عون سلطة سابق

عون سلطة سابق
الثلاثاء 16 دجنبر 2025 - 23:17

معذرة أيها المسؤولون عن البرلمان، وعن شؤونه الظاهرة والخفية، فعون السلطة السابق، لا هو بالعضو في مجلس النواب، ولا في مجلس المستشارين… ولا رئيس فريق نيابي، ولا رئيس مجموعة نيابية… ولا حتى من غير المنتسبين… هو فقط عون سلطة سابق… ساقته الأقدار ليخدم الوطن من هذا الموقع لمدة 12 سنة… لم يكن له قطاع يصول ويجول داخله… ولا دمغة لتوقيع شواهد الحياة والممات… فقط أوراق بحجم المعلقات… خدمة للصالح العام…

كان سي محمد، الحاصل على الماستر في قانون البرلمان والصياغة التشريعية… يعد أطروحة لنيل شهادة الدكتوراه حول “النخب البرلمانية بعد دستور 2011: مجلس النواب نموذجًا”… وهو عون سلطة…(مقدم حضري)… ونظرًا لمؤهلاته العلمية ورفعة أخلاقه، وإخلاصه في عمله، الذي يضمن له ولزوجته، ولأولاده الثلاثة الحد الأدنى من “العيش والسترة”، يتطلع ليصبح “شيخًا حضريًا”، بعدما انتهت أحلامه البسيطة في الحصول على منصب يليق بمؤهلاته العلمية وبتجربته المهنية التي اكتسبها طيلة سنوات، في إطار ما تسمح به القوانين الجاري بها العمل… خاصة فيما يتعلق بمشاركته الفاعلة في تدبير العديد من الاستحقاقات الانتخابية… وإشرافه زمن الحجر الصحي على فصول المرحلة، خاصة فيما يتعلق بإدارة ملف رخص التنقل داخل وخارج أرض الوطن… إضافة إلى مشاركته في أشغال العديد من اللجان… وإنجازه لحزمة من التقارير…

فُتحت أبواب لآخرين… لكنها وُصِدَت في وجهه… لما اشتكى من الحظ العاثر… قلت له: إن الذين يملكون الحق -قَدَرًا- في اتخاذ القرار… هم وحدهم من يملكون إصدار الأحكام على خلق الله… إنهم يعرفونك أكثر من نفسك… يعلمون أنك لا تصلح لخدمة هذا الوطن، إلا كعون سلطة، في آخر الصف… يعلمون أنك من طينة لا ترقى لتكون “شيخًا حضريًا”… لقد أقبروا من قبل حقك في أن تكون أحسن من ذلك… لكنهم، هم وحدهم حماة المصلحة العامة… ويعلمون أكثر منك، ما تُسِرُّ وما تعلن… يعلمون أنك لا تنتمي لما يُسمى “بالرأسمال البشري” المعول عليه… أنت فقط رقم تستنشق حرقة الوطن في الصبح والعشي… ولا تشفع لك مؤهلاتك لتكون ابنًا بارًا لذئاب الأدغال…

دَرَّفَ دمعة ساخنة تحمل سخطًا بحجم الجحيم… وقال: أنا بالفعل لا أصلح لأكون لا “شيخًا حضريًا”، ولا “مقدمًا حضريًا”… ثم جمع ما تبقى من ذاته التي أَنهَكَها الانتظار على قارعة الطريق، لعل كبير القوم يستحيي إن كان فيه شيء من الحياء، ويوقع له صك الغفران ليلج خانة تضمن لصغاره قطرة زيت تبلل خبزهم الحافي… لكن السيد “جودو” بطل المسرحية العابثة للكاتب الإيرلندي صمويل بيكيت، لم يحضر… وترك فلاديمير وإستراجون في عبثهما الأبدي.

التقينا بعد حين… أخبرني أنه قدم استقالته من عمله كعون سلطة… وهام في ملكوت الله باحثًا عن لقمة عيش بدون تعليمات… ولا لقب… ولا مهام بثقل “حجرة مولاي بوعزة”… تخلص من زحمة المكان… ومن نظرات الشفقة التي يتابعه بها الموظفون والمسؤولون المباشرون، الذين لا يملكون سوى الحق في التحسر على فقدان هرم… لكنه بحجم قيد الأنملة في مخيال من يملك الحق في مراعاة المصلحة العامة والخاصة لتدبير ذلك المجال الترابي النائم على شاطئ بحر الظلمات… فزادته تلك الظلمات ظلمًا على ظلم…

انصرف سي محمد – قبل سنة – حاملاً صراخه الداخلي باحثًا، من يومه، عن لقمة عيش… أصبح مستخدمًا… يقوم رفقة الحفارين على مد أنبوب غاز… أصبح رقمًا ضمن لائحة يد عاملة، في مشروع لا صلة له بمؤهلاته العلمية، وكفاءته المهنية…

يوم الثلاثاء 9 دجنبر 2025 كان “عون السلطة السابق” في رحاب كلية الحقوق بالمحمدية في مواجهة لجنة علمية تضم خيرة المتخصصين في القانون العام والعلوم الإدارية والعلوم السياسية… المناسبة: مناقشة أطروحة لنيل شهادة الدكتوراه في العلوم السياسية حول “النخب البرلمانية”، أعدها سي محمد، تحت إشراف الدكتور محمد زين الدين… أطروحة خرجت من رحم المعاناة… أشادت اللجنة بجدية العمل المنجز… بالمستوى الرفيع الذي ناقش به الطالب الباحث (عون السلطة السابق) إشكالية أطروحته وفرضياتها… شهدت له اللجنة أن هذه الأطروحة غير مسبوقة… فكانت النتيجة: مشرف جدًا مع التوصية بالنشر…

انصرفت اللجنة إلى حال سبيلها… انصرف الأستاذ المشرف بدوره مزهوًا بالتنويهات التي انهالت عليه، وعلى طالبه من طرف أعضاء اللجنة… وانصرف الحضور بعد تقديم التهاني والتبريكات لـ(عون السلطة السابق)… لكن لا أحد يعلم أنه في صبيحة اليوم الموالي سيلتحق بالحفارين، ليواصلوا جميعًا رحلة حفر أنبوب الغاز الرابط بين المحمدية والمحطة المتواجدة بجماعة سيدي موسى بن علي…

ها أنت أصبحت دكتورًا -يا عون السلطة السابق- متخصصًا في قانون البرلمان… لكن القوانين الجاري بها العمل… والمصلحة العامة التي كان يرعاها من قلَّده الله شؤون ذلك المجال الترابي، لم تشفع لك بأن تصبح كما أصبح غيرك… ولا حتى “شيخًا حضريًا”… لكن الأكيد أن أمثالك من أبناء هذا الوطن… المخلصين لمقدساته وثوابته الجامعة، سيستمرون في خدمته… ولو كحفاري أنابيب غاز… أو حتى كحفاري قبور لموتى بدون هوية… المهم أن يكون العمل شريفًا… والدراهم المعدودة نقية نقاء ماء زمزم الطاهر…

لك مني ألف ألف تحية تقدير أخي سي محمد… ولكل عون سلطة يتفانى في خدمة الوطن.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

1
  • غريب
    الأربعاء 17 دجنبر 2025 - 07:52

    لقد صرنا غرباء في هذا الوطن، وأحلامنا كأحلام الدكتور سيمحمد تتكسر تباعا على شاطىء سوق الشغل، كأمواج يزداد هديرها مع ازدياد الشهادات العلمية المحصل عليها.
    لله ذرُّك يا أخي … ولهاذا الوطن العزاء لفقدانه كفاءات بحجم السماء ورجالا كهامات الجبال…

صوت وصورة
مؤتمر "التوحيد والإصلاح" الثامن
السبت 24 أكتوبر 2026 - 00:35 2

مؤتمر "التوحيد والإصلاح" الثامن

صوت وصورة
154 ألف حالة طلاق بالمغرب
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 21:00 16

154 ألف حالة طلاق بالمغرب

صوت وصورة
عبقري يكشف رؤية جديدة للشباب
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 20:30 6

عبقري يكشف رؤية جديدة للشباب

صوت وصورة
الأغلبية والمعارضة تناقشان عرض لقجع
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 18:32 4

الأغلبية والمعارضة تناقشان عرض لقجع

صوت وصورة
إصلاح الضريبة على الدخل
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 17:47 4

إصلاح الضريبة على الدخل

صوت وصورة
لقجع يوجه رسائل إلى المعارضة
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 16:02 8

لقجع يوجه رسائل إلى المعارضة