"طباخ الريس"

"طباخ الريس"
الثلاثاء 1 شتنبر 2026 - 18:44

لقد أضحى من المؤكد أن زمن السينما المصرية الأول قد ولى بلا رجعة. انتهى زمن السطحية والبساطة وما يشبه الهواية في التمثيل وإدارة الممثلين. انتهى أيضاً زمن انتقاء المشخصين الرئيسيين اعتماداً أساساً على درجة وسامتهم، ولم يعد هناك مكان للمصادفات العجيبة والعصية على الاستيعاب والتهريج الساذج والمواضيع الاجتماعية المبتذلة والمواقف المدرة للدموع والشجارات بالمقاهي والنهايات السعيدة المضمونة والخواتيم المأساوية العشوائية… كما انتهت أيضاً حقبة حبك السيناريوهات على أساس مضمون أغانٍ بعينها، كما حصل في أفلام فريد الأطرش وعبد الحليم حافظ وغيرهما. حتى قصص الحب لم يعد الاشتغال عليها يتم بالطرق التقليدية البائدة، بحكم المستجدات التي عرفتها تكنولوجيا الاتصال والتواصل.

ومن يشاهد فيلم “أبي فوق الشجرة” مثلاً ثم يقارنه بـ”السفارة في العمارة”، ومن يتابع فيلم “بائعة الخبز” ثم يقيم مقارنة بينه وبين “مرجان أحمد مرجان”، ومن يتابع أحداث “الأستاذة فاطمة” ثم ينكب على تحديد أوجه الاختلاف بينه وبين “الراقصة والسياسي”، سيلاحظ لا محالة البون الشاسع الذي يفصل أعمال الأمس البعيد عن أعمال اليوم والأمس القريب، مع رصد استمرار وجود عيب واحد مشترك، وأقصد هنا استمرار الاعتماد على الرسائل المباشرة، وكأن جمهور الفن السابع بالعالم الناطق بالعربية لم يبلغ بعد تلك الدرجة من النضج التي تؤهله لاستنتاج المقصود دون مساعدة.

السينما المصرية ـ شأنها في ذلك شأن السينما العالمية ـ وجدت نفسها مضطرة، تحت ضغط المستجدات الميدانية والنظرية وارتفاع منسوب الوعي في صفوف المتلقين، إلى الارتقاء بمضمونها وتقنياتها وأدواتها، إذ ليس لأحد القدرة على مقاومة التطور (حتى الفلاحة أصبحت شؤونها تدار بالحواسيب والذكاء الاصطناعي). والتأهيل المعني هنا ليس هو ذلك الذي يستهدف الاستجابة لشروط التنافس الدولي. فالمصنفات الفنية بصفة عامة غالباً ما تكون موجهة للجمهور المحلي في المقام الأول.

نعم، لقد تغيرت صناعة الأفلام بجمهورية مصر العربية بشكل جذري وعلى كل الأصعدة. هناك اليوم مواصفات راقية، ومواضيع جديدة ومبتكرة، ورؤى إخراجية في غاية التميز، وتشخيص على مستوى عالٍ من الدقة، واستعمال معقلن ومتحكم فيه للتقنيات المعاصرة، إن على مستوى التصوير أو على مستوى ما بعد التصوير.

وهكذا، فقد شهدت العقود الأخيرة ميلاد أفلام شكلت قطيعة حقيقية مع الإنتاجات السابقة (التي ما زالت وستبقى جزءاً لا يتجزأ من الرصيد السينمائي المصري مع إمكانية الاستمتاع بها من جديد في أي وقت) ووضعتنا أمام واقع إبداعي جديد، تجاوز من خلاله كتاب السيناريو والمخرجون الثيمات التقليدية والصور النمطية، دون التضحية بمرجعية المجتمع العربي التي تظل واحدة وموحدة رغم التنافر المسجل على مستوى بعض الجزئيات.

ما هي يا ترى مناسبة سرد هذه المعطيات البديهية؟

على الرغم من تطور الحياة وتوالي الأجيال، فقد ظل اهتمامي ـ ولسنين طويلة ـ منصباً فقط على الأعمال السينمائية المصرية الأولى والنجوم الأوائل، إذ رفضت رفضاً قاطعاً الانفتاح على إبداعات ونجوم الألفية الثالثة، وتعمدت دائماً غض الطرف عن أي إنتاج لا يضم الجينيريك الخاص به أي اسم من الأسماء القديمة المعروفة، وذلك ظناً مني بأن هناك زمناً سينمائياً جميلاً واحداً لا غير، وأن إنجاب الكبار توقف تماماً، وأن إنتاج الأفكار الكبيرة كان حكراً على حسن الإمام وصلاح أبو سيف ويوسف شاهين ومجايليهم فقط.

لكن، كم كانت دهشتي كبيرة في الآونة الأخيرة عندما انتبهت إلى فداحة موقفي. فقد وجدتني عن طريق الصدفة أتابع فيلماً ينتمي إلى الموجة الجديدة. الحديث هنا عن شريط “طباخ الريس” الذي عرض أول مرة في العام 2008، والذي يحمل توقيع المخرج سعيد حامد والسيناريست يوسف معاطي والنجم المخضرم خالد زكي (الذي لعب دور الرئيس) والممثل المقتدر والمتميز طلعت زكريا (الذي تقمص دور الطباخ متولي)، إضافة إلى ثلة من الممثلين الظرفاء و”الخبثاء”.

تدور أحداث الفيلم داخل القصر الرئاسي أساساً، ومن غير المستبعد أن تكون هناك أصوات اعتبرت إقحام كاميرات التصوير السينمائي بهذا الفضاء نوعاً من التطاول على مؤسسة الرئيس، حتى ولو كان هناك ما يثبت سمو فكرة المشروع. إن توظيف القصر لم يكن بهدف سرد قصة أو مغامرة رومانسية جرت أطوارها بين أسواره، كما حدث في أعمال سابقة كثيرة. القصر في هذا العمل الإبداعي ما هو في واقع الأمر سوى نقطة التقاء جمعت ـ وعلى نحو يومي ـ قمة السلطة بأحد ممثلي القواعد الشعبية.

ومن نافلة القول إن الطبخ لا يشكل الموضوع الرئيسي في الفيلم. فكل ما يخرج من مطبخ القصر ما هو إلا جزئية بلا قيمة تقريباً. الطباخ بالأحرى هو محرك الفيلم الأول، وهو أيضاً بؤرة اهتمام الرئيس الذي عرف كيف يوظفه ليس فقط لإشباع جوعه وملء معدته كباقي الكائنات الحية، بل واستعماله كذلك كمرآة ظل يرى من خلالها ما هو حاصل بالمجتمع وبدواليب الدولة. وبفضل الطاهي متولي ـ وليس بفضل رجال جهاز الاستخبارات الرسمي ـ وجد الرئيس نفسه يتفرج على اختلالات ليست من صنعه ولم يكن يتصور وجودها. آنذاك تأكد بأن اليد الواحدة لا تصفق، وبأن صدق نوايا القائد لا يخلق المعجزات إن غاب صدق نوايا مساعديه من وزراء وغيرهم.

حاشية الرئيس لعبت هي الأخرى دوراً محورياً في نسج خيوط القصة. وقد أدرك المشاهد من خلال تحركات هذه الحاشية بأن القصر الرئاسي ليس فضاءً للفوضى. فكل خطوة فيه بحساب (بما في ذلك حساب المدة الفاصلة الواجبة بين وضع الصحون على مائدة الأكل والانسحاب)، وكل شيء فيه بميزان (بما في ذلك وزن ملح طعام الرئيس). أما ألاعيبها ومكائدها ومناوراتها والتي لم تتوقف من بداية الشريط إلى نهايته، فقد عدتها أفضل أسلوب لضمان سلامة الرئيس باعتباره رأس الدولة وسبب استقرار البلاد ورمز وحدتها. لم تكن لها يد في اختيار طباخ القصر، لكن كانت لها ألف يد في ارتباكه ومعاناته.

وكانت لا تكف عن انتقاده ونهره ومراقبة حركاته وسكناته، ما جعله يستنتج على الدوام بأنه بصدد مزاولة عمل غير عاد، وأن النزاهة والمروءة والاستقامة والطيبة والوفاء قيم لا تعفي حاملها من مواجهة المتاعب. ورغم كل الإهانات والمضايقات لم يفكر صاحبنا أبداً في التخلي عن وظيفته، بل أصر على المضي قدماً في خدمة رئيس البلاد من فرط احترامه وحبه له، وأخذاً أيضاً في الاعتبار الامتيازات التي وفرها له تقربه منه والتي كانت سبباً في تجاوزه لمشاكله الاجتماعية العويصة.

إن ذنب الطباخ الوحيد أنه دأب طوال مدة اشتغاله بالقصر الرئاسي على إطلاع الرئيس على نبض الشارع بكل عفوية. الأكثر من ذلك أن الطباخ لم يكتف بالحكي، بل قرب الرئيس من واقع الناس بأن جعله يختلط بأفراد من الطبقة الشعبية برفقته. بهذه الكيفية ازداد وعي الرئيس بخصوصيات شعبه وبحجم معاناته الاقتصادية بشكل خاص. هذا الأمر، والذي لم تكن وراءه أية نية في فضح ما تشهده البلاد من اختلالات، اعتبرته الحاشية جريمة لا تغتفر، فكان التخطيط لإعادته إلى الشارع الذي أتى منه أول مرة. وهكذا تم طرد بطل الفيلم من دائرة الرئيس الضيقة دون موافاته بأي تبرير، وذلك بعدما تخلف عن استيعاب شروط الاستمرار في العمل كما حددها أقرب المقربين من الرئيس، وبعدما تخلف في وقت مبكر عن اكتشاف ما كان يحاك ضده. أما الرئيس فقد اقتنع بمضمون التقرير الطبي الملفق ـ والذي على أساسه تمت الإقالة ـ واعتبر طي صفحته واستبداله بطباخ آخر إجراءً تقنياً عادياً.

قد تبدو قسوة الحاشية مجانية، إلا أن العارف بخبايا دوائر الحكم يعلم جيداً بأن أفرادها إنما يقومون بالمهام التي يرونها ضرورية، بما في ذلك تجميل واقع البلاد في عيني الرئيس. وهم دائماً يبررون ما يعتبره البعض فظاظة أو تجاوزات بـ”الدواعي الأمنية”، وهو مبرر تكرر ذكره في الشريط. فهم يعتبرون أنفسهم آخر خط دفاع غير مسلح في سلسلة خطوط الدفاع المسلحة وغير المسلحة التي تروم حماية جسد رأس الدولة وطمأنينته، وأي تهاون من جانبهم قد يخلق ثغرات أمنية قاتلة. لهذا السبب أيضاً يخيل لمن يقترب من دائرة الحاكم أن أفراد حاشيته الرسميين مجردون من حس الدعابة ولا ميل لديهم للكوميديا ورواية النكات.

في نهاية المطاف، انتصرت الواقعية، وبدلاً من أن يسقط الفاسدون، سقط الطباخ… دون أي أمل في التغيير مع عودة متولي وزوجته المناضلة انشراح إلى نقطة الصفر.

ومن باب الإنصاف، فقد أبان التفاعل المسجل بين شخوص الفيلم عن احترافية كبيرة في مجال الكتابة السينمائية. فقيمة الحوار ودقة اللغة المستعملة لا تحتاجان إلى دليل، والمرور من المشاهد الكوميدية إلى المواقف الجادة وبالعكس تم بسلاسة فائقة. كما أن هندسة الشريط انطوت على درجة عالية من الإبداع والذكاء والجرأة، بدءاً من الصدفة التي مهدت للتعارف والتقارب بين الرجلين، وانتهاءً بملابسات طرد الطباخ وخروجه من جنة الرئيس المكهربة ومنعه حتى من الاقتراب من السياج الخارجي للقصر.

هذه إذن واحدة من تلك القصص التي لا تنتهي بزواج وزغرودة. إنها فرحة لم تكتمل، ليس بسبب الإكراهات أو الحظ العاثر، بل بسبب الخبث البشري الذي يسكن الكثير من النفوس. صحيح أن مبدع الحكاية لم ينتهج سياسة جبر الخواطر، لكنه نجح في فتح أعين المتلقين على حقيقة من حقائق الحياة المرة.

و للمزيد من المعلومات، رجاء البحث عن الفيلم. فهو جدير بالمشاهدة (وبالنميمة أيضاً) ويستحق كل الجوائز الممكنة.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
قفزة جديدة في أسعار الدجاج
السبت 24 أكتوبر 2026 - 11:48 6

قفزة جديدة في أسعار الدجاج

صوت وصورة
مؤتمر "التوحيد والإصلاح" الثامن
السبت 24 أكتوبر 2026 - 00:35 3

مؤتمر "التوحيد والإصلاح" الثامن

صوت وصورة
154 ألف حالة طلاق بالمغرب
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 21:00 17

154 ألف حالة طلاق بالمغرب

صوت وصورة
عبقري يكشف رؤية جديدة للشباب
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 20:30 6

عبقري يكشف رؤية جديدة للشباب

صوت وصورة
الأغلبية والمعارضة تناقشان عرض لقجع
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 18:32 4

الأغلبية والمعارضة تناقشان عرض لقجع

صوت وصورة
إصلاح الضريبة على الدخل
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 17:47 4

إصلاح الضريبة على الدخل