سوسيولوجيون: عيد الأضحى يعكس جرعة هوياتية متوارثة عند المغاربة

سوسيولوجيون: عيد الأضحى يعكس جرعة هوياتية متوارثة عند المغاربة
صورة: أ.ف.ب
الأحد 16 يونيو 2024 - 21:00

فسّر سوسيولوجيون “الهالة الثقافية” التي ترافق عيد الأضحى لدى الشرائح الشعبية المتواجدة في المجتمعات الصغيرة والقصيّة، التي تعدّ “خزّاناً” يمدّ المدن الكبرى بموارد بشرية ويد عاملة “تغترب” فترة قبل أن توقظ مناسبة “العيد الكبير” قيماً مشتركة “لا تستطيع أن تفرّط فيها”.

ويعكس عيد الأضحى “جرعة هوياتية متوارثة داخل الخصوصية المغربية”، حتى لو كانت شرائح من المجتمع، خصوصا من الطبقة الميسورة والمتوسطة، “تقاطع هذه الشريعة بالنظر إلى ارتفاع وعيها وكذلك نتيجة الصعوبات التي يفرضها السكن العمودي، فضلاً عن الأسعار الملتهبة للأضحية التي تعدت الحد الأدنى للأجور”.

توقيع “النحن”

علي الشعباني، جامعي وباحث في السوسيولوجيا، قال إن غياب القدرة على العبور كلّيا نحو أفق الآخر، باسم الحداثة الشاملة، جعل عيد الأضحى ضمن أحد أكبر الحوامل الاجتماعية لتوقيع “النحن” حين يحضر في حلّة تقليدية لا تنتصر لأيّ تصور ينفلت من الأعراف المغربية التي تتمسك بها التجمعات الصغيرة.

وأورد الشعباني، في تحليل سوسيولوجي بنفحة أنثروبولوجية قدمه لهسبريس، أن هذا العيد ما زال فعلاً بطقوسيّة خاصة لم تتزحزح كثيراً بحكم تجبّر الحنين في وجدان المهاجرين نحو المدينة، حيث يجدون أن ما عاشوه في الصبا خلال هذه المناسبة ما زال بنفس الطرافة القديمة.

وأضاف أن “هذه الهجرة الجماعية أو هذه العودة المرغوب فيها هي هروب من واقع يريد أن يفرضه منزع التحديث قسراً على الناس، ولهذا يبدو لنا دائما أنه كلما انغمست المجتمعات في موجة الحداثة وقع انفجار على مستوى القيم والبيئة والثقافة”.

وتابع قائلا: “هذا العناد تجاه التحديث من خلال الارتماء في حضن الجماعة الصغيرة لا يعني الانغلاق، بقدر ما يمثّل ردّ فعل يروم تحصين المشترك الثقافي، الذي كان يمنح المناسبة الدينية معنى اجتماعياً خالصا لا يمكن النظر إليه إلاّ في القيم التضامنية التي يفجّرها”.

وعن حضور هذه القيم لدى الجيل الحالي، لفت المتحدث إلى “حرص نوع من الأجداد على زرع التمسك بالحمولة القديمة في الأجيال اللاحقة بوعي وبدون وعي، وهو من جهة أخرى هروب وانسلاخ من الأجواء التي تفرضها عليه مجمل مفاهيم الحداثة بدون أي قدرة على التفاوض معها”.

وأشار إلى أن “الآباء بدورهم عندهم ذكريات تغفو طيلة السنة ولا تبدو الفرصة مناسبة لتحريض مكنونات الذاكرة سوى خلال شعيرة الأضحى، التي جعلها العمران بطعم مختلف مثلما جعل القيم التقليدية في خانة الثانوي، وهو أمر غير حاصل في المجتمعات التقليدية”.

“عيد يحمل قيماً”

محسن بنزاكور، الأخصائي في علم النفس الاجتماعي، قال إن عيد الأضحى ما زال يمثل “دينامو” لتلك الهجرة السنوية التي تتم من المدينة نحو المدن الصغرى والبوادي والأرياف والهوامش حيث ما زال العيد يحمل قيما خاصّة لم تتزحزح.

بنزاكور، وهو يشرّح لهسبريس البناء الثقافي المترسّب عن عيد الأضحى، سجل أن البحارة والعاملين في البقالة وعمال البناء، الذين يرون عائلاتهم مرة واحدة في السنة، يستثمرون ثقافيا هذه الفرصة للذهاب إلى الأهل، وهم يعرفون وفقا لتقاليد مغربية صارمة أن العودة بأيد فارغة (بالمعنى الاجتماعي للعبارة) “أمر معيب”.

وأبرز أن الفرصة الأكثر ملاءمة لتجديد اللحمة هي هذا العيد، مضيفا أن الثقافة الشعبية بدورها، وبوصفها الأكثر تعقيداً حين ترتطم ببنية التحديث، تحمل قدراً كبيرا من الوفاء للأعراف والتقاليد والقيم السائدة في المجتمع، وتكون متشبثة بشكل خيالي بعيد الأضحى ليس فقط كمسألة دينية، بل كضرورة مجتمعية.

وأوضح المتحدث أن “التقاليد العريقة جدا تنهض خلال العيد كطقوس متراصّة تبدأ مع بداية التفكير في الأضحية إلى ذبحها ثم شي الرؤوس وجلسات الشاي والشواء، إلخ”، لافتاً إلى أن “العيد، وفقا لهذه الحقائق المجتمعية، هو تجديد للعلاقة الاجتماعية ولمختلف الروابط في معناها الأبعد ثقافيا”.

ولم يغفل بنزاكور الإشارة إلى أن “الأمر ينطوي كذلك على رغبة واعية أو لا واعية للحفاظ على الخصوصية المغربية، لأن العيد في المملكة مختلف عن كل الدول العربية، وله هالة ثقافية مختلفة لن تجدها في دول أخرى، رغم أنه ليس الحامل الوحيد لقيمنا، لكنه أحد أقوى تعبيراتها”,

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

14
  • مروان علي
    الأحد 16 يونيو 2024 - 21:08

    عيد الاضحي تجاوزه الزمن وذبح الخروف كل سنة لم يعد إيجابي في الحواضر المكتظة ونمط الحياة الذي تغير جذريا هذا مع صعوبة العيش وانهيار الشغل وتفشي البطالة والفقر وفشل مخططات التنمية وضعف مردودية الأفراد وتوالي سنوات الجفاف كل هذه العوامل تجعل من ذبح الخروف شيئا غير إيجابي لا اقتصاديا ولا اجتماعياً ولا واقعيا

  • bouazza
    الأحد 16 يونيو 2024 - 21:28

    لقد اصبح خروف العيد حمل ثقيل على الأسرة المغربية بحيت اصبح ثمن الكلوغرام من لحم خروف العيد بثمن ضعف ما هو عليه في أيام العادية اكثر من 200dh au. kg

  • jamal
    الأحد 16 يونيو 2024 - 21:32

    للأسف الشديد مع توالي السنوات والأسعار المرتفعة يجب إعادة النظر في دبح الأضحية لكل عائلة من الأفضل شراء كمية من اللحوم حسب المستطاع دون تحوير الكل يعاني من المصاريف والأسعار الفاحشة في كل المجالات.

  • زاءر غريب
    الأحد 16 يونيو 2024 - 21:34

    الأسر الميسورة لا تضحي بتاتا .
    وفي الأونة الأخير بدات الأسرة المتوسطة تلغي هذه العادة .
    والآن مع هدا الغلاء الفاحش حثى الأسر الفقيرة بدات تستغني عنه .

  • حل أجتماعي
    الأحد 16 يونيو 2024 - 21:45

    بما أن القدرة الشرائية لأغلب المواطنين لاتسمح بشراء كبش العيد بالأثمان الخيالية التي تعرض بها، هناك حل سيوافق الجميع. مثل ما تفعله السعودية مع الحجاج، يمكن دفع ثمن الخروف لصندوق خاص بالعيد و يدفع كل مواطن ثمنا بين خمسمائة و ألفين درهم حسب مدخول كل واحد. و المال الذي سيجمع يخصص كل سنة لمشروع اجتماعي معلن للعموم مسبقا، مثلا آلات الدياليز، السكانير، تغطية المدارس الحواسيب و ما شابه،….. هناك مشاريع اجتماعية كثيرة يمكن أن نريح مصاريف الخزينة منها، خاص غير المعقول و قطع يد السارق إذا ظبط.

  • أحمد
    الأحد 16 يونيو 2024 - 21:55

    أنا لا أتفق مع من يربط بين مقاطعة سنة العيد وارتفاع منسوب الوعي، بل المقاطعة هي دليل على التنكر للهوية وتقليد الأخر.

  • نرجوا رحمة الله
    الأحد 16 يونيو 2024 - 21:55

    قال الحق ((إن تعظيم شعاإر الله لمن تقوى القلوب)) صدق الله العلي العظيم

  • Mr Fox
    الأحد 16 يونيو 2024 - 21:56

    للأسف سيصبح الحج وسنة عيد الاضحى مقتصرة فقط على الأغنياء

  • عبد الله
    الأحد 16 يونيو 2024 - 21:57

    للأسف مازال هناك من يخلط بين شراء الكبش للأكل و من يشتريه للتقرب من الله تعالى و فعل السنة المؤكدة

  • ali
    الأحد 16 يونيو 2024 - 22:00

    خروف العيد اصبح عبء ثقيلا على الاسر المغربية الفقيرة التي تعاني بسبب مطرقة وضعها الاجتماعي والخروف المفروض بسبب الثقافة المجتمعية والعادات الاجتماعية

  • أبو ياسر
    الأحد 16 يونيو 2024 - 22:08

    إلى صاحب التعليق “نرجو رحمة اللّه”
    *ومن يعظم شعائر اللّه فإنّها من تقوى القلوب*.

  • Ahmed
    الإثنين 17 يونيو 2024 - 01:06

    ذبح ملايين الخرفان في يوم واحد يضر اولا بالبيئة لانه تدمير للثروة الحيوانية في وقت قياسي ويشوه منظر المدن، ويضر بميزانية الطبقة المتوسطة والفقيرة كما يجعلها تدخل دوامة الديون او تتخلى عن الضروريات مثل الصحة او الثقافة.. كما استهلاك كميات كبيرة من لحم الغنم الغني بالكوليسترول مضر بالصحة.

  • MRE
    الإثنين 17 يونيو 2024 - 07:01

    ذبح العيد في أوروبا أصبح مشكلة حقيقية تصل إلى الجريمة ، أصلا لحم الخروف فيه الكثير من الكوليسترول والذهنيات الغير الصحية .

  • sameer
    الإثنين 17 يونيو 2024 - 07:12

    في الحقيقة ألاحظ أن المغربي ينحر اضحية العيد ليس تقربا الى الله بها وانما من اجل اكل لحومها وحتى ان هذه السنة ليست إجبارية ويكثر فيها التلوث ورمي الازبال في اي مكان ما وكثرة الروائح تغرق الاحياء بالدخان مما يجعل زوار المغرب الاجانب يستنكرون ذلك وقد سمعت ذلك من بعض الزوار قالت احداهم زرت المغرب واعجبني ولكن ما استنكرته ذبح بقرة على الرصيف هذه ليست عادات وانما جهل وغباء

صوت وصورة
أبعاد استراتيجية | أحداث سبتة.. وماذا بعد؟
الثلاثاء 6 أكتوبر 2026 - 21:00

أبعاد استراتيجية | أحداث سبتة.. وماذا بعد؟

صوت وصورة
"الكتاب" يدرس المشاركة الحكومية
الثلاثاء 6 أكتوبر 2026 - 20:30 3

"الكتاب" يدرس المشاركة الحكومية

صوت وصورة
عاصفة قوية تضرب فاس
الثلاثاء 6 أكتوبر 2026 - 17:34 6

عاصفة قوية تضرب فاس

صوت وصورة
وجه آخر للبحر في البيضاء
الثلاثاء 6 أكتوبر 2026 - 16:28 2

وجه آخر للبحر في البيضاء

صوت وصورة
منتجات مغربية تتألق في أبوظبي
الثلاثاء 6 أكتوبر 2026 - 16:04 1

منتجات مغربية تتألق في أبوظبي

صوت وصورة
بنعبد الله يحدد أولويات المرحلة
الثلاثاء 6 أكتوبر 2026 - 12:37 5

بنعبد الله يحدد أولويات المرحلة