المغرب في عواصف التحولات العالمية: رهانات الموقع والجبهة الداخلية.
مدخل: قوة الخارج وسؤال الداخل.
يدخل المغرب خريف 2026 والعالم يعيد رسم خرائط القوة والتجارة والأمن. تضغط الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران على أسواق الطاقة والممرات البحرية، وتختبر توترات المتوسط علاقته بإسبانيا والاتحاد الأوروبي، وتدفع المنافسة المغاربية إلى واجهة الحسابات الإفريقية. وفي المقابل، يوسّع المغرب شبكات إنتاجه وبنياته التحتية وشراكاته الدبلوماسية. لكن هذا التقدم يطرح سؤالاً سياسياً واجتماعياً لا يقل ثقلاً عن التحديات الخارجية: كيف تتحول مكاسب الدولة إلى قدرة وطنية مشتركة، تسندها مؤسسات خاضعة للمساءلة ومواطنون يشاركون في صناعة المستقبل، لا في انتظار ثماره؟
لا يكفي الموقع الجغرافي وحده لصناعة النفوذ؛ إذ تربط الجغرافيا المغرب بأوروبا والأطلسي وإفريقيا والشرق الأوسط، بينما تختبر الأزمات قدرة القرار العمومي على وصل هذه الدوائر من دون رهن المصالح الوطنية لمحور واحد. لذلك يتطلب فهم المرحلة قراءة المخاطر والفرص معاً، وتجنب اختزال السياسة الخارجية في الإنجاز الرمزي أو السياسة الداخلية في المنافسة الانتخابية.
الطاقة: الحرب تصل إلى الداخل.
أدخلت الحرب التي اندلعت في 28 فبراير 2026 بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران الممرات البحرية في قلب معادلة الأسعار. انحسر عبور السفن التجارية في مضيق هرمز بصورة حادة، وامتد الاضطراب إلى باب المندب مع تصاعد المواجهة مع الحوثيين؛ ولم تتوقف الصادرات النفطية كلياً، لكن نقلها صار أكثر تعقيداً وكلفة (رويترز، 21 شتنبر 2026).
يتلقى المغرب، بوصفه مستورداً صافياً للطاقة، الصدمة عبر فاتورة المحروقات والنقل والأسمدة والمواد الوسيطة وكلفة التأمين والشحن، ثم عبر ضغط محتمل على الأسعار والميزان الخارجي والقدرة الشرائية. وقد نبّه صندوق النقد الدولي إلى أن توترات الشرق الأوسط تقلص آفاق النمو المغربي من خلال أسواق السلع والطلب العالمي، مع توقع نمو قدره 4.4% في 2026، وفق تقدير مارس الذي لا يلغي احتمال تغيره (صندوق النقد الدولي، 2026). يفرض هذا الوضع تسريع تنويع الإمدادات والنجاعة الطاقية والطاقات المتجددة، مع حماية الفئات المتضررة ومراقبة أثر الأزمة في الأسعار.
تزيد ندرة المياه وتقلّبات المناخ حساسية الاقتصاد لأي اضطراب خارجي؛ فهي تربط الأمن الغذائي بالطاقة المستعملة في الضخ والتحلية والنقل. وتحتاج الاستجابة إلى حساب كلفة الفرصة: فكل درهم يُصرف لتدارك صدمة طارئة لا يُصرف بالضرورة على تكوين الأطر أو دعم البحث أو إصلاح المدرسة. ولهذا يظل اختبار السياسة الاقتصادية في قدرتها على تأمين الحاجيات الأساسية من دون التخلي عن الاستثمار طويل المدى، وعلى توزيع أعباء الأزمات بقدر من الإنصاف والوضوح.
سبتة ومليلية: خلاف داخل شراكة.
أعاد تجدد الخلاف بشأن سبتة ومليلية إبراز التناقض بين مطالبة المغرب بالمدينتين من منظور تاريخي وإنهاء الوجود الإسباني فيهما، وتمسك مدريد بسيادتها عليهما ورفضها فتح تفاوض حول وضعهما (رويترز، 12 غشت 2026). ويختلف الوضع القانوني للمدينتين عن ملف الصحراء، الذي تتناوله الأمم المتحدة ضمن مسار خاص لتقرير المصير؛ لذلك لا يكفي جمع الملفين تحت توصيف قانوني واحد.
يتجاوز الخلاف الرمزية السيادية. تتشابك معه الحدود والهجرة والأمن والتبادل التجاري وحياة السكان، كما تتداخل معه حسابات الأحزاب الإسبانية، ولا سيما القوى اليمينية المتشددة التي توظف ملف الحدود والهجرة. لكن إسبانيا تبقى الشريك التجاري الأول للمغرب، وقد تجاوز التبادل بين البلدين 22.5 مليار يورو سنوياً وفق الحكومة الإسبانية (وزارة الاقتصاد الإسبانية، 2025). وينظم البلدان مع البرتغال كأس العالم 2030. يقتضي ذلك إدارة الخلاف عبر الدبلوماسية والتعاون العملي، من دون افتراض أن التقارب الاقتصادي يلغي اختلاف المواقف السيادية.
الصحراء: تفاوض وقانون ومصالح.
أعطى تأييد مدريد عام 2022 لمقترح الحكم الذاتي المغربي دفعة للعلاقات الثنائية، بينما تواصل الجزائر والبوليساريو الاعتراض عليه. وفي الإطار الأممي، يظل البحث عن حل سياسي متوافق عليه يكفل تقرير المصير قائماً، رغم اتساع التأييد الدولي للمقترح المغربي؛ ولا يصح تقديم موقف دولة أو قرار أممي بوصفه إغلاقاً نهائياً للنزاع (الأمم المتحدة، 2025).
تتخذ العلاقة مع الاتحاد الأوروبي طابعاً قانونياً واقتصادياً دقيقاً. أبطلت محكمة العدل الأوروبية في أكتوبر 2024 اتفاقات سابقة شملت منتجات الصحراء لاعتبارات تتصل بموافقة سكان الإقليم، ثم أبرم الاتحاد والمغرب اتفاقاً تعديلياً جديداً في أكتوبر 2025 لتطبيق مزايا تجارية مع متطلبات المنشأ والمتابعة (محكمة العدل الأوروبية، 2024؛ مجلس الاتحاد الأوروبي، 2025). وبين صعود اليمين المتطرف داخل دول أوروبية وتوترات التجارة والدفاع بين بروكسل وواشنطن، يحتاج المغرب إلى تنويع شركائه والدفاع القانوني عن مصالحه، مع إدراك أن مواقف العواصم الأوروبية ليست واحدة.
إفريقيا: من العبور إلى الترابط.
تمنح الموانئ وصناعات السيارات والطيران والفوسفاط والخدمات المالية المغرب أدوات حضور اقتصادي يتجاوز حدوده. عالج ميناء طنجة المتوسط أكثر من 11.1 مليون حاوية معيارية في 2025 (سلطة ميناء طنجة المتوسط، 2026). ووقّعت دول الجماعة الاقتصادية لغرب إفريقيا في يوليوز 2026 الاتفاق الحكومي الخاص بمشروع أنبوب الغاز الأطلسي نيجيريا–المغرب؛ لكنه لا يزال مشروعاً في طور استكمال ترتيباته الاستثمارية والتنفيذية، لا بنية تعمل بالفعل (المكتب الوطني للهيدروكاربورات والمعادن، 2026).
تتجسد قيمة العمق الإفريقي عندما تربط الشراكات الممرات البحرية والطاقة والتكوين والتصنيع بالمنفعة المتبادلة. غير أن النفوذ الاقتصادي لا يُقاس بعدد الاتفاقيات وحده؛ بل بقدرة المشاريع على خلق فرص عمل منتجة، وتقليص الفوارق الترابية، وربط المقاولات المغربية بسلاسل قيمة إفريقية أكثر توازناً.
واشنطن وإسرائيل والخليج.
تدعم الشراكة مع الولايات المتحدة التعاون الأمني والاستثماري والدبلوماسي، ويتداخل معها اعتراف واشنطن سنة 2020 بسيادة المغرب على الصحراء. كما تطورت العلاقات الرسمية مع إسرائيل منذ استئنافها في السنة نفسها، وأُعلن في شتنبر 2026 اتفاق على رفع مستوى التمثيل الدبلوماسي (رويترز، 16 شتنبر 2026). لكن استمرار حرب غزة وتداعيات الحرب على إيران يفرضان على الرباط موازنة التزاماتها وشراكاتها مع موقفها المعلن من حل الدولتين وحماية المدنيين الفلسطينيين، وتجنب تحويل العلاقة مع أي شريك إلى تبعية استراتيجية.
تواجه دول الخليج بدورها آثار تهديد طرق تصدير النفط والبنى الطاقية، كما تعيد هجمات الحوثيين على المصالح السعودية طرح سؤال الردع والتضامن. وينبغي هنا التمييز بين منظومة الدفاع في مجلس التعاون الخليجي واتفاق مكة للدفاع المشترك الذي وقّعته السعودية وتركيا وباكستان في غشت 2026: نصّ الاتفاق الأخير على اعتبار الاعتداء على إحداها اعتداءً على الجميع، وعقدت لجنته اجتماعاً في 31 غشت؛ لكن ذلك لا يعادل إعلان تدخل عسكري جماعي تلقائي في كل أزمة (الخارجية السعودية، 2026). وتؤثر خيارات الخليج في المغرب من خلال الاستثمار والتحويلات وأسعار الطاقة وحركة السياحة والتمويل.
تكشف التجربة الراهنة حدود التحالفات في زمن تتفاوت فيه أولويات الحلفاء. فقد تطلب دولة حماية منشآتها، فيما يحسب شريكها العسكري كلفة الانخراط المباشر في النزاع؛ وقد تستمر التجارة في الوقت الذي تتوتر فيه الرسائل الدبلوماسية. ويستفيد المغرب من قراءة هذه الفوارق عند رسم علاقاته مع واشنطن وبروكسل وعواصم الخليج: ينوع منافذ التمويل والأسواق، ويطور إمكاناته الذاتية في الطاقة والغذاء واللوجستيك، ويحافظ على مساحة للحوار مع أطراف مختلفة، بدل بناء أمنه الاقتصادي على ضمانة خارجية واحدة.
الجزائر: كلفة القطيعة.
يستمر الخلاف المغربي الجزائري حول الصحراء والأمن الإقليمي في استنزاف فرص التكامل المغاربي. وتنعكس القطيعة على الحدود المغلقة والاتصال البري ومشاريع الطاقة والتجارة، بينما تتسابق الدولتان على الشراكات الإفريقية والأوروبية. لا تتطلب حماية المصالح المغربية إنكار مصالح الجزائر، ولا يستلزم نقد السياسات الجزائرية تحويل المجتمع الجزائري إلى خصم. وتتيح قنوات خفض التصعيد، إن توافرت شروطها، حماية الأمن الإقليمي وتوجيه الموارد إلى التعليم والتشغيل والتنمية بدل دوامة الاستقطاب.
الانتخابات: اختبار الوساطة.
تجرى الانتخابات التشريعية المغربية في 23 شتنبر 2026 لاختيار 395 نائباً، بعد حملة شهدت تنافس برامج وفرص تشغيل ووعوداً بتطوير الخدمات (البوابة الرسمية للمملكة، 2026). لكن استطلاع أفروباروميتر الذي نقلته رويترز في شتنبر أظهر محدودية الثقة لدى فئة من الشباب في المؤسسات الحزبية والتمثيلية، كما يظل حضور الفئة العمرية بين 18 و24 سنة ضعيفاً بين المسجلين في اللوائح مقارنة بوزنها السكاني (رويترز، 17 شتنبر 2026). لا يثبت ذلك إفلاس جميع الأحزاب، لكنه يكشف أزمة وساطة لا تعالجها الحملات وحدها.
يتطلب التصدي للفساد الانتقال من الإدانة العامة إلى قواعد واضحة لتضارب المصالح والصفقات وتمويل الأحزاب وربط المسؤولية بالمحاسبة. ومن المفيد تذكر عبارة مونتسكيو الأصلية:
“Pour qu’on ne puisse abuser du pouvoir, il faut que, par la disposition des choses, le pouvoir arrête le pouvoir” (Montesquieu)
. ويؤكد مؤشر مدركات الفساد لسنة 2025 أن المغرب حصل على 39 نقطة من مئة؛ وهو مؤشر للمدركات لا قياس مباشر لكل واقعة فساد (منظمة الشفافية الدولية، 2026). فالمسألة تتعلق بقدرة مؤسسات الرقابة والقضاء والصحافة على كشف الاختلالات وتصحيحها، لا بمجرد تبدل الوجوه.
الثقافة والمجتمع: جبهة لا هامش.
يفرض الطموح التنموي مراجعة العلاقة بين المشاريع الكبرى والقدرات البشرية. خفّض المغرب الأمية إلى 24.8% وفق إحصاء 2024، لكنها لا تزال تبلغ 38% في الوسط القروي (المندوبية السامية للتخطيط، 2024). ولا تعني محو الأمية وحده بناء مواطن قادر على قراءة المعلومة وتمييز الدعاية والمشاركة في الشأن العام؛ إذ يحتاج الوعي المدني إلى مدرسة تدرّب على النقاش والحقوق والواجبات، وجامعة تنتج المعرفة، وصحافة مهنية مستقلة، ونقابات تتفاوض، وجمعيات تمتلك استقلال قرارها ومواردها.
تستطيع السينما والمسرح والكتاب والتلفزيون والصناعات الرقمية تشكيل خيال جماعي يتسع للاختلاف، إذا وجدت تمويلاً شفافاً وتوزيعاً عادلاً وحماية لحرية الإبداع. وحين تتحول الجمعيات إلى مجرد منفّذ للمشاريع أو تضعف استقلالية الصحافة والعمل النقابي، تخسر السياسات العمومية قنوات الإنصات والتصحيح. تلخص حنّة آرنت شرط الفعل المشترك بقولها:
“Power corresponds to the human ability not just to act but to act in concert” (Hannah Arendt)
لا يناقض المجتمع المدني المستقل الدولة؛ بل يتيح لها التعرف إلى واقعها خارج التقارير الرسمية.
لا ينفصل الإعلام عن الأمن الاستراتيجي في زمن تتحول فيه المنصات الرقمية إلى ساحات تضليل واستقطاب. وتحتاج البلاد إلى إعلام عمومي يشرح القرارات ويخضع للمساءلة، وإلى صحافة خاصة تملك شروط الاستقلال الاقتصادي، وإلى فضاءات ثقافية في المدن والقرى تنقل الشباب من الاستهلاك السلبي إلى النقد والإبداع. ولا يصنع تمويل مهرجان أو إنتاج مسلسل، وحده، صناعة ثقافية قوية؛ تصنعها منظومة متصلة من الكتابة والتكوين والإنتاج والتوزيع والأرشفة والنقد، وتحكمها قواعد شفافة تتيح تنوع الأصوات.
الخاتمة: بناء المناعة الوطنية.
تختبر العواصف العالمية مدى تنسيق المغرب بين دبلوماسية متعددة الشركاء واقتصاد أقل تعرضاً للصدمات وجبهة داخلية قادرة على الحوار والمساءلة. وتعطي الدولة للموانئ والطرق والمشاريع الصناعية قيمتها حين توازيها باستثمار منتظم في التعليم والثقافة والصحة والعمل اللائق، وتتيح للأحزاب والنقابات والجمعيات والصحافة أداء وظائفها المستقلة. يتردد في هذا السياق قول ابن خلدون: “الظلم مؤذن بخراب العمران” (ابن خلدون). فالمقصود ليس المفاضلة بين قوة الدولة وقوة المجتمع، وإنما البحث عن مؤسسات تجعل التقدم الاقتصادي قابلاً للتقاسم، والقرار السياسي قابلاً للمراجعة، والسيادة متجذرة في ثقة المواطنين ومشاركتهم.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.