في رحيل بلخياط

في رحيل بلخياط
السبت 31 يناير 2026 - 20:58

«واعجبا لنفس الموت موئلها، والقبر منزلها»

في آخر ما تركه صوته بيننا لم يودعنا بلحن من لذة الدنيا، بل بنداء يوقظها. كأن الرجل اختار أن يجعل خاتمته في صميم المعنى لا في زينة الذكرى: تذكير صريح بأن المآل واحد، وأن المسافة بين النفس وقبرها أقصر مما تزينه المواعيد. واليوم اكتمل المشهد الذي كان ينشده: رحل عبد الهادي بلخياط يوم الجمعة 30 يناير 2026 عن عمر ناهز 86 سنة.

«يبيت الليالي في فكر الدنيا ويسهرها»

كان في زمن مضى من أصوات المغرب التي لا تمر خفيفة على الأذن، بل تستقر في الوجدان. غير أن ما يطول في السمع قد يقصر في الميزان، وما يلمع في العيون قد يخفت عند أول سؤال: ماذا بقي للقلب؟ لذلك يبدو هذا المقطع وهو يتلى بصوته كاعتراف نبيل: ليس الفن خصما للإيمان، ولكن الغفلة خصم للإنسان. وحين يضيق العمر يكتشف المرء أن أجمل ما في الموهبة أنها قد تصير نورا يهدي، وأن أسوأ ما فيها أن تصير ستارا يحجب.

«كم قاطع زمانه بالتسويف… يتمنى العود إذا رأت نفسه ما يذهلها»

التحول الذي عرفه في سنواته الأخيرة لم يكن انتقال مهنة، بل انقلاب وجهة. إنه درس يكتبه القلب حين يفهم أن التسويف ليس تأجيلا فحسب، بل إغلاق لفرصة التدارك. لذلك كانت كلماته الأخيرة أقرب إلى محاسبة رقيقة لا إلى سيرة مباهاة: من يرى نفسه على سعة من الوقت ينام في حضن الوهم، ومن يفيق على حقيقة النهاية يطلب النجاة ولو بكلمة. وما تداولته المقاطع عنه وهو ينشد هذا النص يوحي بأن الرجل كان يعلم أين يريد أن يستقر: في مقام التوبة لا في مقام الحنين.

«ثم يسوء عملها… ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها»

هذه ليست جملة للتهويل، بل ميزان للصدق. فحين جاءه الأجل لم يحمل معه إلا ما يليق بالإنسان: عمله، ونيته، ورجاؤه. وقد تواترت التغطيات أن وفاته كانت بالمستشفى العسكري بالرباط بعد صراع مع المرض.
هنا يتبدى الفرق بين شهرة تلمع ثم تخبو، وخشية تبقى وإن خفت الصوت. كأن العبارة تعيد ترتيب القلب: لا تغتر بما مضى، ولا تأمن مما بقي، واجعل لكل يوم توبته الصغيرة قبل أن تأتي التوبة الكبيرة التي لا وقت بعدها.

«لقد صاح بك الصائح… يكفي ما مضى من قبائح، فاقبل اليوم هذه النصائح»

في هذا النداء شيء من رفق الناصح وشيء من حزم الحقيقة. ومن يتأمل اختياره أن يجعل هذا النص آخر ما ينشد يدرك أنه أراد أن يورث جمهوره خلاصة لا أغنية: أن تتغير وظيفة الصوت من طرب يملأ المجلس إلى ذكر يملأ القلب. ليس كل وداع يحتاج خطابة، بعض الوداع يكفيه أن يقول للناس: لا تشمتوا بسقوط أحد، ولا تأمنوا طول الإمهال، وخافوا من أن يطول بكم الشرود حتى تداهمكم الصحوة متأخرة.

«آه لساعات شديدة الكربات»

هاهنا يتجرد الخبر من زخرفه: لحظة تترك فيها الأسباب أهلها، ويقف الإنسان وحيدا مع ما قدم. في تلك الساعة لا يطلب الراحل أن يمدح، بل أن يرحم. وقد ودعته الساحة المغربية بوصفه أحد أعمدة الأغنية، ثم ودعه محبوه بما هو أعظم: بالدعاء وبالاعتبار.

اللهم اجعل قبره روضة من رياض الجنة، واجعل آخر ما نطق به حجة له لا عليه، وبدل ضعفه قوة في رحمتك، واجعل لمن أحبه صبرا جميلا لا ييأس، وقلوبا إذا ذكرت الموت رقت، وإذا سمعت الموعظة انتفعت، وإذا فتحت لها أبواب الإنابة دخلت.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

4
  • amaghrabi
    الأحد 1 فبراير 2026 - 19:01

    نعم المرحوم عبد الهادي بلخياط كمطرب في شبابه وقوته ونعم عبد الهادي كتائب الى ربه وقضاء اواخر عمره في روحانيات عبادية واناشيد اسلامية بحيث اعطى لكل مرحلة حقها مرحلة الشباب مرحلة البحث عن تحقيق الذاتي بجميع الوسائل الممكنة ومرحلة الكهولة وهي مرحلة الضعف ومرحلة اعاجة الحسابات الخاطئة والرجوع الى طريق الله والابتعاد عن طيش الشباب ومغامرات الشباب التي تكون في كثير من الاحيان توبخ الضمير وتعتقد ان انه ارتكب ما لا يرضي ربنا رغم انه في اعتقادي عبد الهادي رحمه الله لم يقدم في مشواره الغاني ما يسخط ربنا

  • الأغنية العصرية
    الإثنين 2 فبراير 2026 - 14:20

    أقطاب الأغنية المغربية منذ الستينيات أفقدوا الإيقاع المغربي الغنائي نكهته وانساقوا في سباق محموم لتقليد الألحان والأغنية الشرقية. وقد كانت النتيجة أن هذه الأغنية “العصرية” لا ترتبط بأي جهة جغرافية من الوطن بل صنعت صنعا. وقد كان متزعم هذه الموجة أحمد البيضاوي الذي كان يغني بالفصحى في الوقت الذي كان فيه معظم المغاربة غير ملمين بهذه اللغة. النتيجة إذن استيلاب الإنسان المغربي الذي أبعد عن ألحانه وإيقاعاته الأصيلة ليتماهى مع الألحان الشرقية خصوصا مع ظهور الراديو وبعد ذلك التلفزة وينظر بعد ذلك نظرة دونية إلى فنه الأصيل الذي أصبح ينعت بالفن الشعبي، أما الأغنية الأمازيغية فأصبحت موضع ازدراء ولا تستحق السماع.

  • Lamya
    الثلاثاء 3 فبراير 2026 - 10:22

    الفنان الكبير عبد الهادي بلخياط, رحمه الله و أسكنه فسيح جناته, سيبقى حيا في وجداننا بأغانيه المغربية الخالدة سواءا العاطفية الراقية كأغنية “قطار الحياة” و “يا بنت الناس” و “آمحبوبي عاد الربيع”… أو أغاني وطنية كأغنية “عيد الصحرا” أو دينية كأغنية “يا حجاج مقام النبي” و قصيدة المنفرجة و الإنشاد الديني المغربي بعد اعتزاله
    هذا المزيج من الرقي في الأداء و الانضباط في الحضور هو ما يضمن له مكانا أبديا في ذاكرة الأجيال

  • مهاجر من ألمانيا
    الثلاثاء 3 فبراير 2026 - 11:30

    لقد اعتزل عبد الهادي بلخياط رحمه الله الأغنية العاطفية و اكتفى بالأغنية الدينية, رغم أن أغانيه العاطفية رائعة و راقية جدا, احترمت اعتزاله, رغم أن الأغنية العاطفية المغربية لا أعتبرها شخصيا بأنها ذنب ارتكبه و إنما إبداع إنساني رائع

صوت وصورة
مؤتمر "التوحيد والإصلاح" الثامن
السبت 24 أكتوبر 2026 - 00:35 2

مؤتمر "التوحيد والإصلاح" الثامن

صوت وصورة
154 ألف حالة طلاق بالمغرب
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 21:00 16

154 ألف حالة طلاق بالمغرب

صوت وصورة
عبقري يكشف رؤية جديدة للشباب
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 20:30 6

عبقري يكشف رؤية جديدة للشباب

صوت وصورة
الأغلبية والمعارضة تناقشان عرض لقجع
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 18:32 4

الأغلبية والمعارضة تناقشان عرض لقجع

صوت وصورة
إصلاح الضريبة على الدخل
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 17:47 4

إصلاح الضريبة على الدخل

صوت وصورة
لقجع يوجه رسائل إلى المعارضة
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 16:02 8

لقجع يوجه رسائل إلى المعارضة