عبد الحق المريني.. بهاء ووفاء

عبد الحق المريني.. بهاء ووفاء
السبت 28 يونيو 2025 - 15:17

أفل نجمه ووافاه أجله، وأخلد إلى “جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ” (آل عمران: 133).

وقديماً قال الشاعر ابن رازكة الشنقيطي:

هُوَ المَوْتُُ عَضْبٌ لَا تُخُونُ مَضَارِبُهُ
وَحَوْضٌ زُعَاقٌ كُلُّ مَنْ عَاشَ شَارِبُهُ

رحل الأستاذ عبد الحق المريني بعد حياة حافلة بالعطاء، عاشها بحب واطمئنان، وأرسى قواعدَ لَبِنَاتِهَا بتصديق وإيمان، وحزم وائتمان.

واجهتان نجح في فتح مغاليقهما وأوفى لهما وفاءَ المخلصين الخُلَّص الصادقين. فكانت أولاهما مساره في خدمة الأعتاب الشريفة منذ التحاقه بالقصر الملكي سنة 1965 بخطوات موفقة، إلى أن أُسندت إليه مهمة مُؤَرِّخ المملكة المغربية والناطق الرسمي باسم القصر الملكي سنة 2012، حتى وافاه الأجل المحتوم ليلة الإثنين 5 ذي الحجة 1446 هـ الموافق 2 يونيو 2025م. وتَمَّ يوم الثلاثاء تشييع جثمان الراحل عبد الحق المريني بحضور صاحب السمو الملكي الأمير مولاي رشيد بمقبرة الشهداء بعد صلاة العصر وصلاة الجنازة، حيث وُوري الثرى.

وكانت الواجهة الثانية: خدمةَ العلم والدرس بما أنجز من مؤلفات ودراسات وأبحاث، وكلها تصبُّ في الحفاظ على الهوية المغربية بروح وطنية وعزيمة لا تلين.

الأستاذ عبد الحق المريني رجل تعددت عطاءاته العلمية والمعرفية؛ فهو المفكر والباحث والكاتب، قارئ كبير وكاتب رصين، ومؤرخ ثَبْتٌ فيما يتعلق بتاريخ المغرب ومنجزات أبنائه وملوكه. أحب التاريخ وأدمن على قراءته منذ مراحل دراسته الأولى، وعشق البحث في مكنونات أسراره، فاستخلص دُرَرَهُ وبعث الحياة في أجوائه عبر سنين مختلفة، مُعْتَزًّا بما تخطُّه يمينه خلال فترات القوة والضعف، ونجح في التأريخ لهذه الفترات بما توفَّر له من مصادر ومراجع.

لا يغفو عن ملاحظات أو إضافات تُعَزِّزُ هذه الأبحاث والمؤلفات بروح العالم الرصين والباحث الأريب. من هذه المؤلفات: “الجيش المغربي عبر التاريخ”، و”مدخل لتاريخ المغرب الحديث”، و”محمد الخامس: دراسات وشهادات”، و”جلالة الملك الحسن الثاني: الإنسان والملك”، و”قضايا مغربية”. وكان آخر إصدار له في التاريخ “نظرات في الإبداع العربي والحضارة المغربية” وصدر سنة 2018، وغيرها من الأبحاث والمقالات التي تحتفي بتاريخ المغرب وأبنائه وملوكه.

شغله موضوع المرأة، فاهتم بالكتابة عنها فأبدع وأجاد، وترك بصماته عبر التأريخ لهذا الموضوع. فكانت أولى الثمرات مُصَنَّفُهُ الشهير “ثريا الشاوي: أول طيارة بالمغرب”، ثم “دليل المرأة المغربية” في أجزاء أربعة. كتابته في هذا الموضوع لفتت نظري بدقته، وأثارت إعجابي بذلك الإحصاء العام – وأكاد أقول الشامل – للجبهات المتعددة التي كان للمرأة فيها حضور وتألُّق؛ يُؤَرِّخ ويُوثِّق لما قدمته المرأة المغربية في مختلف المجالات: في الطب والهندسة والتاريخ والقانون والمسرح والرياضة وغيرها. حلقاتٌ ممتعة أبان فيها عبد الحق المريني عن اطلاعه الواسع عمَّا أَنَّجَزَتْهُ المرأة المغربية خاصة بعد استقلال المغرب، وتَحَرِّيه وضبطه لكل صغيرة وكبيرة. وأردف ذلك بمؤلفه “نسائيات من المغرب”، وفيه تناول بعناية ودراية مسيرة المرأة المغربية في عهد التحرير والاستقلال، وأَلَّمَّ بتراجم الأميرات الجليلات ولباقةٍ من الأديبات المغربيات. وكنتُ من ضمنهن، إذ نَوَّهَ بجهدي في البحث والتنقيب في التراث الأدبي المغربي. وكان هذا آخر إصدار له سنة 2021.

كان يَعِي ما للمرأة من أدوار في تكوين المجتمع وتربية الأبناء، فكانت أحاديثه عن المرأة مَرْبَطَ الفرس في التَّهَـمُّمِ بالشأن النسائي والكتابة فيه. وكثيراً ما كنتُ أحظى بإهداءات كتبه ممهورةً بأرق عبارات المودة والتقدير.

وله من المؤلفات ما تستدعي الإشارةَ إليه تأكيداً لموسوعيته وقراءاته المختلفة: “الشاي في الأدب المغربي”، و”الإسلام مع الانفتاح والاعتدال وضد التطرف والانغلاق”، و”آراء متباينة حول الحجاب والسفور”. ومن مؤلفاته الأدبية: “شعر الجهاد في الأدب المغربي” في جزأين – ونال به دكتوراه الدولة في الأدب المغربي سنة 1989 –، و”منارات في تاريخ المغرب”، و”محطات في تاريخ المغرب”، و”ديوان الحسنيات” في ثلاثة أجزاء، و”ديوان المحمديات” في مدح جلالة الملك محمد السادس بأقلام ثُلَّةٍ من الشعراء المغاربة. إضافة إلى تدوينه للرحلات الملكية إلى عدد من الدول الصديقة والشقيقة في المشرق وإفريقيا وأوروبا وآسيا وأمريكا، وكلها منشورة. وكذلك مجموعة من المقالات والدراسات التي كان ينشرها في “معلمة المغرب” وفي غيرها من المجلات والصحف اليومية.

عبد الحق المريني باحث بكل المقاييس الدقيقة للباحث الأكاديمي. فهو من الأعلام المعاصرين الذين شَدُّوا إليهم الانتباه في الوطن وخارجه، فالثناء عليه يملأ الآفاق لِمَا جُبِلَ عليه من إتقان في العمل ودقةٍ في الأداء. حظي عبد الحق المريني بتكريمات كثيرة شاركتُ في أغلبها بالكتابة عنه وعن بعض مؤلفاته، في مدينة سلا. وآخرها كان بالدار البيضاء في يونيو 2022، انتظمت أشغالها برحاب المكتبة الوسائطية لمؤسسة مسجد الحسن الثاني بالدار البيضاء، وشاركت فيها مؤسسة مسجد الحسن الثاني ومؤسسة الشهيد محمد الزرقطوني ومؤسسة عبد الهادي بوطالب. جاء في شهادة مدير مؤسسة مسجد الحسن الثاني الأستاذ بوشعيب فُقَار: “الأستاذ عبد الحق المريني يحمل في وجدانه وسلوكه من القيم الوطنية الصادقة ومن الوفاء والارتباط بالمقدسات العليا للبلاد ما يجعلنا جميعاً نشارك في تكريمه والوفاء لمبادئه في خدمة الوطن. وهو في ميدان الفكر والثقافة رجل اكتحلتْ عيناه يوم مولده بنور أسرة متدينة محافظة. فقد قرأتُ عنه في هذا الباب أنه قام في سن مبكرة بكتابة المصحف الشريف بخط يده، وأنه لا يزال يحتفظ بذلك المخطوط إلى اليوم. وهي إشارة صادقة إلى تشبع روحه بمبادئ الإسلام الحنيف”. وجاء في كلمة مؤسسة الشهيد محمد الزرقطوني للثقافة والأبحاث: “اكتشفنا في المؤسسة أن سيرة المؤرخ عبد الحق المريني هي سيرة الإنسان الخلوق والباحث الهادئ الذي يحسن الإنصات لنبض عطائنا، الأمر الذي جسده من خلال مواكبته المتواصلة لسلسلة أعمال مؤسسة الشهيد الزرقطوني للثقافة والأبحاث… ظل يشكل مرجعاً لا يمكن تجاوزه عند الإعداد لكل أنشطتنا الإشعاعية؛ فرأيه سديد، ونظرته ثاقبة، وعطاؤه بلا حدود”. أما كلمة مؤسسة عبد الهادي بوطالب فجاء فيها: “نحتفي اليوم بوجه من وجوه المغرب الحديث النيِّرة، الذي لم تشغله – وتُبْعِدْه – المسؤوليات الرسمية عن اهتمامه بالقضايا الفكرية وعن إسهاماته في الحياة الثقافية. حيث يظل عبد الحق المريني على ارتباط وثيق بالكتابة والتأليف والنشر، إذ تعددت مجالات كتاباته من التاريخ إلى الأدب، من تاريخ الجيش المغربي إلى المرأة إلى الشعر، إلى غير هذا من المواضيع والقضايا التي استأثرت باهتمامه… إن هذا التكريم هو تكريم لتواضع هذا الإنسان الذي يحظى باحترام وتقدير الجميع من كل الأطياف؛ تكريم لإخلاصه لوطنه؛ تكريم لإنتاجاته الفكرية؛ تكريم لما يحمله من قيم نبيلة تمثل نموذجاً لما ينبغي أن يكون عليه من يتحمل المسؤولية في مغرب اليوم”.

وكان من الأساتذة المشاركين الأستاذ مصطفى الشابي، الذي قال عن الأستاذ المريني: “إن من أهم وأبرز صفات الرجل عصاميته إذ يجسدها تجسيداً رائعاً، ولا أدل على ذلك من استماتته ومثابرته في التعلُّم والتكوين في سبيل الحصول على أعلى الدرجات العلمية الجامعية، والارتقاء إلى أسمى الرتب الفكرية والإدارية… الكل يُقِرُّ بأخلاقه الرفيعة وخصاله الحميدة واستقامته المثالية وإخلاصه في القول والعمل بشهادة رؤسائه ومرؤوسيه… كان شغوفاً بالكتاب والمطالعة والتأليف، والبحث والتنقيب في المصادر والوثائق…”. وقال الأستاذ محمد معروف الدفالي عن كتابه “منارات من تاريخ المغرب”: “إن هذا الكتاب الذي سرد الكثير مما يتعلق بالماضي يهدف إلى إضاءة الحاضر والمستقبل… إن فهم الماضي والافتخار به هو الأساس من أجل لبنات تنير طريق المستقبل”. وجاء في كلمة الأستاذة نجاة المريني: “كانت القراءة عند الأستاذ المريني وسيلة من وسائل تنشيط ذاكرته وشحنها بمعلومات جديدة وأفكار ملهمة. فهو مدمن على القراءة منذ فترات حياته الأولى، متابع لقراءة المجلات والجرائد في المراحل الأولى – بل وكما يقول في واحد من حواراته التلفزية: بأنه كان يحتفظ ببعض قصاصات الجرائد التي يجد في قراءتها متعة وفائدة – ثم ليجد في بعض الإصدارات الأدبية وغيرها ما يُطفيء ظمأه للاستفادة بما يقرأ، ويُغري قلمه بتدوين ما استساغه فكره حول ما ترسَّخ في ذاكرته من مقروء وغيره، والإعجاب به أو انتقاده أو التعليق عليه”.

وكان ختام الجلسة التكريمية كلمات شكر للمكرم الأستاذ المريني قال فيها: “إن تكريم المبدعين والمبدعات المغاربة هو اعتراف صريح بجميلهم على الثقافة في بلادنا؛ لأن الإبداع هو أغلى ثروة تملكها الأمم، يساهم في إثراء ثقافة البلاد وإغناء تراثها التاريخي والأدبي والعلمي. إنه في الحقيقة تكريم أيضاً للفكر والثقافة والحضارة المغربية”.

قامةٌ شامخةٌ عِلْماً وخُلُقاً وتدبيراً، كفاءة في التسيير الإداري، وعطاء علمي يُبهر القارئ كلما أصدر كتاباً أو حضر ندوة علمية؛ فيفيد ويُمتع. لا تفتر همته عن رفقة القلم مهما كان الظرف، وعن مصاحبة الكتاب المُنعِش لتجديد فكر كل قارئ؛ فالكتاب رفيق لا تُمَلُّ عشرته، وصديق لا يبخل بفائدته. لذلك كانت الصحبة والمرافقة باباً من أبواب منارة الكاتب الأستاذ المريني التي يَطِلُّ من خلالها على عوالمنا المختلفة.

وجاء في برقية التعزية التي بعثها صاحب الجلالة محمد السادس إلى أسرة الراحل، مُنَوِّهاً به وبسيرته وعطائه: “إن الراحل رفَد الخزانة الوطنية بعديد الأعمال والإصدارات الرصينة والمتميزة، والتي ستظل شهادة خالدة على ما حباه الله به من سعة الاطلاع وبراعة الإلمام، وشغف العلم وحب البذل لوطنه، والغيرة الصادقة على ثوابت الأمة ومقدساتها، والتعلق المكين بأهداب العرش العلوي المجيد”.

عبد الحق المريني رجلٌ خلوق، متواضع، يعمل بصمت وهدوء. تحمل مسؤوليته الإدارية بوطنية وإخلاص، ومسؤوليته العلمية بكفاءة واقتدار، فكان وفياً للعلم والعلماء. تراه باستمرار متأبطاً كتبه وملفاته، لا يبغي عن ذلك بديلاً.

ولعل من كرمه وحسن تدبيره إهداؤه مكتبته العامرة – التي تضم مصنفات متنوعة في الفكر والتاريخ والأدب والفنون، وكذلك ما تحويه من مجلات رائدة مغربية وغيرها – إلى المكتبة الوطنية للمملكة المغربية؛ ليفيد منها طلاب العلم والدرس. وهي محمدة تُسجل له لبناء شخصيات طلاب الغد ورجال المستقبل.

عاش الراحل حياته الطيبة بعيداً عن الأضواء، مخلصاً للمبادئ الخلقية والدينية والعلمية. ينوه بأخلاقه الجميع، وبعلاقاته الودية كل أطياف المجتمع. وكانت جنازته شاهدا على سمو خلقه، وعلى الامتثال لضوابطه هدوءاً وصمتاً، نظاماً وانضباطاً، في رحاب ترتيل آيات من الذكر الحكيم. ساعات ربانية انصرمت في حضرة غيابه لتكون شاهدة على ما للرجل من جميل الذكر والتذكر، والمحبة والوفاء. جازاه الله على كل ما قام به في حياته من جليل الأعمال وبديع الصفات. رحمه الله وأحسن إليه، وخَلَّد في الصالحات ذكره.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
ما علاقة الخريف بالأمراض التنفسية؟
السبت 3 أكتوبر 2026 - 21:00 1

ما علاقة الخريف بالأمراض التنفسية؟

صوت وصورة
أوزين والضائقة المالية
السبت 3 أكتوبر 2026 - 19:34 2

أوزين والضائقة المالية

صوت وصورة
حزب الاستقلال والحكومة المقبلة
السبت 3 أكتوبر 2026 - 16:30 1

حزب الاستقلال والحكومة المقبلة

صوت وصورة
مغربيات وتعيين المنصوري
السبت 3 أكتوبر 2026 - 15:12 3

مغربيات وتعيين المنصوري

صوت وصورة
شوكي: مصلحة الوطن أولا
السبت 3 أكتوبر 2026 - 13:49 11

شوكي: مصلحة الوطن أولا

صوت وصورة
المنصوري: نقاش حاد وخطوط حمراء
السبت 3 أكتوبر 2026 - 13:29 5

المنصوري: نقاش حاد وخطوط حمراء