فارس الكلمة والقضية يُودعّنا

فارس الكلمة والقضية يُودعّنا
الإثنين 11 غشت 2008 - 22:03

في حمأة الصيف، اختار القدر فارس الكلمة الشعرية، وشاعر القضية الفلسطينية بامتياز، فهو المعروف بضعفه أمام حرارة الصيف، والعاشق لفصل الشتاء.

تترنح الذكريات ، ويأخذك الماضي بأسره إلى معانقة حلم فتى البروة، وعاشق فلسطين،وأسير الشعر والقصيدة، ورجل المواقف  والمناضل المدادي، والصوت الجهوري، سليل شعرية مسافتها تمتد إلى غابر الزمن، والحفيد الأصغر للمتنبي، حيث أغرم بفضاءات شعريته وحكمة معانيه؛ فتبنى سجع منطقه، وغرّد أحلى الأغاني، فقاوم عُسر الأسر والاعتقال، وراح يفتش عن  مختبر آخر، يخترع فيه الكلم، ويركب أبدع الصور الشعرية، فاستلهمته “أوراق الزيتون”، وأخرج من “أحمد الزعتر“، ماء ا جديدا للشعر، وأعلن عن تمرده على القديم ولو كان شعره، فهو العاشق للحداثة في انسياب إيقاعها، وترنم أوزانها، معلنا انزياحه، عن الستة عشر وزنا، رافعا عباءة المزج،  و باحثا عن لون يتفرد به في كل إبداع، وفي الحقول والأشجار، يجد ضالته، فبين أحضانها تربى وترعرع، وفي شطآن الطفولة، بُصمت الحياة، وتقلبات الزمن الفلسطيني، و سنوات” السياحة المؤقتة“.

   حب الوطن، وجلباب الأبوة، وحضن الأمومة، علمته كيف يبعث من رماده كالفينق، فيجيش المشاعر ويلهبها؛ لترفع البندقية، وتخرج غضبه الكامن في نفسية الفلسطيني المشرد عن أرضه، فينهض من نومه كحبيبته التي تستيقظ على جرح في النفس، وتطير العصافير، بأجنحة الحب، و يقول” أحبك أو لا أحبك”. وفي مديح الظل العالي”، يقف حائرا من عرب رموا صَبرا خلفهم، وينعى الطريقة التي ودعت بها فرسانها ورماتها، والذائذين عن جغرافيتها.

   وتستمر الحياة بقسوتها، معلنة عن مفاجئات الغربة والحنين والمنفى والأنين، وضياع الهوية، وصولة المحتل الغاشم، فلا يجد أبلغ من شهوة الانتماء، ويعلنها صراحة في بطاقة هوية”:” سجل… أنا عربي .. وأعمل مع رفاق الكدح في محجر وأطفالي ثمانية،  
اسلّ لهم رغيف الخبز والأثواب والدفتر من الصخر ولا أتوسل الصدقات من بابك ولا اصغر أمام بلاط أعتابك…… 
فهل تغضب…. سجل.. أنا عربي يعيش بفورة الغضب جذوري قبل ميلاد الزمان رست“.

فغنى بشعره المغنون، وأبكى المكلومين والمحزونين، وزرع في الروح الفلسطينية والعربية، كهربائية الثورة والغضب، و عشق الأرض والجبل، والقدس وهي تتربع عاصمة أبدية  لفلسطين. وحاول أن يرقى بالشعر إلى لحظة المساءلة الصعبة، الزمن والآخر المحتل، والظلم والقهر،  والسلطة المفقودة، التي سيّجت الوطن المزعوم في اتفاقية أوسلو، فصار على حد زعمه سجنا واعتقالا، ” نحن سجناء في وطننا“، لكن رغم كل ذلك فقد أحب الحياة، وهو في المقهى مع الجريدة، حيث عاش طقوسا وعادات أحبها،  وأعلن صراحة بأنه يعشق الحياة”إني أحب الحياة، بين الصنوبر والتين، لكن ما استطعت إليها سبيلا”.”، ويطالبها بأن تسير الهوينى، كي يتسنى له ملاحقة السنوات التي تقطفها السنون ” سيري ببطءٍ ، يا حياة، لكي أراك‏ بكامل النقصان حولي. كم نسيتك في خضمّك باحثاً عنّي وعنك. وكلّما أدركت سرّاً منك قلت بقسوةٍ: ما أجهلكْ!‏ قلْ للغياب: نقصتني وأنا حضرت … لأكملكْ!”.

  فلم يكن الشعر عنده متردم قول، ولا مكرور صور وألفاظ، ولا معلقات طبق الأصل، بل جعل دستوره التجديد، والتمرد على الماضي الشعري، ولو كان في ملكه، وتوظيف الأسطورة والتاريخ، فأبدع” جدارياته”، وعلق فيها سوانحه ، وأطلق العنان لمخيلته وجوامحه، ليطير من جديد. وفي الطريق يعثر على نصفه الضائع، ولغزا قد حيره، فيدخل الطفولة  الضائعة، محمولا على جناح حمامة سلام بيضاء. ويتذكر الألم العضال، والمرض الذي أخار قواه وحمله منطقه المميت، لكن يجد في الكلمات الغوامض سر الإشارة وجمالية العبارة، وسفر الاستعارات، وجمالية التشكيل، ويرحل مع قصيدة خضراء، فيتسلق أفنان أشجار الكلمات الخضراوية، وأوراق المعاني المكتشفة ، في شعرية أخرى، وحب ينتظره، وقد لا يستطيع دخوله، لأن الزمن ينتظره،

 “أَيُّها  الزَمَنُ السريعُ ! خَطَفْتَني مما تقولُ 
لي الحروفُ الغامضاتُ : 
الواقعيُّ هو الخياليُّ الأَكيدُ 
يا أيها الزَمَنُ الذي لم ينتظِرْ … 
لم يَنْتَظِرْ أَحداً تأخَّر عن ولادتِهِ “. وفي” أبعد من زهر اللوز”، دخل اليومي ، ولقمة العيش” وأنت تعد فطورك، فكّر بغيرك“.

لكن الحياة وتقلباتها علمته، أن لا يعتذر عما فعل، فالماضي ثابت لا يتغير، والمستقبل مجهول، والحاضر زئبقي المذاق، والحياة برمتها يحبها ويحياها، لكن قبل الموت المحتوم، يرفع عقيرته ” أنا لاعب النرد“، وفيها يسبر خبايا الذات، ويدخل حد التساؤل، ويلبس لغة الفلاسفة” مَنْ أَنا لأقول لكمْ، ما أقول لكم”. ويختم قائلا:

وَهْيَ ثنائيَّةٌ والختامِ الأُحاديّ:”

تحيا الحياة“.

وفي الموت يغيب درويش، لكن اللقاء يتجدد،  و تبقى الكلمات وسيطنا الدائم، مع فارس الكلمة والقضية.

رحمك الله يا درويش

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

5
  • the new waves
    الإثنين 11 غشت 2008 - 22:05

    حتى و إن رحلت عنا فقد تركت لنا من بعدك شعرا..
    حزن الكلمات عليك يا درويش
    أجول بين سطور شعرك
    أعود بسمعي لأرواد صوتك
    فأجدني بين البداية و النهاية
    تائها بين سطور شعرك
    و صوتك
    تكلمت بإسم حزن فلسطين
    ناطقا رسميا
    تكلمت بإسم كل المرحلين
    تكلت بإسم من مات فداء للوطن
    تكلمت..
    و اليوم متأكد أنك ستظل بشعرك بيننا تجول كلما سمعنا برصاصة إخترقت صدر صبي ..
    رحمك الله يا محمود درويش

  • نزار
    الإثنين 11 غشت 2008 - 22:11

    تعتبروفاة الشاعر العربي الفلسطيني الكبير محمود درويش خسارة كبرى للشعر العربي بل الانساني ..ينبض شعره بحب فلسطين وبعشقها..شعره حنين دائم الى الوطن و نداء ابدي للحرية والتحرر والانعتاق من الاحتلال.. رحم الله شاعرنا الكبير واسكنه فسيح جنانه.عزاؤنا واحد.

  • alla wah
    الإثنين 11 غشت 2008 - 22:13

    .( نزار قباني . فريد الأطرش . ،نعيمة سميح…. ) لقد جاهدوا في الله حق جهاده حتى اتاهم اليقين . صحافة العلمانيين

  • طلال الكزاوي
    الإثنين 11 غشت 2008 - 22:07

    رحمة الله على الشاعر العربى محمود درويش
    وانشاء الله تكون فلسطين محررة من الاستعمار الصليبى وتكون انت ايه الشاعر العظيم مبتسما لها وانت تراها مبتسمة

  • محمد الدنيا
    الإثنين 11 غشت 2008 - 22:09

    هل يعلم النعاة،
    أن دموعهم
    والنحيب،
    واللآهات
    لم تف بالرسالة؟

    وهل يدري الباكون أن
    النعي بالنعي،
    تراجع،
    بيد أن النعي بالشعر
    روح ويحان
    لساكنة دنيا القبور؟

    فيافارس الكلمات،
    لك ما اشتهيت
    من صدق وأمن وسعادة.
    ويا فارس الأقلام
    لك الكرامات والمكرومات.

    وياعاشقها فلسطين،
    لك عبير الطين
    كي تنتقي
    ما تشاء من أثاث
    الجنة.

صوت وصورة
تكرار إغلاق "دونور" يغضب الجماهير
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 13:00 3

تكرار إغلاق "دونور" يغضب الجماهير

صوت وصورة
"أونسا" تحارب أمراض النخيل
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 11:23

"أونسا" تحارب أمراض النخيل

صوت وصورة
مع أسطورة البرازيل كافو
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 09:15

مع أسطورة البرازيل كافو

صوت وصورة
مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 22:27

مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية

صوت وصورة
الابتكار لتعزيز صمود الواحات
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:41 1

الابتكار لتعزيز صمود الواحات

صوت وصورة
ملعب هسبريس | هشام الدكيك
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:00 2

ملعب هسبريس | هشام الدكيك