طالبان وداعش..ولاء أم براء؟

طالبان وداعش..ولاء أم براء؟
الجمعة 10 أكتوبر 2014 - 23:15

سارعت حركة طالبان باكستان إلى نفي إعطاء ولائها إلى الدولة الإسلامية في العراق والشام، وأوضحت أن الأمر يتعلق بمجرد الدعم لكل الجماعات المسلحة المقاتلة في سوريا والعراق ضد المصالح الغربية، وذلك بعد انتشار خبر يقول بأن الحركة منحت الدولة ولاءها، تطلب من الأولى تفسير موقفها، بما لا يصل إلى مطلق الولاء ولا ينزل إلى مستوى البراء، فقد أعلنت الحركة في توضيحها أن بيعتها للملا عمر، زعيم طالبان أفغانستان، لا تزال قائمة.

موقف طالبان باكستان أملته التطورات الجديدة على مسرح الأحداث في المنطقة، وأساسا إثارة قضية التحالف الدولي للقتال ضد حركة داعش. وهو موقف ينبني على موقف سابق للحركة الأم في أفغانستان من التحالف الدولي الذي أسقط نظامها عام 2001 بعد تفجيرات الحادي عشر من شتنبر. ولذلك فهو موقف سياسي ينطلق من مبدأ النصرة في “فقه” السلفية الجهادية، ولا يرتبط بأي اختيار عقائدي يحقق المصالحة بين الطرفين على أسس عقائدية.

ولكي نفهم موقف طالبان باكستان من بيعة دولة البغدادي، تتعين قراءته انطلاقا من مواقف تنظيم القاعدة من هذه الدولة وليس العكس. ذلك أن تنظيم القاعدة هو الذي منح للحركة أبعادها العالمية الجهادية، بعد أن كانت مجرد تنظيم محلي في حدود أفغانستان، وذلك بعد أن التحق بها أسامة بن لادن في نهاية التسعينيات، مباشرة إثر مغادرته للسودان بطلب من حسن الترابي آنذاك، سنة 1996، وبايع الملا عمر ـ زعيم الحركة ـ كخليفة للمسلمين، ودعا جميع الجهاديين في العالم إلى منح بيعتهم له، وذلك عقب تفجيرات الحادي عشر من شتنبر ببضعة أشهر، واصفا تلك البيعة بـ”البيعة العظمى”.

ويعتبر تنظيم القاعدة أن وديعة بن لادن لا تزال في عنقه، وهو الأمر الذي لا يزال أيمن الظواهري ملتزما به، على أساس الموقف الشرعي من خلع البيعة، الذي يؤسس عليه السلفيون الجهاديون مواقفهم. بيد أن أبا بكر البغدادي، زعيم حركة داعش، كان يشعر منذ البداية بضرورة تصفية الأجواء لجماعته، الأمر الذي حدا به إلى نهج خطة ذات رأسين: الأول ذو طابع تكتيكي، يتمثل في استدراج جبهة النصرة التابعة للقاعدة لإدراجها في إطار”الدولة الإسلامية في العراق والشام”، في أفق إضعاف التنظيم المركزي وجعل جماعته محور العمل الجهادي في العالم على أنقاض القاعدة.

والثاني ذو طابع فقهي، وهو رفع مبدأ القرشية بالنسبة لمنصب الخلافة، تمهيدا لإزاحة الملا عمر من على عرش”الخلافة”، الذي يطوق الكثيرُ من الجهاديين أعناقهم ببيعته، ويرتبط بشرط القرشية الانتماء العربي، وهو ما لا يتوفر في الملا عمر الذي ينحدر من العرق البشتوني.

ربما أدرك أيمن الظواهري الاستراتيجية المضادة التي يريد نهجها البغدادي قبل إعلان دولته، فسارع في شهر نوفمبر من العام الماضي إلى الدعوة إلى إلغاء تسمية”الدولة الإسلامية في العراق والشام”، لصالح الإبقاء على الفصل بين”النصرة”و”دولة العراق الإسلامية”، التي يقودها البغدادي. ويعد هذا الموقف مخالفا لمنهج القاعدة التي تعتمد الربط عوض الفصل، بيد أن الداعي إلى اتخاذه ـ فيما يبدو ـ عاملان، الأول أن قرار الاندماج بين الفصيلين كان انفراديا من جانب البغدادي، والثاني أن الهدف منه هو توسيع جبهة الداخلين تحت مظلة هذا الأخير، وهو ما يعني في النهاية القضاء على تواجد تنظيم القاعدة في سوريا والعراق، لكي لا يبقى لها سوى منطقة اليمن(منطقة اليمن في لغة القاعدة تعني اليمن والحجاز وعمان، أي السعودية والأردن)، الذي كان داخلا في استراتيجية”داعش”، بحسب الخريطة التي نشرت على أساس أنها تضم المناطق التي ستدخل مجالها الحيوي.

يكشف هذا التنافس بين التنظيمين عن ظاهرة مهمة تطبع الجماعات المنضوية في تيار السلفية الجهادية، وهي ظاهرة صراع المرجعيات، التي ينبع مصدرها من الفكر السلفي الجنبلي في جانبه المتشدد، الذي يميل إلى تقديس الشيوخ وتحلق كل جماعة حول شيخ واحد. وتنقسم هذه المرجعيات إلى صنفين، مرجعية علمية، وهي تبعية كل فئة من السلفيين الجهاديين لواحد من الشيوخ، وترتبط بالعلوم الشرعية وتتسم بالتعدد، ومرجعية سياسية موحدة، وهي ترتبط بالبيعة الشرعية للإمام، ولذلك بقي السلفيون الجهاديون يعتبرون الملا عمر أميرهم الشرعي، إلى أن حصل الانقسام مع ظهور البغدادي.

ويرجع الخلاف السياسي بين التنظيمين من جانب، ثم بين البغدادي وحركة طالبان من جانب ثان، إلى أصول عقائدية، مع الإشارة هنا إلى أن التشدد العقائدي لجماعات السلفية الجهادية ليس موجها فقط إلى عموم المسلمين، بل هو موجه أيضا إلى بعضهم البعض، وربما كان ذلك بشكل أكبر مما هو موجه إلى عامة المسلمين. ففي الوقت الذي يقول أتباع القاعدة، من المبايعين للملا عمر، إن هذا الأخير هو أول من بويع له، ولا ينبغي خلع بيعته، يرد تنظيم داعش بأن الملا عمر لم يكن أبدا خليفة للمسلمين، لأنه ليس قرشيا، والبغدادي قرشي، ولا ينبغي لقرشي أن يبايع من ليس كذلك. ويزيد أتباع داعش بأن الملا عمر ليس سلفيا، بالمفهوم الذي يحملونه عن السلفية، لأنه أشعري، وبأنه لا يكفر عوام الشيعة.

وهكذا نفهم أن الجماعات الجهادية ليست منشغلة بالقتل فقط، وإراقة الدماء في العالم الإسلامي وتكفير المسلمين في المشارق والمغارب، بل لديها من الخلافات ما يجعلنا أمام جماعة من المجانين الذين لديهم من المهاترات اليومية ما يملأ أطنانا من الورق، باسم الإسلام والعقيدة.

[email protected]

[email protected]

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

3
  • خ/*محمد
    السبت 11 أكتوبر 2014 - 01:35

    أن الملا عمر وهو يحكم أفغانستان من 1996 إلى 2001 بعد دخول القوات الأجنبية، كان من الممكن أن يعلن الخلافة في أفغانستان قبلها، وكان له سفراء في عدة دول معترف بهم، ولكنه لم يعلن الخلافة. «الملا لم يطلق شعارات غير قابلة للتطبيق.«الملا تكلم عن الحكومة الإسلامية والنظام الإسلامي وفي هذه المصطلحات وعي ورشد». «الملا عنده أرض، عنده شعب، عنده دين، وعنده هدف واضح، واستخدم الأسباب الكونية والشرعية لتحقيقه»، أن زعيم طالبان «لم يأبه بالمزايدين وأصحاب الشعارات الجوفاء الخالية من مضمون قابل للتطبيق».
    أبو بكر البغدادي، خليفة تنظيم داعش، تتلمذ على يدي الأردني "أبو مصعب الزرقاوي" في العراق.الخليفة على ما يبدو محاط بنواب عراقيين
    الخليفة الداعشي محاط بحوالي 24 نائباً. وأغلب هؤلاء النواب هم من الرجال العراقيين متوسطي العمر وممن قضوا وقتاً في الحجز الأميركي.
    كما أن نحو ثلث نواب البغدادي كانوا ضباطا في جيش صدام حسين.
    أما الميزة التي يقدمها هؤلاء الضباط فهي تحريك مقاتلي داعش بصورة الجيش ضمن خطط عسكرية، وليس التحرك فقط بأسلوب القوات المتمردة، أو مقاتلي المقاومات الشعبية أو ما يعرف بحرب العصابات*

  • saccco
    السبت 11 أكتوبر 2014 - 01:38

    فإذا كانت "الخلافات الاسلامية"على أنواعها و التي عرفها التاريخ قد تم تأريخها "غيابيا"بشكل مفتري وإضفاء صفة المثالية والقداسة والسريالية على ممارساتها فإننا اليوم ومن منظور واقعي ملموس نكتشف مدى فضاعتها وقسوتها ويمكن للمرء تصور هول ممارسات دولة "الخلافة الاسلامية" حين تفردها بالرعية في غياب تام لأي مساطر قانونية وأي معارضة وإعلام أوإستنكار وضغط دولي !!فإذا كانت دولة داعش تحضى بالمساندة المادية واللوجستيكية والمعنوية لبعض أطراف الاسلام السياسي كإستقطاب الشباب ودفعهم للجهاد ونصرة دولة داعش بتمويل البترودولار فإن البعض الآخرمن حركات الاسلام السياسي يجد حرجا أمام واقع وممارسة دولة "الخلافة الاسلامية " فقلوبهم مع داعش وفكرهم واقلامهم تراوغ وتناور لتجنب تحميل المسؤولية المباشرة للفكرالهدام للإسلام السياسي والذي تستمد منه دولة داعش وجودها وممارستها فيعمدون مكرا الى إسقاط وتحميل المسؤولية الى جهات أخرى كامريكا واسرائيل والغرب بصفة عامة
    لابد وان داعش وخلافتها الاسلامية لن تصمد مع مرور الوقت وسيكون مآلها الفشل الدريع والهزيمة
    وسقوط الخلافة الاسلامية لداعش هو سقوط لفكر الاسلام السياسي الذي ظل يعزف على وتر الخلافة الاسلامية كوهم للسدج وتبث أن هذا الفكر ما هو إلّا سمّ مدفون في وهم

    يتبع

  • الفرجي
    السبت 11 أكتوبر 2014 - 11:54

    إلى الكاتب

    أصل الخلاف بين القاعدة و الدولة الإسلامية
    أن القاعدة ترى أن دولة الخلافة تأتي بعد إنتشار الجهاد وتكوين إمارات إسلامية هنا و هناك،
    أما المولا عمر فقد كان أمير الطالبان وأن القاعدة تعطيه الولاء لأنهم يعيشون تحت إمارته و لم يسبق أبدا أن أُعلن أن المولا عمر خليفة بل أمير فقط

صوت وصورة
دار الطالبة بتيكوين خارج الخدمة
الإثنين 19 أكتوبر 2026 - 09:23 1

دار الطالبة بتيكوين خارج الخدمة

صوت وصورة
اختتام فعاليات معرض الفرس
الأحد 18 أكتوبر 2026 - 23:48 1

اختتام فعاليات معرض الفرس

صوت وصورة
طريق الموت بالمناصرة
الأحد 18 أكتوبر 2026 - 21:41 5

طريق الموت بالمناصرة

صوت وصورة
مولاي الحسن يتوج أبطال الفروسية
الأحد 18 أكتوبر 2026 - 19:43 1

مولاي الحسن يتوج أبطال الفروسية

صوت وصورة
أزمة الركن تخنق الرباط
الأحد 18 أكتوبر 2026 - 19:08 6

أزمة الركن تخنق الرباط

صوت وصورة
المغاربة والحكومة الجديدة
الأحد 18 أكتوبر 2026 - 15:58 13

المغاربة والحكومة الجديدة