سقوط الديمقراطية..

سقوط الديمقراطية..
الثلاثاء 23 نونبر 2021 - 23:35

توصلت بربط لشريط على “اليوتيوب” لأحد النشطاء المشاهير من طرف بعض الأصدقاء الأعزاء الشرفاء النزهاء يوم 15 نونبر 2021 مساء. وفعلا، استفدت من بعض المعلومات واستمتعت بتحليل أو بقراءة آنية موضوعية مفيدة جدا للذاكرة الجمعية، ولكنني وجدت أنها لم تتعمق بما يكفي في التاريخ السياسي الحديث ولم تدقق في بعض الأمور الأساسية الضرورية للإفادة الفكرية المحيطة بموضوع “مشروع قانون تجريم الإثراء غير المشروع”.

فلا بأس إذن من إبداء الرأي وتبادل الأفكار حتى تتضح الصورة والرؤية أكثر لما فيه المصلحة العامة، وفي إطار المساهمة في السير قدما نحو مستقبل أفضل للمغرب والمغاربة.

إذن، فتفاعلا مع شريط الأستاذ الصحفي المناضل الشاب حميد المهداوي، هذه بعض النقط والملاحظات التي أود مشاركتها مع المهتمين، في إطار حرية التعبير وإبداء الرأي لأن المسألة تقتضي سعة الصدر.. طيب.

أولا، “من أين لك هذا” ليست فكرة أو مشروع قانون حزب المصباح، بل أول من أثاره بقوة، بعد البرلماني عبد الكريم الفيلالي سنة 1963، هي الهيئة الوطنية لحماية المال العام برئاسة محمد طارق السباعي يوم 4 يونيو 2011 في المكتبة الوطنية للمملكة، وما تبع ذلك من مقالات وحملة مواطنة حضارية آنذاك.. إلى أن تبنى الفكرة مجددا حزب المصباح سنة 2016، ولكن ليس حبا في المصلحة العامة بل ضدا في حزب الجرار ومن أجل استفزازه فقط، ولقد اتضح ذلك بشكل جلي في ما بعد… وهذا موضوع آخر بطبيعة الحال.. حسنا.

ثانيا، لقد سبق لحزب المصباح أن تقدم بطلب إلغاء معاشات البرلمانيين لما كان في المعارضة، ثم تموقع ضد إلغائها بامتناعه عن التصويت لما حصل على الأغلبية في البرلمان. إذا فحتى لو كانت أغلبية المقاعد البرلمانية تعود لحزب المصباح اليوم أيضا، لسحب “مشروع قانون الإثراء غير المشروع” رغم كونه هو من تقدم به إلى لجنة التشريع سنة 2016.

فلا داعي أن “نتسلط” على حزب الجرار ونحن نراه يقول اليوم ربما ما كان يقول عكسه لما كان في المعارضة أو قبل انتخابات 8 شتنبر 2021. فالأمثلة كثيرة ويكفي ما يرصده قناصة تناقضات الأحزاب، فلا نفع في التكرار في هذا المقال، لأنها كلها أصبحت أعرافا سياسية “شعبية” معتمدة من طرف المنتخبين بكل أطيافهم وألوانهم.

وأما القول بأن حزب الحمامة هو الذي كان يفرض توجهاته على حكومة المصباح، وبأن لفت حزب الجرار الآن للأنظار مجرد تغطية لفائدة حزب الحمامة، فهو قول فيه كلام؛ فلم لا نقول اليوم، افتراضا، بأن حزب الجرار هو من يفرض توجهاته على حزب الحمامة كما كان هذا الأخير يفرض توجهاته على حزب المصباح، إذا كنا نعتبر طبعا بأنها كلها أحزابا دستورية قانونية لها منتسبين ومنتفعين وأعيانا، ومناضلين أيضا، كسائر الأحزاب في كافة الدول الديمقراطية…

وفي ما يخص قضية التصويت في البرلمان واحتساب الأصوات بسرعة فائقة وباستخفاف، مع لخبطة في الأرقام لدرجة أنه اتضح أن عدد المصوتين بنعم على قانون ما يفوق عدد الحاضرين، والله أعلم، فلعل الشرح يكمن في كون عملية التصويت في برلماننا، كما في سائر برلمانات الدول الديمقراطية، لم تعد تكتسي أهمية كبرى، لسبب بسيط هو أننا نعيش زمن سقوط الديمقراطية في العالم بأسره وليس عندنا فقط…

والدليل أن السياسيين لا يكترثون اليوم لما يقترفونه من تناقضات مضحكة-مبكية، ولما يقرونه اليوم في غير تناغم مع وعودهم ليوم أمس. وأعيد لفت الانتباه هنا إلى أن هذه الملاحظة لا تهم سياسيينا وحدهم، بل تهم أيضا سياسيي الدول الديمقراطية النافذة وفي كل مكان تقريبا…

وبين قوسين، أو مزدوجتين، لقد سبق أن كتبت، منذ سنين مضت، أن الديمقراطية كانت إبداعا جميلا لتسيير وتدبير أمور الناس، ولكن الشيخوخة المبكرة أصابتها فظهرت عيوبها على الملأ، فبات من الضروري إبداع طريقة أخرى لتسيير و تدبير أمور الناس، وكنت قد اقترحت، نظرا لتدهور الأحوال آنذاك، “الديكتاتورية البناءة الصريحة” بميثاق صحي دقيق واضح، كفترة انتقالية، يعني تلك الطريقة في الحكم التي تعطي لكل ذي حق حقة، بلا رشوة ولا محسوبية ولا ظلم ولا تسلط، بكل بساطة؛ وها هي الأمور وكأنها تتجه اليوم نحو فرض نمط جديد عالمي في الحكم لم تتضح معالمه بشكل كامل بعد…

وعودا على بدء، إن تسمية مشروع القانون: “قانون تجريم الفساد”، الذي تم سحبه، ربما لإعادة صياغته، تحتاج إلى تدقيق لأن الفساد مجرم أصلا عندنا بشكل شامل. المأمول هو سن قانون “من أين لك هذا في الوظيفة العمومية” من أدنى سلم إلى أعلى سلم، قانون يلزم رؤساء المصالح والمديريات والقطاعات ورجال السلطة سنويا بمساءلة مرؤوسيهم على مستجدات ممتلكاتهم، كل سنة، ورفع تقرير مفصل إلى الجهات المختصة للتأكد من صحة المعلومات تحت طائلة تحريك المتابعة على أساس الإدلاء بمعطيات مغلوطة سواء من طرف الرؤساء أو المرؤوسين. هكذا سنرتقي بالإدارة إلى مرتبة عليا تمكن من إنجاح مسيرة المغرب والمغاربة نحو مستقبل زاهر.

إن “مشروع قانون تجريم الإثراء غير المشروع” بشكل شمولي غير قابل للتطبيق في الظرف الراهن نظرا لتراكم معين عرفي متشابك عام في الأعمال والمعاملات، ونظرا لما قد يسببه من ارتباك خطير لن تستطيع عدالتنا مسايرته الآن، ولذلك سيكون من المفيد تعويضه بـ “مشروع قانون من أين لك هذا في الوظيفة العمومية” فقط، وليكن تطبيقه ابتداء من تاريخ معين. نعم، إن إصلاح أحوال البلاد تتطلب طبعا إصلاح القطاع الخاص والقطاع العام معا، ولكن بدون إصلاح تام للإدارة العمومية أولا، الباقي مجرد كلام في كلام ومزايدات لن تسمن ولن تغني من جوع…

وتحية عالية جدا للمغرب والمغاربة، ولكل القلوب الصادقة، والنيات الصافية الخالية من كل أنانية وكبر، ولكل من يحب لنفسه ما يحب لغيره. والله أعلم.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

1
  • ـــــــــ
    الأحد 28 نونبر 2021 - 14:37

    تلك الدار الاخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الارض و لا فسادا و العـــٰقبة للمتقين من جاء بالحسنة فله خير منها و من جاء بالسيئة فلا يجزى الذين عملوا السيئـــٰت الا ما كانوا يعملون ان الذي فرض عليك القرءان لرادك الى معاد قل ربي اعلم من جاء بالهدى و من هو في ضلال مبين

صوت وصورة
رسوم التسجيل تُهدد المسار الأكاديمي
الثلاثاء 20 أكتوبر 2026 - 23:00 1

رسوم التسجيل تُهدد المسار الأكاديمي

صوت وصورة
ترحيل "كاريان الرحامنة" بالبيضاء
الثلاثاء 20 أكتوبر 2026 - 21:22 4

ترحيل "كاريان الرحامنة" بالبيضاء

صوت وصورة
المقاولات وجاذبية الاستثمار
الثلاثاء 20 أكتوبر 2026 - 18:44

المقاولات وجاذبية الاستثمار

صوت وصورة
فعاليات تطالب بإلغاء عقوبة الإعدام
الثلاثاء 20 أكتوبر 2026 - 14:13 14

فعاليات تطالب بإلغاء عقوبة الإعدام

صوت وصورة
الأرصفة تتحول إلى مسارات للدراجات
الثلاثاء 20 أكتوبر 2026 - 11:07 11

الأرصفة تتحول إلى مسارات للدراجات

صوت وصورة
أزمة النقل في أورير وتامراغت
الإثنين 19 أكتوبر 2026 - 23:30 1

أزمة النقل في أورير وتامراغت