا، خصوصا على منصة تويتر حيث تصدى شباب وشابات مغاربة للتحريف، وانتشرت وسوم مثل “أوقفوا مسلسل فتح الأندلس” و”نلتمس من ملكنا حماية تراثنا”، في وقت بقيت فيه مؤسساتنا تغرد خارج السرب.

ولم يكن مسلسل “فتح الأندلس” حالة معزولة. فقد فعلت مدارسنا وقنواتنا الشيء نفسه طوال عقود. نسبت كل مظهر من مظاهر الحضارة إلى المشرق، وقدّمت أهل هذه الأرض وكأنهم بلا تاريخ، وكأن حضارتهم لا تكتمل إلا حين تُروى من خارجهم. هذه ليست اختيارات تربوية أو إعلامية عابرة، بل سياسة ممنهجة أنتجت، على مدى أجيال، مغاربة يعرفون تاريخ الآخرين أكثر مما يعرفون تاريخ بلدهم، ويدافعون عن روايات الخارج بحماسة تفوق دفاعهم عن روايتهم الوطنية. حين تربي الدولة أبناءها على أن الحضارة تأتي دائما من مكان آخر، فلا يحق لها أن تتفاجأ حين يكبر بعضهم وهم يرون أنفسهم في مرآة الآخرين لا في مرآة وطنهم. الدولة، بسياساتها التعليمية والثقافية والإعلامية، صنعت جزءا كبيرا من هذا الاستلاب الذي نعيشه اليوم.

وها نحن نسمع رئيس مليلية المحتلة يعود إلى التاريخ نفسه ليؤكد أسبقية الوجود الإسباني. في 2022، حين وقفنا أمام القضاء، كانت حجتنا واضحة. المسلسل لا يقدم مجرد فرجة رمضانية، بل يعيد بناء تاريخ سبتة وشخصياته بطريقة تمس الوحدة الوطنية. ومع ذلك، وقفت مؤسساتنا إلى جانب المسلسل والمخرج، ودافعت عن عرضه باسم حرية الإبداع والتخييل. لم تكن تلك حيادا. كانت موقفا في معركة الرواية.

سنة 2022 قيل لنا إن تصوير حاكم سبتة قوطيا إسبانيا مجرد تخييل وحرية إبداع. وفي 2026 نسمع مسؤولا إسبانيا يستعمل منطق الأسبقية التاريخية نفسه في بناء حجة السيادة على المدينتين نفسيهما.

حين قيل لنا إن ما يُعرض مجرد تخييل وحرية إبداع، لم يكن التاريخ عند الطرف الآخر تخييلا على الإطلاق.

فالاحتلال حين يطول لا يكتفي بتثبيت وجوده بالقوة والقانون. يحتاج إلى رواية تجعل وجوده طبيعيا وقديما، فنصير لا نتحدث عن احتلال لثغورنا بل نُطالَب أن نسلّم بأنها أرضهم منذ الأزل. وهذا ما تفعله إسبانيا حين تجعل الأسبقية التاريخية جزءا من حجتها بشأن سبتة ومليلية، حين تقول: نحن هنا منذ قرون، ووجودنا أقدم من الدولة المغربية الحديثة.

فالمسألة أكبر من مشهد أو حلقة تلفزيونية عابرة. الخطر أن تفتح مؤسساتنا الطريق أمام رواية الطرف الآخر لتصل إلى المواطن المغربي نفسه.

المشكلة ليست أن يكتب الآخر روايته. فمن الطبيعي أن يفعل. المشكلة أن نساعده نحن على إخلاء المكان من روايتنا ونتبنى رواياتهم على انها حقيقة.

-رئيس اللجنة الامازيغية بحزب الاصالة والمعاصرة

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
وزير النقل يؤكد مواصلة الإصلاح
السبت 17 أكتوبر 2026 - 12:32

وزير النقل يؤكد مواصلة الإصلاح

صوت وصورة
حاتيمي يكشف أولويات وزارة الفلاحة
السبت 17 أكتوبر 2026 - 11:21 3

حاتيمي يكشف أولويات وزارة الفلاحة

صوت وصورة
أكاديمية المملكة تطلق "دار عوالم الكتاب"
السبت 17 أكتوبر 2026 - 11:08 1

أكاديمية المملكة تطلق "دار عوالم الكتاب"

صوت وصورة
المزواري يتسلم قطاع الصيد البحري
السبت 17 أكتوبر 2026 - 10:30 3

المزواري يتسلم قطاع الصيد البحري

صوت وصورة
الجديدة تتوّج الخيول البربرية العربية
السبت 17 أكتوبر 2026 - 00:43

الجديدة تتوّج الخيول البربرية العربية

صوت وصورة
بدون عنوان | العنف ضد الرجال
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 23:12 4

بدون عنوان | العنف ضد الرجال