كرة القدم في خدمة الثقافة .. كأس إفريقيا تقوي "تمغرابيت" خارج الحدود

كرة القدم في خدمة الثقافة .. كأس إفريقيا تقوي "تمغرابيت" خارج الحدود
صورة: أ.ف.ب
الجمعة 26 دجنبر 2025 - 08:00

بعيداً عن صخب الملاعب وحسابات التأهل يبرز كأس أمم إفريقيا المرتقب في المغرب كورش ثقافي مفتوح يتجاوز حدود الرياضة ليعانق أبعاد الدبلوماسية الروحية والحضارية، فالمملكة، التي تستقبل القارة السمراء، لا تنظر إلى الحدث كمجرد منافسة على لقب كروي، بل كمنصة إستراتيجية لاستعراض “قوتها الناعمة” وتجذير هويتها الإفريقية من خلال بوابة الصناعة التقليدية، وفنون الطبخ، والتعدد اللغوي.

ويرى باحثون ومتخصصون أن هذه التظاهرة القارية تمثل “معركة رمزية ناعمة” لتقديم المغرب في صورته الحقيقية؛ مغرب الانفتاح والعيش المشترك، حيث تتحول المقاهي والشوارع والأسواق التقليدية إلى فضاءات للدبلوماسية الموازية التي تصنعها الشعوب. فمن خلال الاحتكاك اليومي المباشر تتحول “التمغربيت” من مفهوم نظري إلى تجربة حية يعيشها المشجع الإفريقي، لتنتقل عبر الفضاء الرقمي إلى العالم أجمع، مؤكدة أن كرة القدم في يد المغرب هي رافعة للتنمية الثقافية وأداة لمد جسور الثقة بين أبناء القارة الواحدة.

وفي هذا السياق يؤكد إدريس القري، الباحث المغربي والناقد في الجماليات البصرية والفلسفة، أن مساهمة كأس أمم إفريقيا في التعريف بالثقافة المغربية تنطلق أساسًا من منطق التضامن، الذي يندرج ضمن ما تُعرف بالقوة الناعمة، ويوضح أن كرة القدم، بحكم انتشارها الواسع، لا تهم فقط ملايين المغاربة، بل تمتد إلى عشرات، بل مئات الملايين من المتابعين عبر القارة الإفريقية وخارجها.

ويضيف القري أن هذه الشعبية الواسعة، إلى جانب الوظيفة النفسية والاجتماعية لكرة القدم، تجعلها رافعة للتعبئة الوطنية وتعزيز الإحساس بالانتماء، غير أن الأهم، في نظره، يتجلى في البعد الثقافي العميق الذي يتيحه تنظيم تظاهرة قارية بحجم كأس إفريقيا، التي باتت تحتل مرتبة متقدمة عالميًا بعد كأس العالم وكأس أوروبا.

ويرى الباحث ذاته أن احتضان هذا الحدث يخلق دينامية تفاعل وجدلية تبادل ثقافي، يمكن اعتبارها شكلًا من أشكال الدبلوماسية الموازية الفعالة؛ وهي دبلوماسية لا تُمارَس فقط عبر القنوات الرسمية والمؤسساتية، بل تتجسد أساسًا في الفضاءات الشعبية واليومية.

ويردف المتحدث ذاته بأن هناك مجهودات مؤسساتية، من قبيل تنظيم فضاءات لترويج الصناعة التقليدية والمنتجات الغذائية المغربية؛ غير أن الترويج الأعمق، حسب رأيه، يحدث خارج الملاعب، حين يخرج المشجع الأجنبي إلى الشارع، ويجلس في المقاهي، ويزور المطاعم، ويتفاعل مباشرة مع المواطن المغربي، المعروف ببشاشته وانفتاحه واستعداده للتواصل.

ويعتبر القري أن هذا الاحتكاك الإنساني المباشر هو الشكل الأكثر فعالية للترويج الثقافي، لأنه يقدّم ثقافة معاشة لا معروضة؛ كما يبرز دور العالم الافتراضي في مضاعفة هذا الأثر، إذ تتحول لحظات بسيطة من التفاعل اليومي إلى محتوى رقمي ينتشر على نطاق واسع، مانحًا الثقافة المغربية إشعاعًا يتجاوز حدود المكان والزمان.

من جانبه قال محمد النحيلي، عضو مجلس الإدارة الدولي للفيدرالية الدولية للمراكز الاجتماعية والسوسيوثقافية، ونائب رئيس الفيدرالية الأورومتوسطية للتبادل الثقافي، إن احتضان المغرب نهائيات كأس إفريقيا للأمم يشكّل أكثر من حدث رياضي، بل هو معركة رمزية ناعمة من أجل تثمين الثقافة المغربية والدفاع عن قيم التعدد والانفتاح في مواجهة خطابات الكراهية والإقصاء.

وأكد النحيلي، ضمن تصريح لهسبريس، أن هذه التظاهرة القارية تمثل فرصة تاريخية للتعريف بالثقافة المغربية في بعدها الحي واليومي، لا في صورتها الفولكلورية السطحية فقط؛ فالصناعة التقليدية المغربية، بما تحمله من رموز تاريخية وحرفية متجذرة، تحضر بقوة في الفضاءات العامة، والأسواق، وفضاءات المشجعين، لتتحول إلى لغة تواصل ثقافي بين المغرب وضيوفه من مختلف الدول الإفريقية.

وأضاف الفاعل المدني ذاته أن المطبخ المغربي يشكّل أحد أقوى أدوات التقارب الثقافي خلال كأس إفريقيا للأمم، حيث يصبح الطعام وسيلة إنسانية لكسر الحواجز وبناء جسور الثقة، موردا أن تذوّق الأكلات المغربية ليس مجرد تجربة سياحية، بل يبرز كمدخل لفهم تاريخ وهوية مجتمع قائم على الكرم والتشارك.

وفي السياق ذاته شدّد المتحدث على أن اللغة المغربية، بتعدديتها العربية والأمازيغية والحسانية وتداخلها مع الدارجة، تحضر كعنصر حيوي في التواصل اليومي بين الجماهير والمتطوعين والسكان المحليين، ما يساهم في نقل صورة حقيقية عن مغرب متعدّد ومنفتح، ويُبرز اللغة كأداة للتقارب لا للإقصاء.

وأوضح النحيلي، بصفته باحثًا في قضايا الطفولة والشباب، أن هذا الاحتكاك الثقافي المباشر يوفّر فضاءً تربويًا غير رسمي للأطفال والشباب، يُعيد الاعتبار للهوية المغربية باعتبارها هوية إفريقية منفتحة، ويحصّن الأجيال الصاعدة ضد خطابات التبخيس الذاتي أو الانغلاق الثقافي.

وشدّد الباحث ذاته على أن المجتمع المدني مطالب اليوم بمواكبة كأس إفريقيا للأمم بمبادرات ثقافية وتربوية، حتى تتحول هذه التظاهرة إلى رافعة للعدالة الثقافية، وإلى أداة لمقاومة كل ما يحاول اختزال الثقافة في الاستهلاك أو تسليع الهوية.

وختم المتحدث تصريحه بالتأكيد على أن كأس إفريقيا للأمم بالمغرب ليست فقط احتفالًا بكرة القدم، بل فعلًا ثقافيًا ونضاليًا يؤكد أن الثقافة المغربية، بصناعتها التقليدية ومطبخها ولغتها، قادرة على لعب دور محوري في بناء التقارب بين الشعوب الإفريقية، وصياغة مستقبل قوامه التعدد، والكرامة، والعيش المشترك.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

14
  • حمودة
    الجمعة 26 دجنبر 2025 - 08:25

    نعم ثقافة الفولكلور و الطبخ و الرقص و الغناء و المهرجنات البءيسة اما العلم و الثقافة بمعناها الحقيقي فبعيدة كل البعد عن سياسة الحكومة ..

  • علام
    الجمعة 26 دجنبر 2025 - 09:16

    عندما رأيت زوجان المغاربة و هم يقدمون الحلوا و الاتاي للجزايرين و هناك شعوب اخرى لام تعطى لهم هده الأهمية و مع علمهم انها دولة عدوة و تريد تقسيم المغرب تاكدت ان سبب تمسك الجزاير بتقسيم المغرب هوا اننا اصبح عندنا أزمة رجال و نساء. لوكانت و جدت الرجال لما تجرأت اكتر في هده الأعوام المدلولين. في القديم قال لهم بتفليقة الجزاير فيها أزمة رجال الان نحن من نعانى منها

  • حميد
    الجمعة 26 دجنبر 2025 - 09:31

    الكرة تبقى جلدة منفوخة و الكرة الافريقية لن تدخل علينا سنتيما واحدا ..و لا يصح إلا الصحيح و أول خطوة هي بناء الإنسان بالمعقول و تطبيق القانون و محاربة الريع والفساد ،اما الكرة ما عندها ما تزيدك ما تنقصك …

  • للمسمى حمودة وامثاله
    الجمعة 26 دجنبر 2025 - 09:55

    اولا العقل السليم في الجسم السليم …
    الرياضة عموما وكرة القدم خصوصا قاطرة بامتياز لكل المجالات لما فيها التعليم والثقافة والصحة والاقتصاد وووو والدليل انه يمارسها و يعشقها الملايير من جميع اطياف المجتمع واتذكر ان رءيس اقوى دولة في العالم اجل اجتماع مع اكثر من ،30 رءيس دولة لمشاهدة مباراة المغرب / فرنسا
    والكل يعلم ان هاته الدولة راءدة اجتماعيا ثقافيا اقتصاديا ووو
    طاحت الجمعة علقو الحجام
    قبح الله الجهل
    ديما تمغربيت وجمعة مباركة للجميع

  • Fouad
    الجمعة 26 دجنبر 2025 - 10:30

    الثقافة المغربية مرشحة للاختفاء في أفق سنوات بسيطة جدا، وستذوب وسط الثقافات الافريقية جنوب الصحراء الدخيلة والغازية، لن تستطيع التمغرابيت المقاومة، وهو ما يلاحظ يوميا من انبهار المغاربة والمغربيات بالرقص الافريقي الخليع وتقليعة الراسطا، ويزداد الذوبان كثافة مع الأجيال الصاعدة من أبناء المهاجرين الافارقة وأبناء الزواج المختلط… لن يكون هناك تعدد ولا يحزنون ….

  • طنجاوية غيور
    الجمعة 26 دجنبر 2025 - 10:50

    ماهذا الهراء لاحول ولاقوة الا بالله العلي العظيم

  • ELFARED OF MOROCCO
    الجمعة 26 دجنبر 2025 - 10:58

    يجب الحذر ويجب اشعال الضوء الأحمر كلما كان الأمر يتعلق بهذا النظام المسخوط،نظام عسكر جزائر بني مزغنة.كثير من هؤلاء الذين دخلوا تراب المملكة لا ثقة فيهم،على المواطنين المغاربة ألا ينساقوا وراء عواطفهم الطيبة،شعوب الواسطيون ما بين تونس والمملكة هم شعوب مخلطة منهم شريحة من ذوي الأصول المغربية يسمونهم المراركة وهم اخواننا شبه محتجزون من تلمسان شمالا الى تندوق جنوبا على الصحراء الشرقية المغربية بأقاليمها الساورة بشار تديكلت تيكورارين وغيرها التي يديرها الآن نظام العسكر.ومنهم شعب القبايل الأمازيغي وهم شرفاء وكذلك شعب الطوارق في الأزواد الشرفاء ثم يبقى الخلط من بني كرغول في مناطق جزائر بني مزغنة هؤلاء فيهم بعض الشرفاء وأكثرهم لا خير فيهم.

  • 4 رد حمودة وأمثاله.
    الجمعة 26 دجنبر 2025 - 11:16

    رد حمودة وحلفاؤه، مصادر الدخل في الرياضة بشكل عام، تقول المزيد من المال والمستقبل من الأطفال إلى كبار السن، إذا غزوا المسؤولون الضرائب أو سرقوا فهذا أمر آخر، OTANلم تتر ك اتحاد روسيا اتحادها في الرياضة، إنها استشارة مباشرة لمن رد حمودة وأمثاله.
    هناك دول جبانة وخائنة بدأت بالفعل في إخراج أعدائها حتى لا تدفع تعويضات لروسيا، بدلاً من مطالبة الانفصاليين بتوضيح ما حدث وسبب هذا التغيير.

  • ملاحظ
    الجمعة 26 دجنبر 2025 - 11:22

    في الجزائر وحدها، يتم تسخير الرياضة، وخاصة كرة القدم، لخدمة الثقافة، بينما في بقية العالم العربي، من المحيط الأطلسي إلى الخليج العربي، وفي أفريقيا من الشمال إلى الجنوب، لا تخدم الرياضة سوى الجانب المادي، من أجل استرضاء أمريكا والاتحاد الأوروبي. الرئيس التونسي قيس سعيد هو الزعيم العربي الوحيد الذي بدأ يفهم هذا الأمر، بعد تطبيق نصيحة شقيقه عبد المجيد تبون.

  • لا تهمني الثقافة
    الجمعة 26 دجنبر 2025 - 11:42

    الهدف من هده المسابقة هو هزم اي منتخب افريقي نواجهه ونفوز بالكأس
    تمغرابيت وثقافة وسياحة تهم فقط اصحاب الفنادق ومطاعم

  • ناصر
    الجمعة 26 دجنبر 2025 - 12:12

    ان جوهر ما يسمى ” تامغريبيت ” لا يمكن ان يكون الا تامازيغت ، فلماذا نتغاضى عن الجوهر وناخد بالقشور يا عباد الله ؟

  • kamal
    الجمعة 26 دجنبر 2025 - 15:33

    استثمرت الجزائر قدراً كبيراً من رصيدها السياسي في العداء للمغرب، إلى حدّ جعلها تغفل عن التحولات الاقتصادية العميقة التي يشهدها العالم. هذا الانشغال الضيق أضعف رؤيتها الاستراتيجية، وأبعدها عن ديناميات التجارة العالمية وجهود تنويع الاقتصاد التي تنتهجها معظم الدول الصاعدة.

    في المقابل، اختار المغرب مساراً مختلفاً. فرغم الأعباء الكبيرة للنفقات العسكرية، نجح في بناء اقتصاد متنوع يقوم على الصناعة، والفلاحة، واللوجستيك، والسياحة، والطاقات المتجددة، مع تعزيز اندماجه في الأسواق العالمية. أولوياته تتمثل في النمو والتنافسية والتنمية بعيدة المدى، لا في الصراعات الإقليمية.

    وتكمن المعضلة الأساسية للجزائر في اعتقادها أن المغرب يوجّه طاقته نحو المواجهة، بينما الواقع عكس ذلك تماماً. فالمغرب منفتح على الشراكات الدولية، ويركّز على توسيع آفاق التجارة والاستثمار، وينظر إلى المستقبل بثقة، في حين تظل الجزائر أسيرة نظرة داخلية جامدة تعيق انخراطها في الاقتصاد العالمي

  • Abde germany
    الجمعة 26 دجنبر 2025 - 16:30

    صورة أعلاه من بزار الرباط شفتها غير لبارح هههه…….

  • ملالي
    الجمعة 26 دجنبر 2025 - 23:51

    نعم لتمغربيت للأسف فرغم أن اللغة الامازيغية هي لغة رسمية في المغرب فهي مقصية من اقمصة المنتخبات الوطنية ومن واجهات المركبات الرياضية.

صوت وصورة
عروض التبوريدة تفتتح موسم طانطان
الأحد 1 نونبر 2026 - 01:24

عروض التبوريدة تفتتح موسم طانطان

صوت وصورة
أبعاد استراتيجية | موعد الحسم
السبت 31 أكتوبر 2026 - 22:00 1

أبعاد استراتيجية | موعد الحسم

صوت وصورة
منتخب قصار القامة يستعد للمونديال
السبت 31 أكتوبر 2026 - 18:37

منتخب قصار القامة يستعد للمونديال

صوت وصورة
دار الشباب سوس العالمة
السبت 31 أكتوبر 2026 - 13:39

دار الشباب سوس العالمة

صوت وصورة
مشروع لتربية الأسماك بإفني
السبت 31 أكتوبر 2026 - 11:30 2

مشروع لتربية الأسماك بإفني

صوت وصورة
منازل تهدد المارة بالدار البيضاء
السبت 31 أكتوبر 2026 - 10:36 1

منازل تهدد المارة بالدار البيضاء