قراءة الماضي من خلال الحاضر

قراءة الماضي من خلال الحاضر
الأربعاء 25 دجنبر 2024 - 23:54

لا شكّ أنّ الأمّة التي لا ماضيَ لها، أيضا لا حاضر ولا مستقبل لها، إذِ الماضي يشكّل أرْضيةً وبوْصلةً للأجيال، التي تَتوق لتحْسين وتصحيح مسارِها، مُستدركةً لما فاتها.

إنّه لا يمكن إقامة بناءٍ دون أرضية صحيحة وصلْبة، كما لا يمكن التّطلّع للمستقبل دون نقْدٍ ومعرفةٍ للذّات. نقول هذا ونحن نتصدّى لأولئك الحداثَوِيِّين، النّاعتين كلَّ محاولةِ نقْد لِما مضى بالماضَوِية، التي لا تغني ولا تسْمن من جوع، هؤلاء الذين ينْشطِرون عادةً إلى صِنفين: مُتديّنون يخْتفون وراء التّراث، مُسْتدلّين بالنّص “تلك أمّةٌ قد خلَت”، وآخرون علْمانيون عَبَثِيّون يتملّصون من كلّ ما مَضى.

لكن في كلْتا الحالتين، أي عنْد الانْصِياع لتوْصية السّلف، بعدم الخوْض فيما شَجَرَ بين الصّحابة مثلا، أو عدَم الاكْتِراث ونَقْد جذور ما نعْتقِدُه اليوم، هو ضرْبٌ من التّيه وتغْييبٍ للعقل، بحيث إنّنا وإِنْ لم نكن حاضرين في القرن الأوّل، الذي وُضعت فيه ركائز الحُكم، وأصول العقيدة ورُسِمت فيه حدودُ التَّفكير، يمكننا مع ذلك أن نُسافرَ في الوقت ونفْتح أعيُننا على ما راجَ في تلك الحقْبة الغابرة، وذلك عن طريق صَقْل كلِّ ما وصلنا من تراث، وعبْر كثيرٍ من التّحقيق والشّكّ المصْحوب بجَدَل، مُحاولين بذلك فكَّ بعض طلاسِم هذا الموروث، الذي يُسلِّم به الكثيرون كواقعٍ قد وقَع وفات، فهو لا يرتفع عندهم للأسف رغم أنّه طبَعَ عقْلَ الأمّة.

إنّنا لم نشْهد ما يُسمّى برَزيّة الخميس، ولا جَمْعَ سَقيفة بني ساعدة، وكذلك الأمرُ لم نحْظُر غديرَ خُمٍّ ولا يوم التّهديدِ بحَرْقِ الدّار… قَدَرُنا أنّنا فتحنا أعيُنَنا على رواياتٍ وأحاديث، مُرَصَّعةٍ بالقلْقَلَةِ والعَنْعنة التي يتهافت ويتجاذب حولها الأطراف الممثِّلة للعقل المسلم.

في خِضمّ هذه المُعْضِلة، وحيث إن التاريخ يكتُبه عادةً المنتصِر كما يقال، فإنَّ الكلَّ يدّعي ويزْعُم حَقّانِيَتَه، رغم أنّ الحقّ لا يكون إلاّ واحدا. الكلُّ يُبرِّر تصرّفاتِه من خلال فهْمِه للقرآن الكريم، والكلّ يدّعي حُبَّه لنبيِّ الإسلام وعِتْرتِه أي أهلَ بيتِه، لكنَّ حقيقة وواقِع النّاس من خلال تصرّفاتهم وأدَبِيّاتهم، للأسف يُؤسِّس للشّكّ في أدْنى تقْدير.

من أمثلة هذا التّجاذُب الضّاربِ في التّاريخ، حَرْب الأسماء التي ما زالت تدور رحاها بين المسلمين المُفْتَرضِ فيهم “أذِلّةٍ على المؤمنين أعِزّةٍ على الكافرين”؛ كما جاء وَصْفُهم في القرآن الحكيم.

نقول هذا وقد تناقلَت مؤخّرا وسائل التّواصل الاجتماعي، بالصّوت والصّورة بَدَلَ قال فلان وعنْ كذا، (تناقلَت) فعاليات افتتاح مسجدٍ جديد في مدينة إدْلِب بسوريا، سمّاهُ مؤسّسوه باسمِ والدتِهم الزّهراء، دون خلْفية أو مرْجعية طائفيّة! لكنّ الذي وقع للتّو هو أنَّ بعض الأهالي احتجُّوا على هذا الاسم، و”دَرْءًا للفِتْنة” كما قالوا تمّ اسْتِبدالُ الاسمِ من “الزّهراء” إلى “العِزّة للّه”.

وعليه، فإنّ مُحاولة فَهْم احْتِجاجِ الخوارج في القرن الأوّل بالآية “إنِ الحُكُمُ إلاّ للّه”، ربّما يشْرح لنا سببَ تسْمِية “العِزّة للّه” بدَلَ “الزّهراء”، ومهما يكن من حال، فإنّ كِلْتا التَّسْمِيتين مقبولتين لا شكّ؛ “الزّهْراء” لَقَب بنْت رسولنا صلّى الله عليه وآله وسلّم، كما أنّ “العِزّة للّه” هي مِن صَمِيم الدّين.

غيرَ أنَّ الذي يُثار بهذا الخُصوص، هو احْتِمالية “قوْلِ الحقِّ الذي يُراد به باطل”، حيث نتساءل بكلّ موضوعية وتجرّد: ما العيْب في تسْمية “الزّهراء”؟ أليست لقَباً من ألقاب فاطمة بنت النّبي محمّد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم؟ ثمّ ما علاقة اسمٍ عَلَم بالفِتْنة الرّاقِدة في عقول بعض النّاس؟ لِم هذه الحرب المُؤَجَّجة، حربُ الأسماء؟ أليس من الإنْصاف ومنَ الطّبيعي أن يُسمِّيَ المسلمون مساجدَهم ومؤسّساتِهم بأسماء أهلِ بيْتِ رسولِهم صلّى الله عليه وآلِه وسلّم، تماماً كما يُسمّونها بأسماء زوْجاتِه، وبأسماءِ الصّحابة والخلفاء والأمراء؟

إنّ ظاهرة الفُوبْيا من أسماء أهلِ بَيتِ رسولِ الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، قديمةٌ قِدَم الصّراعِ بين جَناحَيْ الأمّة الإسلامية، أي بين أهل السّنّة والجماعة من جهة والشّيعةِ من جهة أخرى، أو لِنَقُل بتدْقيق صراعُ النّواصِب مع أتْباعِ مدرسة أهلِ البيت، إذ يروي الحافظ البغدادي في كتابه “تلْخيص المُتشابه” في ترجمته لموسى بن عُلَيْ، يقول بِسَنَدِه عن عبد الرحمن المُقرئ، يقول: “إنّما سُمّيَ بموسى بن عُلَي، لأنه كان في زمان بني أميّة إذا سُمِّيَ المولود عَلِيّاً قتلوه”.

أمّا الإمام الحافظ أبو حاتم بن حِبّان في كتابه “الثِّقاة” الجزء السّابع، يقول: “كان أهل الشّامِ يجعلون كلَّ عَلِيٍّ عندهم عُلَيّاً، وذلك لبُغْضِهم عليّاً بن أبي طالب، ومِن أجلِه ما قيل لعَلي بن رباح عُلَيْ بن رباح؛ ولِمَسْلمةَ بن عَلي الخُشري مسْلمة بن عُلَيْ الخُشري.

كذلك ينْقُل شمس الدّين الذّهبي في كتابه “سِيَر أعلام النُّبلاء” في الجزء العاشر عن المدائِني أنّه أُدْخِلَ على المأْمون فحدّثَه بأحاديث عن عَليٍّ فلعَن بني أميّة، فقلتُ حدّثني المُثنّى بن عبد الله الأنصاري، قال “كنتُ بالشّام فجَعلتُ لا أسْمع عليّاً ولا حسَناً إنّما أسمع معاوية؛ يزيد والوليد، فمَرَرْتُ برَجُلٍ على بابِه؛ فقال “اسْقني يا حسَن”، فقلتُ أسَمَّيتَ حسَناً؟ فقال أولادي حسَنٌ وحُسيْن وجعفر؛ فإنّ أهلَ الشّام يُسمّون أولادَهم بأسماءِ خلفاءِ الله ثمّ يلْعنُ الرّجلُ ولَدَه ويشْتِمُه، قلتُ ضَنَنْتُكَ خيْرَ أهلِ الشام وإذا ليس في جهنّمَ شرٌّ منكَ؛ يعني أنّ هذا النّاصِبي سمّى أولادَه بأسماءِ أهل البيت؛ عليهم السلام؛ لكي يسْهُلَ عليه لعْنُهم.

بذلك ننتقل مِن مدينة إدْلب السّورية، إلى مدينة وجدة المغربية، المُتاخِمة للحدود الجزائرية والمُلقَّبة بمدينة المساجد، لتصدُّرِها المرْتبةَ الأولى في المغرب، كأوّلِ مدينةٍ تضمُّ أكبرَ عددٍ من المساجد بواقع 400 مسجد، كما احتلّت المرتبةَ الثّانيةَ في العالم؛ بعدَ مدينةِ إسْطنبول التّركية. بالرّجوعِ إلى قائمة أسماء المساجد فيها، المُعَدَّة من طرف المندوبية الإقليمية للشّؤون الإسلامية بعمالة وجدة انكاد لعام 1444، لا نجِد للأسف أيَّ ٱسْمٍ لأهلِ بيتِ رسولِنا صلىّ الله عليه وآله وسلّم، عَدَا ٱسْمُ “فاطمةُ أمُّ البنين”، التي يقْصِد بها المغاربة فاطمة بنت محمّد القُرَشِية الفِهْرية، التي وُلِدت حوالي عام 800م وتوفّيت 878م، مُؤسِّسة “جامع القَروِيّين” في مدينة فاس بالمغرب، والتي وهَبت كلَّ ما ورِثته من مال لاحْتضان طلبة العلم؛ وتغْطية مُستلزمات وتكاليف إقامتهم، ولذلك حسب المؤرّخين سُمّيت بأمِّ البنين.

لكن أوّلُ من حمَلَت لقَبَ “أمِّ البنين”، هي فَاطِمة بنتُ حُزَام الكِلَّابيَّة، زوجةُ أميرِ المؤمنينَ عليّ بن أبي طالب، حيث تزوَّجها بعد وفاةِ زوجتهِ فاطمةُ الزّهراء بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم؛ المُلَقّبة “أُمُّ أبِيه” و”سيّدة الجنّة”.

إنّ مسألةَ الاسم تحْملُ أكثر من تأويل، فقد يكون ٱسمُ “فاطمة أمّ البنين”؛ على مسجدٍ من بين 400 مسجد في مدينة المساجد”؛ مِن حيث لا يحْتسِبون! وكما قد يختلف حولَ أصْلِ هذه الأسماء جُموع الرّواة والمؤرِّخين، إلاّ أنّه لا أحدَ يختلفُ في أمْرٍ واحدٍ، هو أنّ حُبَّ أهلِ البيْتِ، كما أمر به الله تعالى في كتابه “قُل لا أسْألُكم عليه أجْراً إلاّ الموَدّةَ في القُرْبى” سورة الشورى 23، يكونُ حقّاً وصِدْقاً بِٱتّباعِهم؛ أو على الأقلّ؛ بِرفْعِ أسمائِهم؛ عليهم السّلام؛ على المساجد والمؤسّسات والجامعات، تماماً كما يُفْعَل بأسماء الصّحابة وزوْجاتِ النّبيِّ وأئمّة المذاهبِ، حتّى لا تذْهبَ الأذْهان مَذْهبَ الشَّكّ، وحتّى لا يُقال إنّنا نَشْهَدُ اليوْمَ بالصّوْتِ والصُّورة؛ في حاضِرِنا هذا؛ عَكْسَ ما بلَغَنا عنْ ماضينا السَّحيق؛ عبْر القَلْقَلَةِ والعَنْعَنة.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
لوكهيد مارتن بمعرض مراكش
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 20:51

لوكهيد مارتن بمعرض مراكش

صوت وصورة
السيول تجتاح طرق أسني بالحوز
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 19:49 3

السيول تجتاح طرق أسني بالحوز

صوت وصورة
جنرال أمريكي: المغرب مصدر للأمن
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 16:47 2

جنرال أمريكي: المغرب مصدر للأمن

صوت وصورة
مبادرة ساكنة لفك العزلة
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 15:06 9

مبادرة ساكنة لفك العزلة

صوت وصورة
تشييع المغربية ضحية الهجوم الحوثي
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 10:57 2

تشييع المغربية ضحية الهجوم الحوثي

صوت وصورة
معرض الطيران يجمع الفرجة والمعرفة
السبت 10 أكتوبر 2026 - 23:30

معرض الطيران يجمع الفرجة والمعرفة