"غزو البلهاء"

"غزو البلهاء"
كاريكاتير: عماد السنوني
الخميس 5 ماي 2022 - 18:20

كانت جملة صادمة تلك التي تفوه بها أمبرتو إيكو سنة 2015 حول وسائل التواصل الاجتماعي؛ ففي رده على سؤال لصحافي أثناء تسلمه دكتوراه فخرية من إحدى الجامعات، قال السميولوجي الإيطالي المعروف: “تويتر وفيسبوك، وغيرهما، مواقع أصبحت تمنح حق الكلام لفيالق من الحمقى ممن كانوا يتكلمون في البارات فقط بعد تناول كأس من النبيذ، دون أن يتسببوا في أي ضرر للمجتمع، وكان يتم إسكاتهم فوراً. أما الآن فلهم الحق في الكلام مثلهم مثل من يحمل جائزة نوبل. إنه غزو البلهاء”.

هذه الجملة خلقت جدلا كبيرا في الأوساط الفكرية والسياسية في أوروبا التي رأت فيها نوعا من التعالي، على اعتبار أنه في المجتمعات الديمقراطية يحق للجميع أن يدلي بدلوه في أي نقاش عمومي. وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت في نهاية الأمر أداة يستعملها من لم تكن له إمكانية التعبير في الفضاءات العامة من قبل.

هذه القراءة لم تكن لتغيب عن إيكو الذي كان قد صرح لجريدة “إلموندو الإسبانية”، أياما قليلة قبل جملته الصادمة، بأن “كل من يقطن هذه الأرض له الحق في التعبير، بمن في ذلك الحمقى والبلهاء”.

النقاش المفتوح حول سطحية المنتوج الذي أصبحت تفرزه وسائل التواصل الاجتماعي لا يمكنه أن ينسينا أن الديمقراطية تتأسس على حوار لا حدود له بين كل فئات المجتمع. تفاهة المحتوى تكون آنذاك انعكاسا لهذا المجتمع أكثر مما هي أداة تقنن الحوار، تنظمه أو تساهم في تطوير آليات النقاش العام. من يلح على انتقاد ما آل إليه الخطاب السياسي أو الثقافي العمومي بسبب الأدوات الإلكترونية الحديثة يسقط في فخ خطاب نخبوي يعطي حق الكلام لدهاقنة المعبد فقط ويمنعه عن الآخرين، بالإضافة إلى إضاعة الوقت في نقاش بيزنطي لا فائدة ترجى منه. هذه الأدوات تسكن حاضرنا ولا شيء ينبئ بنهايتها في المستقبل القريب.

إذن، لمواجهة الإسفاف الطاغي في الشبكة العنكبوتية، يلزمنا أن نقرأ الظاهرة بشكل شمولي ومتكامل. إنها ظاهرة إعلامية أخرى ترسخ ما يعرفه أي دارس أو محترف في مجال التواصل: البلهاء هم سر نجاح أغلب وسائل الإعلام. من يستمتع بالتفاهة هي الأغلبية العظمى في كل المجتمعات. زد على ذلك أننا في زمن تم فيه إلغاء دور الوسيط الذي كان من مهام الصحافي أو الناشر. النقاش العام لم يعد بالإمكان التحكم فيه كما كان قبل سيطرة عالم الويب. إننا في حرب ضروس وفي ساحة وغى مفتوحة وبدون أي قواعد ضابطة.

منذ أكثر من أربعين سنة خلت، نشر أمبرتو إيكو كتابا عن مايك بونجورنو، نجم تلفزيوني بقناة “الرأي” ثم بقنوات “ميدياسيت”، لصاحبها بيرلوسكوني، وشرح عبره سبب نجاح البرامج التافهة، حيث أوضح أن المشاهد يحس بأهميته حينما تقدم له التلفزة نماذج سطحية: “إذا كان العالم هو ما نعرضه لك، فأنت أفضل”. من هنا فإن محدودية نجاح البرامج الثقافية، مثلا، تنبع من كونها تبدو للمتلقي العادي كبرامج موجهة للنخبة ولا تهمه في شيء.

القياس نفسه يجب استعماله مع وسائل التواصل الاجتماعي. التفاهة تجد لها صدى أكبر لدى الأغلبية العظمى، ولكن هذا لا يعني أي شيء. الاستماع للجميع هو ظاهرة صحية لفهم توجهات المجتمع، ومنها الانطلاق نحو بناء أفضل للمضادات الحيوية التي تحصن ضد كل أنواع الرداءة الممكنة.

أول مضاد حيوي يجب الاستثمار فيه لخلق مواطن له القدرة على تمييز الغث من السمين، هو المدرسة، ثم الإعلام الجاد، بإعطائه الإمكانيات المادية والبشرية الكافية للحفاظ على مصداقية تنعدم بشكل عام في عالم التواصل الاجتماعي. التضييق على الإعلاميين الجادين كما يحصل في بلادنا ستكون له انعكاسات وخيمة إذا لم يتم تدارك الموقف في أقرب وقت.

الحرب ضد التفاهة لا تكون بخطابات إقصائية أو نخبوية، ولا بترك المجال فارغا يبيض فيه ويصفر كل من هب ودب، بل بمواجهة واقع جديد تغيرت فيه كثير من المفاهيم؛ أولها أن النقاش العام لم يعد مقتصرا على مجموعة معينة، ولا أحد يمكنه اليوم أن يكون وصيا على كلام الناس، بمن فيهم المجانين والبلهاء. كلما أسرعنا في فهم هذه التحولات، أمكننا الانطلاق في خلق بدائل واقعية وقابلة للتطبيق. ما عدا ذلك، فهو مضيعة للوقت.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

18
  • محمد ريان
    الخميس 5 ماي 2022 - 18:24

    الهاتف يبقى ذكيا حتى يقع في يد غبي فيصبح بليدا.

  • الرباطي
    الخميس 5 ماي 2022 - 18:46

    كان حق التعبير عند ” النخبة ” و في اغلبية الاحيان النخبة من طبقة معينة من المجتمع حتى اغبياء النخبة كانت تُفْرَضْ على المجتمع اليوم عبر كما تشاء لو عندك ذرة ذكاء ستنجح التكنولوجيا فرضت دمقرطة التعبير

  • ملاحظ
    الخميس 5 ماي 2022 - 19:02

    يخطئ كثيرون في جمع كلمة (أَبْلَه) وهو ضعيف العقل ومَنْ تغلب عليه الغفلة فيقولون: بُلَهَاء، وهذا غير صحيح؛ لأنَّه لم يُسْمَع عن العرب، وليس قياسيّاً، والصواب في جمع (أَبْلَه) هو (بُلْه) بضمِّ الباء وسكون اللام – كما في المعاجم اللغويَّة، فهكذا نطقت العرب –
    منقول

  • عالم غريب
    الخميس 5 ماي 2022 - 19:05

    اذا خذيناها من واحد المنظور انلقاو باللي عندو الحق. راه بصح وسائل التواصل كتخرج لينا شي ناس ماشي غير أغبياء. لدرجة كتغول واش حنا عايشين مع هاد النوع وكنتشاطرو معاهم الأوكسيجين؟ لا افكار لا بعد لا والو.الغباء المبين.

  • عينك ميزانك
    الخميس 5 ماي 2022 - 19:07

    من يتحكم في مواقع التواصل الاجتماعي يمكنه تمرير مخططاته داخل تلك الآراء حتى تظهر انها نابعة من المجتمع بالأمس كانت الجريدة تم التلفزيون فكبريات شركات الافلام و اليوم تويتر فيسبوك انستغرام تيكتوك و هلم جرى اناس تراكم المليارات من جيوب الحمقى.

  • م...
    الخميس 5 ماي 2022 - 19:11

    الى الرباطي ممتاز فيما قلت …التعبير ان تعبر على ما بداخل ❤️ قلبك باصدق ما عندك من مشاعر. … عبر بأي لغة ترتاح لها او اكتب بأي لغة تجد فيها راحة نفسك . مثل طفل لتجد حرية …… ال كالو ال على قلبي على لساني . .وكما قال غرس غرس …احنا عندنا غير شن طن … نيشان نيشان. وال كالو مول نية يربح….لايوجد لنا نية في نفش كلام وزخرفته هل هو لوحة فنية بعض فنانين في فن تشكيلي. كما قالت ترية جبران ….كول خرج مجمر وبلا فلسفة ….تفلسيف فيه يمكن لا ويمكن نعم …ال قالو ما يقتلك ما بحيك ..تجد لوحات عفوية وغير الوان مختلطة وممتزجة فيما بعضها البعض وتجدها معبرة عن المعنى والمغزى و الصدق لتصل واضحة بصورة حقيقية وليس فوطوكوبي ولا يهم مظاهر واجمل شيء هو بساطة في كل امور وليس التصنع ……. ان تغيرت من حال الى حال ستجد أنك منهار ………..ال قال خير الامور او سطها….. وان امكن عيش تا لهبال الترفيه عن النفس ….قال لك يرفع القلم عن ثلاث عن طفل الصغير لانه ملاك …وعن نائم حتى يستفيق….وعن مجنون حتى يستعيد وعيه …

  • رشيد41
    الخميس 5 ماي 2022 - 19:25

    كلام صحيح مع الأسف، و حتى البلهاء سيجدونه كذلك، طبعا دون أن يشعروا بأي أسف أو حتى يفهموا معناه.

  • omar
    الخميس 5 ماي 2022 - 19:58

    <> كيف لعالم و مثقف أن يناقش مع مراهق و هو على يقين من أنه يفهم في كل شيئ. هذا يدفع بعض المثقفين و المختصين لخلق مجموعات مغلقة . هذا يزيد من انواء المثفين في زوايا ضيقة و يتركون الجاهلين تحت الأضواء يوجهون المجتمع بل يؤثرون على الحكومات و قد تبين لنا كيف نجح رواد الفاسبوك في ثورات الربيع العربي. يجب حدف المواقع التافهة كما يحدف غوغل قنوات أنصار القضية الفلسطينة لما يعجز السب و الشتم من المعلقين في إبعاد المشاركين في تلك القنوات.

  • سين
    الخميس 5 ماي 2022 - 20:03

    أن يفصح الإنسان عن آرائه بكل حرية وبأية لغة شاء ، لهو أمر محمود. لكن ان يعطي لنفسه حق الوصاية على الآخرين أو يكرههم على اتباع أيديولوجية أو دين ما … ويرفق ذلك بالسباب والعنف اللفضي فهذا ليس مسفا وأبلها بل إرهابي .ومن هنا وجب معاقبه قانونيا كما هو الشأن في المشروع الرقمي الأوروبي الذي رأى النور قبل شهرتقريبا .تحياتي

  • بشير
    الخميس 5 ماي 2022 - 20:07

    في الاسلام …المبدء هو…ان يقول الشخص قولا حسنا او يصمت…حسن مشي زوين…او مصطنع او رثاء او او بل حسن…فحال حسن و حسن جدا…! يعني شي حاجة التي تفيد و في اي مجال وتصفق عليها. الان اصبحنا نسمع حتى القطط و الكلاب …تتكلم….

  • citoyen
    الخميس 5 ماي 2022 - 20:54

    Accéder à internet c’est comme visiter une gigantesque ville touristique où chacun peut trouver ce qu’il cherche: des monuments historiques à la gastronomie et au mode de vie des
    gens jusqu’aux quartiers dits chauds et pleins de divertissements où le touriste (surfeur) peut se perdre avec délectation

  • رشيد41
    الخميس 5 ماي 2022 - 22:08

    الذباب بطبيعته أبله. البشري طبعا. والذين يجتمعون و يحاولون أن يصنعوا على طريقتهم هذا النوع من الذباب، فلأنه من مصلحتهم أن ينشروا ثقافة البله ولتكثر أعداد البلهاء. ولكي يطول أمد وزمن نهبهم لأموال الشعب بالباطل طبعا، و لتذهب محاسبتهم عن فسادهم في المجرى الجارف لعدم الإختصاص، و يغطي هديره الطاغي سماع أي دعوى تهدد حاضرهم ومستقبلهم. حتى أصبحوا هم كذلك من البلهاء بل أكابرهم. فهذا زمن الرداءة. رغم أموالهم الفاحشة التي جمعوها بغير حق وكدسوها تكديسا، لن يستطيعوا شراء شيء بها ليستمتعوا به إلا الرداءة. ولن تتذوق حواسهم من شيء في حقيقته وواقعه جميل إلا الرداءة. فطوبى لمن لا يزالون يشعرون بالأسف من زمن الرداءة.

  • hrou wazzag
    الجمعة 6 ماي 2022 - 00:08

    بفضل تكنولوجيا الهاتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي بعث فينا جيل البلداء والمجانين الذين لا يستطيعون التفوه بكلمة وسط أفراد المجتمع ليتخذوا هذا الحائط للتعبير عن جنونهم لأنهم فقط يعرفون استخدام هذه الوسائل.

  • عقلاء لا بلهاء
    الجمعة 6 ماي 2022 - 11:35

    بالعكس فمواقع التواصل الاجتماعي بالمغرب مملوؤة بالعقلاء والمنظرين فلو تجولت مواقع العالم لن تجد عالما او سياسيا ك أمهم نعيمة ويامنة و..أو عالمات النفس السلوكي والاخلاقي ك روتيني اليومي أو علماء الاجرام كالمشرملين أو علماء السياسة والعلوم الاستراتيجية ك إكنوان او عالم البيئة كعلال القادوس وغيرهم كثير.
    هنيئا لمن وافتهم المنية قبل أن يحضروا حال المغرب الان فهم على الاقل احتفظوا بصورته الأصيلة.

  • لطف الله الناصري
    الجمعة 6 ماي 2022 - 17:36

    La démocratie veut tout un chacun ait droit à l’expression. La concurrence et la comparaison tamisent toutes les participations, rejettent les simples d’esprit et
    .sélectionnent les plus utiles. Cela se remarque facilement dans tous les débats d’idées.

  • فريد
    الأحد 8 ماي 2022 - 06:15

    “غزو البلهاء”:ولكننا في ساعة إسترخاء نكون جميعا بلهاء،نتصرف بعفوية،دون تفكير،أما الأبله الذي يستغل البلهاء للربح فهو مُحتال.لست مجبرا على متابعة من أصفهم بالبلهاء وإمكانية الإختيار هو القوة الضاربة للويب،وإذا كان الويب المغربي يُنتج التفاهة فالعيب ليس في المنصة التي تتيح ذلك،بل العيب في المجتمع بمدرسته الذي يُنتج متتبعو ذلك،وقد تصاب بالحمق عندما تتسائل لماذا هناك الملايين تتبع “مي فاطْمة” وغيرها الذين أو اللواتي لاينشرون أي شيء يستحق الإهتمام،ولكنه واقعنا:أناس يعيشون في المدن ولكن جدورهم “عروبية” حد الثخامة،ويكفيهم مشاهدة “شيخة” ترقص لينسوا أمهم وأبوهم ليطلقوا العنان للغريزة،ربما التعليم هو المسؤول عن هذا،ولكن إذا كانت الدولة لا تعير أي إهتمام لهذا القطاع فمالعمل؟

  • Yesterday
    الأحد 8 ماي 2022 - 08:43

    .اين التربية؟
    الكاتب اشار الى ان الحل لماكينة تفريخ البله يكمن في التعليم والاعلام. صحيح ولكن قبلهما التربية، البيت، الاسرة. تلك السنوات الاولى الحساسة في تكوين الشخصية. يقول المثل الشعبي بحكمة رائعة: من الخيمة خرج اعوج. يجب اولا اصلاح حال الاسرة المغربية التي اضاعت البوصلة والقيم واصبحت مفككة

  • فؤاد ش
    الأربعاء 11 ماي 2022 - 08:39

    انهيار التعليم هو سبب انتشار التفاهة و الغباء في كل مكان ، و ما وساءل التواصل الا مرآة لحال المجتمع.
    المدرسة تعرضت في العقود الاخيرة لهجوم ممنهج من طرف النخب الحاكمة في معظم بقاع العالم (و ان بدرجات مختلفة بين الدول المتقدمة و الدول النامية). هذا الهجوم كان الهدف منه منع الناس من الوعي المعرفة الحقيقية و تحييد قدراتهم التحليلية لكي يتسنى التحكم فيهم بسهولة كالقطعان .. و دفعهم الى اي انجاه ترغب فيه النخب الحاكمة (بما فيها رؤوس الأموال).
    ليس صدفة ان معظم الدول اصبحت اليوم “تناقش مشكلة التعليم و اصلاحه” سواء في فرنسا في أمريكا في مصر او المغرب … و هو نقاش مفتعل لمشكل تمت هندسته عن سبق اصرار و ترصد و يراد له ان يستمر هكدا.
    الحل لن يكون الا بتحرك الشعب لاجبار الحكومات على اصلاح حدري و حقيقي للتعليم و اعتباره اولى الاولويات ، اولى من الخبز .. و لكن مثل هذا التحرك هو حلم بعيد المنال.

صوت وصورة
"بنك أوف أفريكا" يحقق حلم سلمى
الخميس 24 شتنبر 2026 - 09:00

"بنك أوف أفريكا" يحقق حلم سلمى

صوت وصورة
وزير الداخلية يعلن نتائج الانتخابات
الخميس 24 شتنبر 2026 - 03:31 4

وزير الداخلية يعلن نتائج الانتخابات

صوت وصورة
النتائج  في دائرتي فاس
الخميس 24 شتنبر 2026 - 03:25

النتائج في دائرتي فاس

صوت وصورة
الفرز الانتخابي في الجديدة
الخميس 24 شتنبر 2026 - 02:27

الفرز الانتخابي في الجديدة

صوت وصورة
شوكي: النتائج تخلف الارتياح
الخميس 24 شتنبر 2026 - 00:24 2

شوكي: النتائج تخلف الارتياح

صوت وصورة
النتائج المؤقتة في بني ملال
الخميس 24 شتنبر 2026 - 00:02

النتائج المؤقتة في بني ملال