قضية الصحراء المغربية .. المصالح تنزع "عباءة الإيديولوجيا" عن إفريقيا

قضية الصحراء المغربية .. المصالح تنزع "عباءة الإيديولوجيا" عن إفريقيا
صورة: منير امحيمدات
الأربعاء 28 ماي 2025 - 10:00

على ضوء تغيّر خرائط التحالفات الدولية وتلاشي السرديات الإيديولوجية أمام هاجس البحث عن المصالح تُعيد العديد من الدول الإفريقية رسم سياساتها الخارجية وطريقة تعاطيها مع القضايا الإقليمية الحساسة، وعلى رأسها قضية الصحراء المغربية، التي لم تعد تُقرأ بعدسة الصراع الكلاسيكي، بل بعدسة الأولويات والتحولات الجيوسياسية التي تفرض البحث عن شراكات فعّالة وموثوقة تخدم قضايا التنمية والاستقرار.

ويكشف موقف جمهورية كينيا الجديد، الذي عبّرت من خلاله عن دعمها مبادرة الحكم الذاتي باعتبارها الحلّ الأكثر واقعية لتسوية النزاع في الصحراء، بعدما كانت من أكبر داعمي الطرح الانفصالي، حسب مهتمين، عن وجود توجه إفريقي نحو تبنّي سياسات جديدة عنوانها الواقعية السياسية والانفتاح البراغماتي، من خلال إجراء مراجعات جذرية للمواقف السياسية بما يتماشى مع مصالح الدول الإستراتيجية وطموحات شعوبها، مدفوعًا بوعي سياسي متنامٍ بضرورة القطع مع التحيز الإيديولوجي، الذي دفعت القارة السمراء ثمنه غاليًا لعقود من الزمن.

قناعة سياسية ونموذج مغربي

في هذا الصدد قال محمد الغيث ماء العينين، عضو المركز الدولي للدبلوماسية وحوار الحضارات، إن “مراجعة مجموعة من البلدان الإفريقية، آخرها كينيا، مواقفها السياسية تجاه النزاع في الصحراء، نتيجة طبيعية لتطور الموقف الدولي بهذا الشأن، والاقتناع باستحالة تحقق الطرح الانفصالي، إضافة إلى سياسة الانفتاح المغربي على دول القارة، التي ساهمت في مراجعة العديد من الدول التي كانت متأثرة بالبروباغندا الجزائرية والجنوب إفريقية مواقفها”.

وأوضح ماء العينين، في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، أن “المغرب نجح في إقامة علاقات شراكة مع دول إفريقيا الشرقية، التي كانت تُعد امتدادًا لسياسات جنوب إفريقيا، التي تراجع دورها القاري لصالح المغرب، وفقد خطابها السياسي، وكذا الأخلاقي، الكثير من مصداقيته، خاصة في ظل السياسات العنصرية ضد المواطنين البيض في هذا البلد”.

وأكد المتحدث ذاته أن “الرباط تقطف ثمار توجهاتها وسياساتها التعاونية مع إفريقيا، التي تكرست بشكل كبير منذ عودتها إلى الاتحاد الإفريقي، ما ساهم في إقامة علاقات مبنية على المصالح والاحترام المتبادل مع العديد من الدول، التي لم ترفض التعاون معها رغم مواقفها السلبية من قضية الوحدة الترابية للمملكة”.

وأبرز المحلل نفسه أن “المغرب أصبح نموذجًا ناجحًا للتعاون، إذ سبق للملك محمد السادس أن أكد أن المملكة أتت بنموذج جديد للتعاون مع إفريقيا، بعيدًا عن منطق الأستاذية، أو منطق المساعدات والإعانات مقابل المواقف”، وزاد: “ثم إن العديد من دول القارة نفسها لم تعد تريد المساعدات، بل تبحث عمّن يستثمر معها، ومن يطوّر معها شراكات على أساس مبدأ رابح – رابح”.

نهج براغماتي واندماج اقتصادي

في سياق ذي صلة اعتبر محمد عطيف، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة شعيب الدكالي بالجديدة، أن “التحول الذي شهدته مواقف عدد من بلدان القارة الإفريقية كان نتيجة التقاء العديد من العوامل السياسية والاقتصادية والأمنية، التي فرضت على هذه الدول تبنّي نهج براغماتي في إدارة سياستها الخارجية، وفي تصريف مواقفها تجاه القضايا الإقليمية الحساسة”.

وأضاف عطيف أن “البلدان الإفريقية بدأت تتخلص تدريجيًا من النزعة الإيديولوجية التي كانت سائدة حول قضية الصحراء في فترات ما بعد الاستقلال، وبُنيت على دعم حركات التحرر”، مبرزًا أن “هذه النزعة الإيديولوجية لم تعد تتماشى الآن مع مختلف التحولات التي تشهدها الساحة السياسية العالمية والإقليمية، ومع الأولويات التنموية والاقتصادية الوطنية للدول”.

وتابع المتحدث ذاته بأن “الموقف الكيني الجديد الداعم لمخطط الحكم الذاتي في الصحراء يمكن قراءته على ضوء سعي نيروبي إلى التموقع إقليميًا، وتعزيز دورها كقوة محورية في شرق إفريقيا، من خلال استغلال الفرص الاقتصادية التي يوفرها التعاون مع الدول الوازنة في القارة، ومن ضمنها المملكة المغربية”، مسجلًا أن “صُنّاع القرار الكينيين باتوا يقاربون علاقتهم الخارجية بمنطق الربح، وليس بمنطق الاصطفافات المجانية، وانتقلوا من منطق التضامن السياسي إلى منطق المصالح المتبادلة”.

وأورد الأستاذ نفسه أن “الحضور المغربي في إفريقيا، من خلال الاستثمارات والدبلوماسية المرنة، يعطي حوافز موضوعية للدول الراغبة في إعادة تشكيل شراكاتها وتعزيز اندماجها في الاقتصاد الإفريقي”، معتبرًا أن “البراغماتية التي تبنّتها كينيا، وقبلها العديد من الدول، تعكس تغيرًا في تصورها لدورها على الساحة الإفريقية، إذ لم تعد الشرعية السياسية للدول تُبنى فقط بالخطاب التحرري، بل على قدرتها على تحقيق التنمية وجلب الاستثمارات”.

وفي المقابل خلص متحدث هسبريس إلى “وجود تحديات أمام التوجه البراغماتي للدول الإفريقية، إذ من الممكن أن يؤدي إلى إضعاف قدرة منظمة الاتحاد الإفريقي على اتخاذ مواقف موحّدة حول القضايا الكبرى في القارة، كما يمكن أن يزيد من الهشاشة المؤسسية أمام التأثيرات الخارجية”، خاتما: “كما أن تغليب منطق المصالح القُطرية قد يُضعف قدرة إفريقيا على التفاوض الجماعي مع الشركاء الدوليين، غير أنه يمكن التغلب على هذه التحديات بتنسيق المصالح والدفع نحو التكامل الشامل”.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

20
  • karim
    الأربعاء 28 ماي 2025 - 10:09

    المواطنين البيض في جنوب أفريقيا هم محتلون لارض جنوب أفريقيا

  • Hossin
    الأربعاء 28 ماي 2025 - 10:20

    بٱسم الله الرحمن الرحيم جاء الحق و زهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً.

  • حاميها حراميها
    الأربعاء 28 ماي 2025 - 10:24

    القاعدة الكبرى لذى الدول الكبرى*” لا صديق دائم ولا عدو دائم انما مصالح.. لا ديمقراطية ولا حقوق ولا هم يحزنون.. قوانين الوضعية للحماية أصحابها أما الشعوب العربية والإسلامية عبارة عن دمى لا حول ولا قوه لهم.

  • ملاحظ
    الأربعاء 28 ماي 2025 - 10:27

    إذا قررت دولة إفريقية الانحراف عن الخط السياسي الجزائري، فعليها أن تحل وضعها المالي مع الجزائر التي لها كامل الحق في الدفاع عن أمنها القومي.

  • ما لا تفهم الجزائر
    الأربعاء 28 ماي 2025 - 10:37

    او انني مكان من يقرر في الجزائر لجلست للارض و وضعت ميزان قياس المصلحة لأرى من خلاله ماذا سأربح من تصالح مع المغرب بالاعتراف بمغربية صحرائه و الحسم في باقي القضايا العالقة بما فيها ترسيم الحدود
    ما تخسره الجزائر اليوم لن يعود عليها إلا بالمشاكل داخليا و خارجيا و لن تتمكن أبدا من وضع المغرب في خاتم لان ذلك يستحيل و قد ينقلب عليها السناريو و تقع في حفرة تحفرها مند خمسين سنة او يزيد
    اجزم ان ما ستربحه هذه الدولة لو تعقلت سيفوق أضعافا ما تحلم بجنيه من خلق ولاية جزائرية تطل على الأطلسي

  • مفكر
    الأربعاء 28 ماي 2025 - 10:41

    المغرب ما يحتاجه اليوم وبشكل ملح مع تزايد الاعتراف بالصحراء المغربية هو التطبيق على أرض الواقع ودق المسمار في نعش نظام الجزائر وهذا سيأتي عبر تقوية الجبهة الداخلية والدفع بالاقتصاد بشكل متسارع عوض البطء الذي يشهده بسبب الفساد سواء الاقتصادي او السياسي. حاليا مشكلتنا عندنا جبهة بوريطة التي تحرز تقدما خارجيا وجبهة كبار الاغنياء والسياسيين في الحكومة التي تجني الخيبات ولازالت لحد الآن لم تستطع النهوض بالاقتصاد المغربي وخفض البطالة. زد على ذلك الفساد السياسي الذي يعرقل التنمية. انا في نظري لو وجدنا حل لهذه المعضلات عبر إرادة قوية من الدولة فآنذاك سيهرب المحتجزون بالآلاف نحو المغرب والدول لن تجد أي حل سوى الاعتراف بمغربية الصحراء. ثم اقتصاد قوي وسياسة خالية من الفساد يعني قوة إقليمية ووزن ثقيل وهذا ايضا ما نحتاجه

  • ملاحظ
    الأربعاء 28 ماي 2025 - 10:46

    إن الصفعة التي وجهتها كينيا لبلد المليون ونصف المليون شهيد لن تمر مرور الكرام. وسترد الجزائر في الوقت المناسب، وخاصة في الجانب المالي.

  • ما يخص جنوب افريقيا
    الأربعاء 28 ماي 2025 - 10:46

    قال المحلل السياسي ماء العينين أن جنوب افريقيا هي التي أترت على شرق إفريقيا.
    أقول له أن شرق افريقيا سبقت جنوب افريقيا للإنحياز الى البوليزاريو.
    وأن الر ءيس الكيني دانيال أراب موي والأتيوبي آدم كودجو هم من أقحموا البوليزاريو في المنظمة الإفريقية بعد رشوى غليضة من الجزاءر،وأن جنوب افريقيا لم تنحز إلا بعدما رفض المغرب الإنسحاب من قرعة كأس العالم المقام بجنوب إفريقيا في 2010

  • متتبع اعلامي
    الأربعاء 28 ماي 2025 - 10:58

    الدول الواعية الناضجة هي التي تحررت من عقيدة و اديولوجية زمن حرب الباردة زمن الأنظمة الشعاراتية الفارغة..
    الدول التي تفكر بالعقلية الواقعية و البراغماتية هي التي تنخرط في تنمية شعبها والرفع من ايقاع تقدمها ونمو اقتصاداتها في إطار رابح رابح

  • Abdou
    الأربعاء 28 ماي 2025 - 11:07

    المسألة ليست تحولا من السرديات والاديلوجيا إلى منطق المصالح. فعديد من الدول الإفريقية كانت توهمها ” القوة الضاربة” بأنها سلطان القارة و قاطرة التنمية والاقتصاد و أنها ستكفل كل مصالح الدول الافريقية التي تنضم إلى طروحاتها. لكن تلك الدول الافريقية التي كانت في صف القوة الضاربة فطنت بأنها تعيش على الأوهام في ذلك الصف نظرا لغياب الملموس.
    قوة المغرب تكمن في المصداقية والملموس وعلى الفور بعيدا عن أطروحات وخطابات جوفاء لا تغني ولا تسمن من جوع. وقد زادت المتغيرات الاخيرة في العالم مع صعود ترامب إلى الحكم في تسريع مغادرة الدول الافريقية لصف القوة الضاربة والتحاقها بصف المعقول

  • مراقب
    الأربعاء 28 ماي 2025 - 11:24

    إلى رقم 4 العالم الاخر
    لقد شهدت على سياسة بلادك بأنكم كنتم تستغلون فقر الدول الافريقية بالرشاوي والديون مقابل الاعتراف بالبوليساريو ومضادة المملكة المغربية
    لكن اليوم العالم تغير والدول الافريقية فهمت اللعبة وعرفت من هو الكذاب ومن هو الموثوق وهاهي اليوم تعطي بالظهر إلى المنافق وتراعي مصالحها على أساس رابح رابح والاحترام المتبادلوعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول

  • محمد عم
    الأربعاء 28 ماي 2025 - 11:45

    الى ملاخظ رقم 4 : هل بامكانك أن تخبرنا عن الطوابير التي حلت بكم والعياذ بالله ! وما هو مآل تحلية مياه البحار والمحيطات شرقاً وغرباً ؟ أما بخصوص مصر وفتح حدودها للعالم الآخر فذلك موضوع آخر يستحسن عدم الخوض فيه افضل

  • الى ملاحض
    الأربعاء 28 ماي 2025 - 11:53

    لمادا أنت ضد رءيسك تبون الدي قال أن عدد الشهداء هو 6 ملايين.

  • نعم
    الأربعاء 28 ماي 2025 - 11:54

    لا يوجد بلد أكبر من الجزائر في أفريقيا والعالم العربي. الجزائر تشتري من تريد وتبيع من تريد وهذا هو المهم بالنسبة لها.

  • ملاحظ
    الأربعاء 28 ماي 2025 - 12:02

    أفضل رئيس في إفريقيا، الذي لا يعرف النفاق، هو قيس سعيد، الذي يقبل بتواضع النصائح والإرشادات التي يقدمها له شقيقه عبد المجيد تبون. المساعدات المالية لتونس ستستمر طالما بقي قيس سعيد في السلطة.

  • القصراوي
    الأربعاء 28 ماي 2025 - 12:22

    الحروب اليوم تتحول إلى حروب اقتصادية أكثر منها حروب عسكرية و بالتالي فقط الدول الغنية يمكن لها التأثير في قرارات الدول الفاعلة لقدرتها على إبرام الصفقات الكبيرة و تبادل المصالح. كنت أتمنى لو كانت بلدنا ناجحة اقتصاديا و غنية و لكن العكس هو الصحيح لأن التنمية و الغنى لا يلتقيان مع الفساد الذي انتشر في بلدنا بسبب تحكم مسؤوليين فاسدين في دواليب الدولة.

  • الى ملاحض
    الأربعاء 28 ماي 2025 - 12:25

    مند أزيد من خمسين عام وأنتم تنفقون أموالك على كل من يعادي المغرب،
    وفي الأخير إفلاس الجزاءر ،خراب الجزاءر،تجويع الشعب الجزاءري،أتمنى من كل قلبي أن تستمروا في هدا النهج.

  • أبو سلمى
    الأربعاء 28 ماي 2025 - 13:16

    اعتقد انه بات لزاما هن تكون قضية محاربة و القضاء على الفساد بكل أبعاده (الاقتصادي، السياسي، العدل، التعليم،..) ان تكون القضية الاولى للمملكة المغربية بعد قضية الوحدة الترابية

  • عبدالكريم بوشيخي
    الأربعاء 28 ماي 2025 - 14:42

    أسطوانة تقرير المصير التي مازال يتشبت بها النظام الجزائري دون غيره لتبرير متاجرته و فشله انتهت زمن السبعينات بعد تحرر اخر الدول و الأراضيى الأفريقية من براثن الاستعمار، أفريقيا بحاجة لمن يحررها من التخلف و العبور بها نحو بر السلم و الأمن و التنمية و الازدهار الاقتصادي و الاجتماعي لشعوبها.

  • احمد ايطاليا
    الأربعاء 28 ماي 2025 - 18:11

    بطبيعة الحال الشراكات والمصالح تستطيع كسب المال والمجتمعات هدا جيده المغرب اما العالم الآخر يفهم فقط الرشوة وهدا لا يدوم ويعود ببالافلاس للعالم الأخر وشكراً

صوت وصورة
حكايات ما تقالتش | الرابور علي صامد
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 23:30

حكايات ما تقالتش | الرابور علي صامد

صوت وصورة
ميطا 3 | هل حسم المغرب لقب "الكان"؟
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 21:23 3

ميطا 3 | هل حسم المغرب لقب "الكان"؟

صوت وصورة
ليلة رعب في أولاد عياد
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 20:45 2

ليلة رعب في أولاد عياد

صوت وصورة
المعارضة وتفعيل التوجيهات الملكية
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 20:30 2

المعارضة وتفعيل التوجيهات الملكية

صوت وصورة
إشادات بمضامين الخطاب الملكي
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 20:02 4

إشادات بمضامين الخطاب الملكي

صوت وصورة
الملك محمد السادس يترأس افتتاح البرلمان
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 16:00 8

الملك محمد السادس يترأس افتتاح البرلمان