عمر حمداوي .. الزجال المغربي الذي رقص في عرس للذئاب

عمر حمداوي .. الزجال المغربي الذي رقص في عرس للذئاب
الإثنين 15 دجنبر 2014 - 20:05

ابن قصر تزكاغين بتنجداد على تخوم إقليم الرشيدية، شحرور واحات تافيلالت الذي يصدح ويرقص في “عرس الذيب”، إنه عمر حمداوي الشاعر الزجال، الذي تأبط القرطاس والقلم متماهيا مع طقوس الكلمات الحرة الأصيلة.

هو من الشباب القلائل بمنطقة فركلى الكبرى الذين شرعوا، على الرغم من عصاميتهم، في تلمس طريق الإبداع بالشموع، وحملوا على أكتافهم هم الحروف والكلمات في إنصات شاعري للصوت القادم من الأعماق، أملا في الانتصار لليومي والهامش وإعادة الاعتبار للذات الشاعرة العارفة بأحلام وآهات البسطاء من الناس.

لم تنسه انشغالاته واهتماماته بالعمل الجمعوي والإعلامي والبحث عن كنوز التراث الشفهي المحلي بمنطقة تنجداد، عن مواصلة درب الشعر “بأسلوب قوامه كلمات عميقة من قاموس الدرجة المحلية العريقة”، كما قال الشاعر الكبير محمد علي الرباوي في تقديمه لباكورة أعمال حمداوي “عرس الذيب”، وهي أنشودة عامية تسترجع صدى أطياف “أوجاع الناس، وهمومهم، بل وأحلامهم، ويحضر ضمن هذه البلاغة الوطن مع معجم مستمد من معرفة الشاعر بالحياة اللغوية المتداولة في المغرب، وهو الذي يتحدث الأمازيغية بين أهله وأصحابه في قصور تنجداد، وكأنه بهذا المعجم يؤكد أن الشعر عمل في اللغة وباللغة”.

فمن خلال الإيقاع، يضيف الرباوي، “تشعر أن صاحب هذا العمل مشدود بإيقاعات أحيدوس، وهي إيقاعات تجعل مóن تنهل أذناه منها يكتب شعرا هو امتداد للشعر الجاهلي الذي نبع في أحضان الغناء. كل نصوص هذا العمل تنتظر الوتر ليصدح بها بين النخيل، وبين كثبان الرمال اللافحة”.

ترعرعت، كما يكشف حمداوي، الذي لم يتجاوز مستواه التعليمي الأقسام الثانوية، في وسط عائلي محافظ، أحاطه والده الذي يشتغل إماما برعاية خاصة مع حرصه البالغ “على تربيتنا على مكارم الأخلاق” النابعة من القرآن الكريم وتحفيظه بالطريقة التقليدية “التي تعتمد على اللوح وقلم القصب ومادة الصمخ” بالإضافة إلى سيرة الرسول الكريم ومن بعده من الخلفاء الراشدين والصحابة والتابعين وعظماء التاريخ الإسلامي.

خلف أسوار قصر تزكاغين “بدأت مسيرتي الإبداعية خاصة في مجال الزجل، ويرجع الفضل في ذلك إلى مكتبة والدي التي كانت تضم تحفا مثل ديوان سيدي عبد الرحمان المجدوب، الذي أدمنت على قراءته وحفظه وترديده ومحاولة الإبداع على منواله. وبالإضافة إليه، تأثرت كثيرا بمجموعة ناس الغيوان وغيرها من المجموعات الغنائية”.

سماعه وإعجابه بالنصوص الزجلية في الأمسيات الثقافية ومشاركته فيها أضفى وأغنى تجربته الإبداعية، شكلت البداية للخواطر البسيطة، كما يقول حمداوي، فمع مرور الأيام “بدأت أحتك بالعديد من الزجالين المغاربة خاصة خلال سنوات إقامتي بمدينة مكناس التي كانت لي فيها أول مشاركة زجلية في أمسية فنية بدار الثقافة (الفقيه المنوني) حيث قدمت قصيدة تحت عنوان (جيل اليوم) … وهكذا إلى أن وجدت نفسي أسير الحرف الزجلي ومغرما بكلام المجاديب والبهاليل وحكم وأمثال وأقوال الأجداد، فضلا عن الكلمات العميقة التي تضرب بجذورها في أعماق الدارجة المحلية، والتي أعتبر استثمارها في بناء القصيدة نقطة من نقط قوة النص الشعري الزجلي”.

الزجال يكتب ومضات حارقة، إنه يمارس غواية الحرف الأصيل، يعانق الجرح النازف صعودا، إلى متاهات الأنفاس وبداهات الأشياء، من الحرف إلى الحرف، يقول حمداوي، الذي كان، و ما يزال، في نضاله الزجلي، كما الجمعوي، يعمل بجد ومكابدة من أجل شموخ الكلمة الشعرية التي تعانق الهموم وتتطلع الى المستقبل بأحلام وردية.

من قصائد حب الوطن والواحة (بلادي، الصحرا مغربية، تافيلات، الفلاح، النخلة شامة) إلى القضايا التعليمية (حال الطالب، شينة الفعايل، يا من يواسي) والدعوة إلى الأخوة ونبذ العنصرية (عين المحبة، تعالى يا ودي تعالى) والقضايا الشبابية (العجوبة، جيل اليوم، خبار الجار) إلى قصائد القضايا الاجتماعية (راس الشهر، حروف الهجا، عربونا، جمعي زينك، يمتى …)، والشأن السياسي (عرس الذيب، طير الغدر)، تجول حمداوي بمخيلته الشعرية ليكشف بأسلوب إبداعي يلامس الواقع عن سلوكات وظواهر وتطلعات وانكسارات ونجاحات فاض بها وجدانه.

وعبر بوابة الزجل، يضيف حمداوي، ولجت إلى عالم البحث في تاريخ المنطقة وتراثها الشعبي، الذي “أشعر فيه بمتعة لا تضاهى رغم وجود العديد من الإكراهات التي تعترض سبيل الباحث والمهتم العازم على سبر أغوار تراث المنطقة العريق وتاريخها العميق، وقد أعددت في هذا الصدد مجموعة من الدراسات والمقالات نشرت بعضها على صفحات بعض المواقع المحلية”.

ولتجاوز هذه الإكراهات، دعا حمداوي، الذي له مجموعة من الأعمال الزجلية فضلا عن العديد من الأبحاث والدراسات في تاريخ وتراث المنطقة قيد الإعداد للطبع، إلى تأسيس جمعيات جادة ومنظمات فاعلة في مجال الحفاظ على التراث، وضرورة انخراط الجماعات المحلية في مشروع الحفاظ على التراث بمختلف أنواعه، وتأسيس متاحف لحفظ التحف القديمة التي تتيح للزوار والباحثين إمكانية التعرف عليه والتنسيق مع الجامعات ومراكز البحث في إطار مشاريع جمع وحفظ وتدوين التراث المحلي، دون أن ننسى أهمية مساهمة وسائل الإعلام في التعريف بالتراث الثقافي المحلي في هذا المجال.

تزخر منطقة تنجداد، يخلص حمداوي، بمجموعة من المبدعين في شتى صنوف الإبداع (الشعر العربي والأمازيغي، القصة، الرواية، التشكيل، الخط، البحث العلمي، الموسيقى والرياضة …) إلا أن ثمة مجموعة من المشاكل التي تقف حاجزا أمام التعريف بهؤلاء المبدعين على نطاق واسع وعلى رأسها ضعف الإمكانيات المادية، وانشغال الجمعيات والجماعات المحلية بالأنشطة والمشاريع التنموية على حساب الأنشطة الثقافية التي من شأنها إبراز المواهب والطاقات المحلية.

* و.م.ع

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

1
  • عبد الصمد العباسي
    الثلاثاء 16 دجنبر 2014 - 20:47

    تحية للزجال عمر الحمداوي مزيد من التألق والعطاء فقد شرفت منطقة الجنوب الشرقي بإبداعاتك وكتاباتك دمت متألقا أخي

صوت وصورة
مبادرة ساكنة لفك العزلة
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 15:06 3

مبادرة ساكنة لفك العزلة

صوت وصورة
تشييع المغربية ضحية الهجوم الحوثي
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 10:57 2

تشييع المغربية ضحية الهجوم الحوثي

صوت وصورة
معرض الطيران يجمع الفرجة والمعرفة
السبت 10 أكتوبر 2026 - 23:30

معرض الطيران يجمع الفرجة والمعرفة

صوت وصورة
مضادات "درون" مصنوعة مغربيا
السبت 10 أكتوبر 2026 - 21:30 3

مضادات "درون" مصنوعة مغربيا

صوت وصورة
الدار البيضاء تتضامن مع غزة
السبت 10 أكتوبر 2026 - 20:15 6

الدار البيضاء تتضامن مع غزة

صوت وصورة
سعر الدجاج بـ24 درهما
السبت 10 أكتوبر 2026 - 19:45 11

سعر الدجاج بـ24 درهما