فكر التبخيس

فكر التبخيس
الثلاثاء 24 دجنبر 2024 - 13:32

لا أحد ينكر التطورات التي عرفتها البشرية علميا وتقنيا، لا يمكن تجاهل التطور الذي مس مناحي الحياة، الفردية والجماعية، والآمال المعلقة على المزيد من الإنجازات العلمية والمعرفية، التي بها تتحقق سعادة البشر، فتطور أعمارهم وتتقلص مخاوفهم مما كان يصيبهم من أمراض وعلل.

لكل هذا، تدين البشرية للذين أنجزوا هذه المعارف والعلوم بحياتها ورفاهيتها وعمق نظرها للوجود والحياة، بما تعرفه من استقرار وحب وديمقراطية وسعادة.

لكن في المقابل، هناك فكر يحاول تبخيس الفكر والحضارة والمعارف، بنشر التفاهات والسذاجة العامة، واختزال الحياة في ما يشبع ويغني ليتفوق البعض على بعض، أفراد ومجتمعات وحتى حضارات، فلماذا يحدث ذلك وما هي الغاية منه وبأية آليات يمارس هذا الفعل؟؟؟

1- المعرفة النافعة:

مفادها أن للمعارف والعلوم غايات نافعة للأفراد والجماعات، ولا ضير من ذلك، ولا يجوز التنكر لهذه الحقيقة، لكنها تتجاوز ذلك لتهميش كل معرفة لا تحقق نفعا لصاحبها عمليا، وهكذا خاصم الفرد تحت هذا التأثير، ما يعتبر فنا أو متعة روحية، وصار باحثا عما به يستريح من تعبه بدون أن يطاله منه على مستوى الوعي، أية حصيلة.

بل حتى هذه الإنتاجات تم تسليعها لتصير لها مداخيل يتبارى حولها منتجوها، طمعا في ما يرونه حقا لتعبهم، مقابل امتثالهم لشروط غير مصرح بها، يدركونها ويحاولون تجسيدها بفنهم الروحي أو الأدبي، قابلين بكون ما يبدعون، مجرد متعة استراحة ينسى بمجرد الانتهاء منه.

القيم غدت وفق هذا المنطق اجتماعية وفق توافقات عامة، محكومة بقوانين بالضرورة، ما عداها اختيار شخصي، صاحبه مثالي أو رومنسي حالم، بما كان ولم يعد مقبولا، ليكون الشخص هو ما يرضيه حاجة وأمنيات، هنا تم تبخيس الصداقات مثلا وحلت محلها الزمالة أو الجورة أو حتى الرفقة المؤقتة.

الفرد داخل الجماعة اضطرارا لا اختيارا، هو فيها امتثالا لبناء مجتمعي رافض للعزلة، لكنه قابل للفردانية ومدافع عنها، قانونا واجتماعا، مثله المتعالية على المصالح، تعنيه وحده حقيقة أو حلما، ليس من حقه فرضها على غيره، ولا حتى جعلها موضوعا للتفكير إلا سياسة، حيث تتلاحم الطموحات لتصير مؤثرة وفاعلة في السلطة أو متفاعلة معها.

الحرية هي اختيار النافع وما له مردودية، والحصيلة هي ما يكسب الفرد مكانته واعتباره الشخصي، فلا داعي لأن يقتنع بمؤهلات لا تؤهله للتميز والارتقاء، إلا بشروط ما يحتاجه غيره من حاجيات ملحة، بهذا الاختيار يرسخ وجوده ويفرضه.

فما لا يستغنى عنه هو الضرورة، محققوها أهم من غيرهم، أما ما اعتبروه متعا روحية أدبية وفنية، فمحصور وجودها ومشروط بما تقدمه لهذا الفكر من امتيازات ليروج ويهيمن داخل المجتمعات والحضارات والخطابات.

2- الاستهلاك كعادة:

خلق حاجات جديدة، ليس رهانا اقتصاديا فقط، بل هو دافع لإنتاج المطلوب ولو كان مجرد كذب مروج لقيم الجدة والانتماء للعصر، تجنبا لأية غرابة، تبدو شذوذا عن المعتاد والسائد، هكذا توقفت مجلات عن الصدور وأقفلت دور نشر معلنة إفلاسها، وغيرت قنوات تلفزية عاداتها وتوجهها، والباقي منها مستمر بتضحيات العاملين والداعمين.

هذه المعركة خانقة لكل مشروع رافض للتسليع والتسطيح والسذاجة العامة، القائمة على ترويج الإشاعات وإشباع الباحثين عن ذواتهم تواصلا واستعراضا لأجسادهم ونكتهم وحكاياتهم التافهة، وقد سمحت تقنيات التواصل بذلك ودعمته بتطبيقات للتعارف وعرض كل مطلوب ومرغوب فيه، مهما كانت بساطته ومبالغته ككذب وترفيه تافه ومضر بالزمن الذي يهدره، نكاية بالغايات المعرفية وحتى الثقافية.

لقد خلق لغة خاصة به وآليات مخترقة لكل الحدود، لغة قائمة على الإثارة والإغواء، تكاد تخلو من أية فكرة، أي مجهود ذهني اللهم بعض الحسابات واللعب المدلس والمغرية لطفولة متأخرة، انبعثت معها ذكريات كامنة منتقمة من حرمان سابق، إنه انتقام زمني مما بقي عالقا في الذوات المحتفية بوجودها المهدد بفكر يتطلب مجهودا أو تعلما.

3- التبسيط حد الابتذال:

هناك آليات بيداغوجية ومنهجية، تجعل المعقد مفهوما بدون إسفاف، وهو ما يمكن نعته باللغة الثالثة، حيث تحفظ أهمية الفكرة مع إفهامها بما يناسب قدرات المتلقين من غير المختصين أو المهتمين.

لكن الهوس بالتبسيط اتخذ منحى مبالغا فيه، بدأ بالتدريج لينحدر للغة السباب والتحامل اللا محتمل، وهو آلية لها جاذبية، بحيث ينتبه لها كل عدواني، اعتاد لغة العنف اللفظي كشكل بطولي، أما يسميه المصريون “البلطجة” التعبيرية كبديل عن “البلطجة” الجسدية، مما دفع بأهل الفكر، إما لاعتزال المعتركات والحوارات بل حتى الخوض في القضايا العامة، لكن منهم من تحت تأثير العجز عن الصمت، حول لغته وفكره لمعترك، بسط به آليات التفكير إلى مجرد توصيفات اختصت بالإدانات الجارحة والمهينة للفكر نفسه.

وقد كانت هذه التجربة قديمة في تاريخ الأمم، بل حتى الشعر العربي، حيث عير الرجال بأمهاتهم وآبائهم وقبائلهم وحتى دياناتهم، وكانت هذه البذاءات بدوية في أصلها، ولما امتد التمدن، تراجعت ومع بدونة المدن عادت من جديد واستفحلت كبطولة معوضة لعمق النظر ومدنية الحوار الحضاري، والغريب أنها طالت حتى بعض الساسة، ممن تأخر ظهورهم عن زمن الحكمة والفكر، فوجدوا حقل الصراخ بطولة وشعبوية السب والشتيمة.

خلاصة:

يبدو أن الظاهرة حصيلة تغيرات مست نظام القيم والثقافة، وامتدت بامتداد الصمت عليها وعدم إدانتها، بغياب بدائل مطورة لما تراكم ثقافيا، فصارت كموضة سائدة في اللغة والسلوكات الفردية والجماعية، فظن محترفوها أنها حقيقة مرتبطة بتغير الذهنيات والأجيال، وسلموا بها كضرورة تاريخية، فرضها التقدم وإن كانت تشكل تخلفا وتراجعا عما كانه الناس، لغة وسلوكا وسياسة واجتماعا.

العودة للوحيش لا يمكن اعتبارها تقدما وضرورة، بل هو عجز الفكر وتكاسله على بناء شخصية متغيرة وقابلة لعصرها في تجاوزه للسابق عليه وليس مناقضته بما لا تقبل به القيم ولا سمو الفكر وعمقه وتعاليه عن المبتذل.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
"أونسا" تحارب أمراض النخيل
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 11:23

"أونسا" تحارب أمراض النخيل

صوت وصورة
مع أسطورة البرازيل كافو
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 09:15

مع أسطورة البرازيل كافو

صوت وصورة
مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 22:27

مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية

صوت وصورة
الابتكار لتعزيز صمود الواحات
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:41 1

الابتكار لتعزيز صمود الواحات

صوت وصورة
ملعب هسبريس | هشام الدكيك
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:00 2

ملعب هسبريس | هشام الدكيك

صوت وصورة
خطر الدفتيريا وحل التلقيح
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 20:00

خطر الدفتيريا وحل التلقيح