سبتة ومليلية: السيادة الترابية وأزمة التدفقات البشرية الأخيرة في ميزان القانون الدولي والأوروبي
تظل مدينتا سبتة ومليلية المغربيتان المحتلتان من أعقد الملفات الجيوسياسية والقانونية في حوض البحر الأبيض المتوسط. فالوضع الحالي للمدينتين لا يمثل فقط نقطة تماس جغرافية بين قارتين، بل يجسد تقاطعاً حرجاً بين السيادة الوطنية للمملكة والالتزامات الدولية. وقد أعادت أحداث العبور الجماعي التاريخي الأخير لعام 2026 تسليط الضوء على هذه الثغور السليبة، مما يفرض قراءة متأنية للواقعة من منظور فقه القانون الدولي والقانون الأوروبي المشترك.
المركز القانوني للمدينتين: السيادة المشروعة وبطلان الاستعمار بالتقادم
القرار 1514 للجمعية العامة للأمم المتحدة: يشكل “إعلان منح الاستقلال للبلدان والشعوب المستعمرة” الصادر عام 1960 السند القانوني الأبرز للمغرب؛ حيث تؤكد الفقرة السادسة منه أن “كل محاولة تستهدف التقويض الجزئي أو الكلي للوحدة القومية والسلامة الإقليمية لأي بلد، تكون منافية لمقاصد ميثاق الأمم المتحدة ومبادئه”. ومن ثم، فإن الفقه القانوني المعاصر يقر بأن عامل الزمن والتقادم لا يمنح الشرعية للاحتلال الإسباني.
مبدأ السلامة الإقليمية (Territorial Integrity) يكرس ميثاق الأمم المتحدة في المادة 2 (الفقرة 4) حماية الحوزة الترابية للدول. وبما أن المدينتين تمثلان امتداداً جغرافياً طبيعياً متصلاً بالبر المغربي، فإن الإدارة الإسبانية لهما تظل وضعاً مؤقتاً يفتقد لمقومات السيادة المطلقة بموجب القانون الدولي العام.
النظام الأساسي للحكم الذاتي لعام 1995: حاولت مدريد شرعنة وضع المدينتين داخلياً عبر منحهما صفة “مدينتين مستقلتين ذاتياً” (Ciudades Autónomas ) بموجب الدستور الإسباني لعام 1978. إلا أن هذا الإجراء التشريعي الداخلي لا يمكنه تفنيد الطبيعة الاستعمارية للملف أمام الهيئات الدولية، كون القوانين الوطنية لا تلغي الالتزامات والقوانين الدولية الآمرة.
أحداث 2026 والقصور القانوني: أثر الجذب وتداعيات الأحكام القضائية
قرار المحكمة العليا الإسبانية وإبطال “الإرجاع الساخن”: شكل الحكم القضائي الصادر عن المحكمة العليا الإسبانية، والقاضي بمنع “الإرجاع الفوري والآلي” (Devoluciones en caliente ) للمهاجرين المستوقَفين في عرض البحر دون مسطرة قانونية فردية، تحولاً قانونياً مفصلياً. هذا القرار، المستند إلى المادة 4 من البروتوكول رقم 4 للاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان (التي تحظر الطرد الجماعي للأجانب)، أحدث ثغرة تنظيمية استغلتها شبكات التهريب لإحداث أثر جذب Pull Effect) ) أدى إلى عبور جماعي قياسي ناهز 60 ألف شخص في ظرف أيام معدودة.
اتفاقية إعادة القبول لعام 1992: أمام الضغط الميداني الهائل وفشل البنية التحتية للمدينتين في استيعاب النازحين، اضطرت مدريد لتفعيل “اتفاقية إعادة قبول الأجانب الداخلين بشكل غير قانوني” الموقعة بين المغرب وإسبانيا سنة 1992. ووفقاً لبنود هذه الاتفاقية، تم التنسيق الثنائي العاجل لترتيب عودة عكسية وقانونية لعشرات الآلاف من المهاجرين عبر معبري الفنيدق وبني أنصار، بعد التدقيق في هوياتهم.
اتفاقية جنيف لعام 1951 والمسؤولية الحقوقية: واجهت السلطات الإسبانية في الثغرين مأزقاً قانونياً وإنسانياً معقداً بعد تسجيل أكثر من 67 حالة وفاة غرقاً وتدافعاً؛ حيث تفرض المادة 33 من اتفاقية جنيف المتعلقة بوضع اللاجئين (مبدأ عدم الرد القسري) حماية الحق في الحياة ودراسة طلبات اللجوء، وهو ما عجزت المنظومة الإدارية المحتلة عن تلبيته بسبب التوافد الكثيف.
التداعيات على القانون الأوروبي وفضاء “شنغن”
المادة 2 من معاهدة فضاء “شنغن”: تمنح الاتفاقية الدول الأعضاء حق إعادة فرض الرقابة المؤقتة على حدودها الداخلية في حال وجود “تهديد خطير للنظام العام أو الأمن الداخلي”. وبناءً على هذا البند، سارعت دول أوروبية (في مقدمتها إيطاليا) إلى تعليق العمل بالعبور الحر مع إسبانيا وتقييد الرحلات الجوية والبحرية القادمة منها، تفادياً لتسرب موجات الهجرة نحو العمق الأوروبي.
الميثاق الأوروبي الجديد للهجرة واللجوءNew Pact on Migration and Asylum) ) وضعت أحداث سبتة الأخيرة آليات الميثاق الأوروبي الجديد أمام محك حقيقي، خاصة فيما يتعلق بـ”مسطرة الفحص المسبق عند الحدود”Screening Regulation)، ) مما يثبت أن إقحام المدينتين في المنظومة الأمنية الأوروبية كحدود خارجية لفضاء “شنغن” يصطدم دوماً باستثناءات الجغرافيا السياسية للمنطقة.
آفاق الحل المستدام: الانتقال إلى الشرعية الدولية
إن القراءة القانونية والواقعية لأحداث عام 2026 تؤكد أن المقاربات الأمنية وبناء الحواجز البحرية العائمة لا يمكن أن تشكل حلاً جذرياً لملف سبتة ومليلية. إن الاستقرار المستدام في منطقة مضيق جبل طارق الحيوية يتطلب تفعيل الدبلوماسية الوقائية والامتثال لروح القانون الدولي، عبر فتح حوار سياسي شجاع يعترف بالحقوق التاريخية والترابية المشروعة للمملكة المغربية، وبناء شراكة إستراتيجية ندية تحترم السيادة وتضمن مصالح الطرفين.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.