كلام في السياحة الشعبية

كلام في السياحة الشعبية
الأحد 5 غشت 2018 - 05:25

يكثر الكلام عن السياحة في فصل الصيف، وبما أن المناسبة شرط كما يقول الفقهاء، وجب الحديث عن بعض مظاهر السياحة بمنطقة شمال المغرب، التي تتحول إلى قبلة لملاين المغاربة الذين يتدفقون نحوها بحثا عن الترفيه والمتعة والراحة والاستجمام..

ففي غياب تأطير ممنهج لواقع السياحة الشعبية بالمنطقة، ومراقبة صارمة للمرافق التي تستقطب جموع السياح المغاربة، يظل القطاع منفتحا على الفوضى والتسيب والعشوائية بكل ما تحمل الكلمة من معنى. وفي غياب تدخل صارم للجهات الوصية لردع المخالفين ووضع حد للفوضى، يوفر قطاع السياحة الشعبية شروطا مغرية للتجارة الفوضوية، ما يحد من حركية السياحة التي تتجه نحو التراجع بمنطقة الشمال بسبب المنافسة الشرسة من جهات مختلفة، ومنها منطقة “لاكوسطا ديل صول” بالجنوب الإسباني، التي توفر فرصا رائعة لا تعوض لزوارها المغاربة وغيرهم، ومن أهمها جودة الخدمات وانخفاض الأثمان، أو مناطق مغربية أخرى في الشرق أو الجنوب المغربي، نتيجة ما تقدمه من عروض مغرية تزيد من استقطاب السياح المغاربة نحوها.

أبرز مظاهر الفوضى والعشوائية تتم علانية، وتتمثل في انتشار ظاهرة كراء آلاف المنازل سواء في المنتجعات أو في الأحياء الشعبية، بشكل غير قانوني في كل مدن الشمال، كمرتيل والمضيق والفنيدق وواد لو والجبهة وأصيلة وطنجة…وهذه المنازل تختلف من حيث جودتها، ويصل ثمن كراء الليلة الواحدة في مرحلة الذروة إلى أزيد من ألف درهم ببعض الإقامات. وهذه الأثمان المرتفعة تدفع الكثير من السياح إلى مغادرة المنطقة للبحث عن مناطق سياحية أخرى للبحث عن نقط جذب قوية..

وتتسبب هذه الفوضى في حرمان ميزانية الجماعات من عوائد ضريبية إضافية، تساهم في تطوير التنمية السياحية المحلية بمدن المنطقة. وإلى جانب ذلك، ينضاف انتشار التجارة الموسمية كالمطاعم والمقاهي والمواد الغذائية والملابس .. في تقديم خدماتها وعروضها دون الحصول على تراخيص، والاطلاع على طبيعة وجودة ما يعرض على المواطنين في الكثير من الأحيان.. وحين التدقيق في الظاهرة يجد المتتبع أن أسرا وجهات تجارية عديدة من المنطقة أو مستثمرة فيها تصر على استغلال الفرص مجانا لاستمرار الفوضى، فتعمل على ترويج هذه التمظهرات السلبية، للتهرب من القانون الضريبي المعمول به في هذا الجانب.

مظاهر أخرى لا تقل قتامة مما ذكر، ومنها ارتفاع أثمان السمك والخضر والفواكه وبعض المواد الغذائية على نطاق واسع بمدن الشمال خلال موسم الصيف، فضلا عن الزيادة في أثمان المشروبات والأكل بعدد من المطاعم والمقاهي، لتشكل عبئا ثقيلا على السياح من الفئات الشعبية المتوسطة..وقد يخلف ذلك استياء قويا في كل مرة وحين، تكشف عن ثناياه صفحات موقع التواصل الاجتماعي “فايسبوك”..التي تجعل منه مادة خصبة للنقاش والتداول..تتراوح بين الرفض والتنديد بالأثمان المرتفعة..

وفي سياق انتشار التمظهرات السلبية المتعلقة بالسياحة الشعبية، والمنتشرة بشكل كبير بمدن الشمال المغربي، تبرز ظاهرة احتلال أغلب الشواطئ على امتداد أيام الصيف. ورغم استمرار النداءات لوقف حد لهذا التسيب، لم تجد السلطات العمومية والجماعات الترابية حلا لها… بل أصبح الأمر واقعا مرا لا يحرك ساكنا، بينما لا يجد المستحمون الذين يتقاطرون على الشواطئ فضاءات حرة للاستحمام، بعدما استولت عليها مجموعات من الشباب، مدعومة من المنتخبين أو جهات نافذة في مناطق مختلفة، يزودونهم بعشرات المظلات والكراسي والطاولات لاحتلال واجهات الشواطئ مقابل ثمن لا يقل عن ثلاثين درهما للفرد الواحد، ويرتفع الثمن بارتفاع عدد الأشخاص. وتلك ظاهرة حديثة ترسخت في السنوات القليلة الأخيرة، رغم النداءات المتعددة من طرف فعاليات المجتمع المدني الداعية إلى وقف هذه العشوائية.

ولا يقتصر الأمر على احتلال الشواطئ في مدن الشمال، وإنما يمتد إلى استيلاء شبه كامل على الأرصفة وأماكن وقوف السيارات في فضاءات متعددة، من طرف المطاعم والمقاهي والباعة الجائلين وغيرها من المتاجر، بل تحولت مواقف السيارات إلى لهيب يلفح جيوب المواطنين. ويفرض حراس تلك المواقف أثمانا باهظة تصل إلى عشرة دراهم في النهار وعشرين درهما في فترة الليل. هذه التجاوزات مجتمعة تتسبب في اعتراضات وانتقادات، وفي الوقت نفسه إلى اختناقات مرورية متواصلة طيلة فترة الصيف، ما يجعل عملية التنقل صعبة ومنفرة لكل مستعملي الطريق في هذه المدن، تزيد من حدتها فوضى سيارات الأجرة التي تتفنن في عرقلة السير وخلق عالم من الفوضى.

هكذا تصبح فضاءات هذه المدن خلال فصل الصيف تجمعا للفوضى والعشوائية بامتياز، وهذا لن يساهم إطلاقا في تنمية السياحة بمدن الشمال التي تستقطب جموعا كبيرة من السياح المغاربة في كل سنة.

*إعلامي باحث.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

2
  • رشيد زين العابدين
    الأحد 5 غشت 2018 - 10:24

    الفوضى عنوان كبير يلف كل نواحي الحياة في المغرب وأسبابه واضحة هو غياب عقل واعي يسير هذه الدولة وكذا غياب الحل الجذري للمشاكل العالقة وأهمها احتلال الملك العمومي الذي تحول إلى ماركة مغربية بما يرافق ذلك من تراكم للنفايات والتضييق على المارة.

  • تطواني
    الأحد 5 غشت 2018 - 16:44

    السياحة هي ان تكون لك الرفاهية اولا

صوت وصورة
البواري ودعم الفلاحين
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 08:42 2

البواري ودعم الفلاحين

صوت وصورة
"الأحرار" على جناح "الحمامة البيضاء"
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 00:30 2

"الأحرار" على جناح "الحمامة البيضاء"

صوت وصورة
لقجع وواقع الصحة بالمغرب
الأحد 20 شتنبر 2026 - 23:56 4

لقجع وواقع الصحة بالمغرب

صوت وصورة
شوكي: المواطن والمغرب العميق
الأحد 20 شتنبر 2026 - 23:09 1

شوكي: المواطن والمغرب العميق

صوت وصورة
بنعبد الله والتغطية الصحية
الأحد 20 شتنبر 2026 - 22:40 1

بنعبد الله والتغطية الصحية

صوت وصورة
أخنوش يتعهد بتحسين الدعم الاجتماعي
الأحد 20 شتنبر 2026 - 22:30 9

أخنوش يتعهد بتحسين الدعم الاجتماعي