يتناول هذا المقال مسألة ذات أهمية في المجال السياسي وهي الآليات التي تستخدمها النخب السياسية، سواء المهيمنة أو التي تصطف في المعارضة، في تكوين الرأي العام تُجاه قضية معينة تستأثر بالاهتمام في المجال العام. نؤطر هذا النقاش من خلال عرض سريع للنظريات المعنية بهذه المسألة، قبل تقديم تحليل لبعض الحالات السياسية التي تم فيها توجيه الرأي العام نحو اتخاذ مواقف تخدم أجندات معينة.
قدم الفيلسوف الألماني هابرماس تحديدا مؤسِّسا لمفهوم المجال العام في دراسة لهذا المجال في القرن السابع والثامن عشر في فرنسا وإنجلترا وألمانيا، وتَجسد هذا المجال، حسب هذه النظرية، في مؤسسات اجتماعية كانت موجودة في هذه الفترة التاريخية، نذكر منها المجلات والصحف، والمقاهي والصالونات ونوادي القراءة. وكانت هذه الفضاءات مجالا عاما للنقاش العقلاني لقضايا عامة، وشكلت بذلك سلطة في مواجهة الدولة أدت مع مرور الوقت إلى ظهور الديمقراطية التمثيلية في أوروبا.
وقد كانت الفعاليات المشاركة في النقاش للقضايا العامة تنتمي إلى الطبقة البورجوازية ومستقلة نوعا ما عن النخب السياسية المهيمنة. غير أن هيمنة هذه الطبقة في ما بعد على السلطة في إطار النظام الرأسمالي الليبرالي دفع بها إلى محاولة تكييف الرأي العام وإخفاء التناقضات، وبالتالي تغير المجال العام وأصبح مفتقدا إلى الاستقلالية، وأصبح خاضعا للسيادة والتوجيه والضغط، وأصبح الرأي العام تبعا لذلك موجها وأصبحت عملية تكوينه فبركة مضللة.
فالرأي العام يخضع في تكوينه عموما لآليات تحدثت عنها الباحثة الألمانية إليزابيت نيومان وحددتها معالمها من خلال علم النفس الاجتماعي، وقد سمت النظرية بـ “لولب الصمت”. ويمكن تلخيصها في المبادئ التالية:
– أن أغلب الناس يخافون العزلة الاجتماعية.
– ولذلك فإن معظم الناس يلاحظون باستمرار سلوكيات الناس الآخرين حتى يتعرفوا على الآراء التي تُقابل بالرفض وتلك التي تنعم بالقبول في المجال العام.
– يمارس الناس الضغط على الآخرين بتهديدهم بالعزلة عندما يعبرون عن امتعاضهم بطرق مختلفة من الآراء التي تكون مرفوضة في المجال العام.
-يخفي الناس آراءهم التي يعتقدون أنها مرفوضة في المجال العام حتى يتجنبوا العزلة، اجتماعية كانت أو سياسية.
– يعبر الناس عن آرائهم إذا شعروا بأن تلك الآراء مدعومة من طرف النخب المهيمنة ووسائل الإعلام.
– يتكون لولب الصمت بسبب التهديد المحتمل بالعزلة.
غير أن هذا لا يشمل كل الناس، فهناك فعاليات تُجاهر برأيها رغم وجود هذا التهديد بالعزلة، وهم من تسميهم الباحثة بـ “النواة الصلبة”. لكن يبقى هذا الوضع بالتهديد بالعزلة قائما بالنسبة لمعظم الناس. ونتيجة لذلك يتكون الرأي العام في المجال العام عبر الميكانزمات النفسية والاجتماعية والسياسية المذكورة.
غير أن التطورات التي شهدها العالم في بداية الألفية الثالثة غيّرت المشهد السياسي وطبيعة الآليات المستعملة والفعاليات المشاركة فيه، كتطور وسائل الإعلام وانتشار الاستعمال المكثف لمواقع التواصل الاجتماعي والإنترنيت عموما. ومع ذلك يبقى الرأي العام خاضعا، ولو بنسبة أقل، لضغوطات النخب السياسية وآلياتها التحكمية.
كما أن المجال العام أصبح أكثر اتساعا ليشمل حتى المجالات الافتراضية التي تعتبر أكثر تحررا من وسائل الإعلام التقليدية والنقاش السياسي المؤطر بالمؤسسات. بالإضافة إلى أن مسألة الاستقلالية أصبحت موضع تساؤل لتضع نظرية هارماس في وضعية تحتاج إلى المراجعة، خصوصا عندما نغير السياق لنتحدث عن الرأي العام والمجال العام في الدول النامية التي مازالت فيها المسألة الديمقراطية تثير الكثير من النقاش والتساؤل.
يخضع المجال العام في المغرب لسيطرة واضحة من طرف الدولة، وخصوصا على وسائل الإعلام التقليدية كالراديو والتلفزيون والجرائد وحتى المنتديات العامة التي تناقش فيها المسائل التي تهم الشأن العام. لكن بعد الربيع العربي استشعرت الدولة والنخب السياسية المشاركة في العملية السياسية أن مواقع التواصل الاجتماعي تُؤثر في تكون الرأي العام، وتُشكل بذلك مجالا عاما بديلا عن المجال العام التقليدي المُتحكم فيه بطريقة مريحة.
وتبعا لهذا الوعي بأهمية هذه المواقع في المشهد السياسي، عملت النخب السياسية على محاولة احتواء هذا الفضاء البديل لتوجيهه على الأقل حتى لا يؤثر بطريقة فاعلة على الرأي العام والقرار السياسي. فأصبح لهذه النخب حضور ملحوظ، واختلطت الأوراق من جديد، وأصبحت الحرية المفترضة في هذه المواقع موضع تساؤل. وقد كشف هذا الحضور على قدرة النظام على التأقلم مع الأوضاع الجديدة واستعمالها لتثبيت ركائزه الإيديولوجية.
فحتى في عالم افتراضي حيث من المفترض أن التواصل والنقاش يخرج من دائرة السيادة والتحكم، أصبح التوجيه والتحكم الذي تحدثت عنه الباحثة الألمانية ملحوظا، وخصوصا في ما يتعلق بالمسائل الجوهرية، كالوحدة الترابية والإرهاب، التي تتمتع بإجماع وطني وتتدخل فيها الأجهزة الأمنية والقضائية في الحالات التي تخالف هذا الإجماع. غير أن هناك قضايا تناقش بحرية أكبر مع وجود توجيه خفي، سواء من داخل أو خارج العالم الافتراضي.
من بين القضايا التي استأثرت باهتمام الرأي العام نذكر قضية محسن فكري التي فجرت احتجاجا عاما بالمغرب بدعم واضح من مواقع التواصل الاجتماعي، وشكلت هذه الحالة مثالا جليا على قوة هذه المواقع على توجيه الرأي العام عبر الفضاء الافتراضي الذي أصبح يكتسي أهمية كمجال عام بديل. وقد كان لهذا الحدث تأثير نفسي كبير استغلته القوى المعارضة للحكم لتوجيه انتقادات للدولة وتحميلها المسؤولية فيما وقع. وقد عملت الدولة على امتصاص هذه الانتقادات لقدرتها على تشكيل رأي عام مخالف للرواية الرسمية؛ وذلك بإجراءات قانونية وسياسية وإعلامية حتى داخل الفضاء الافتراضي.
غير أن قضية أخرى تسجل بكل وضوح الحضور القوي لميكانيزمات التحكم في الرأي العام، وهي قضية تصريحات شباط ضد الوحدة الترابية لموريتانيا. مباشرة بعد هذه التصريحات، انطلقت البلاغات الاستنكارية من كل الفعاليات السياسية، بما فيها النخب المتحكمة في المشهد السياسي، الأمر الذي قلل من التعاطف مع تصريحات شباط حتى في الفضاء الافتراضي، وعزل كل المؤيدين سياسيا وعم الصمت السياسي تجاه هذه القضية، وبقي شباط وحيدا يندب حظه السيئ؛ حيث من المحتمل أن يكون الثمن السياسي لتلك التصريحات باهظا، على خلفية رأي عام معارض لها بقوة.
تبقى الأمثلة الأخرى التي قد يجدها القارئ في وضع وسط بين هاتين الحالتين؛ حيث التدخل والتوجيه يخضعان لسلطة تقديرية للنخب المهيمنة على المشهد السياسي في ما إذا كان للرأي العام المشكل على المواقع الاجتماعية أي تأثير حقيقي على الواقع السياسي. الكل يتذكر الحملة التي قادتها الفعاليات السياسية على “فيسبوك” ضد تقاعد البرلمانيين، والتي لم تجد صدى يذكر لدى النخب السياسية، حتى تلك التي كانت تصطف في للمعارضة. لكن في المقابل نجحت الحملة ضد “الكريساج” نوعا ما لتجاوب قوات الأمن معها.
قد يكون فشل الحملة الأولى راجع بالأساس إلى عدم اهتمام المواطن العادي بالموضوع، وتحالف معظم الأحزاب ضدها، لتبقى قضية سياسية تحتاج إلى مزيد من الوعي والتعبئة. وقد يكون نجاح الحملة الثانية راجع إلى انخراط الجميع فيها بغض النظر عن الانتماء السياسي، ونظرا لكونها مسألة اجتماعية تمس الجميع، وقد تشكل رأي عام مساند من طرف رواد الفضاء الافتراضي والمواطنين العاديين على السواء؛ لذلك كان لزاما على الدولة أن تستجيب لهذا الرأي العام الذي تشكل في المجال العام دون تردد حتى تحتوي هذا النوع من الاحتجاج الاجتماعي.
يبقى الرأي العام خاضعا للتحكم والاحتواء، وربما هذا قدره في الوضع الحالي، في انتظار بروز مساندة للمجال العام البديل من طرف الصحف والمثقفين والتيارات السياسية البديلة. وحتى يتغير الوضع، أترككم مع هذا المشهد في انتظار فصل جديد.
كما هو معلوم ففي جميع الدول التي تفرض انظمتها الوصاية على الشعب, تطغى الاشاعة على المعلومة, كما يطغى العرف على القانون; و تبقى الايذيولوجية السائدة هي الاطار الاسمى لحماية العرف و ترويج الاشاعة.
اضافة الى الاعلام يقوم جهاز حماية الايذيولوجية السائدة بمحاربة كل الافكار "المغردة خارج السرب", بطرق شتى لا تخفى على كل ذي فطنة.
في فرنسا مثلا زرعت اجهزة الامن كاميرات لمراقبة كل من يقصد مكتبة معروف على روادها تبعيتهم للفوضوية الباكونينية; و قد كتبت le monde عن ذلك بعد انكشاف امر تلك الاجهزة المتجسسة, دون ان يتهم احد الجريدة و لا الفوضويين بالخروج عن الاجماع; لسبب وحيد ان الديموقراطية و الاجماع خطان متوازيان لا يلتقيان.
الاجماع يختلف عن وحدة الهدف الذي تتوق اليه دولة معينة, والذي يتم تحقيقه عبر استراتيجية الدولة التي تنهج من اجل ذلك الثابت و المتحرك من التكتيكات المختلفة.
اما الدفاع عن الاجماع هكذا فيخفي وراءه مصالح فئوية لا تخدم الوطن في شيء; بل و يظهر زيف ذلك الاجماع عند ابسط ازمة.
فتح الفضاء العمومي امام الافكار المختلفة (و ليس النزوات الذهنية كما هو الشان حاليا) سيكون انفع للوطن.
تحليل رائع ..تحية خاصة لك استاذي
مقال جميل في شقه الشكلاني . اما فيما يتعلق بالشق المتعلق بالمحتوى . فاريد ان اشجل بعض التدخلات التي هي تارة .تصحح المقال . وتارة اخرى تغنيه . تخلاتي ستكون عبارة عن اضافات بلغة سوسيولوجية.
مايجري في الطبقات الدنيا للمجال الخاص يعيق ما ينبغي ان يكون . باختصار يجب تخليصه من الرواسب الكولونيالية.
السوسيولوجية هي معرفة نضالية من داخل ادوات ومفاهيم ومعارف السوسيولوجيا نفسها. وهذا هو عمل المعلمين الكبار.
في ما يخص الكيفية التي من خلالها نتعرف على المجال العام . يجب اولا جعل الميدان عيادةمعرفية. لانتاج مقاربات عميقة المبنى وعميقة المعنى. وتقديم الدليل تلو الاخر.. والانشغال بالشق الاجتماعي الى حد الامتلائ.
النظرية الرصينة تولد من رحم السوسيولوجيا. "تضاريس المشهد المجتمعي "وحسب بول باسكون الذي يقول بالحرف . "المعرفة جعلت من اجل التغيير"- تغيير المجال العام .
وفي الاخير استحضر قول احد الفلاسفة المنظرين . الدي يقول ان السياسة هي ان تصمت اكثر. العمل دون كلام. انشري هيسبريس