لصوص الشدائد!

لصوص الشدائد!
الأحد 5 أبريل 2026 - 06:46

حينما تتواري القيم ويتوحش الجشع

في كل مرة تطل فيها أزمة برأسها على مجتمع ما، سواء كانت نكسة اقتصادية، كارثة طبيعية، أو اضطرابات جيوسياسية كما نشهده اليوم في منطقة الشرق الأوسط، يبرز صنف من البشر يمكن تسميتهم “بتجار الفواجع” أو “لصوص الأزمات”. هؤلاء لا يسرقون الممتلكات تحت جنح الظلام، بل يسرقون الأقوات والفرص والسكينة تحت ضوء النهار، مستغلين حاجة الناس وضعفهم في أحلك الظروف.

انتهازية الظرفية وتمدد اللصوصية

تتسم هذه اللصوصية بكونها انتهازية بامتياز؛ فهي لا تضرب إلا عندما يكون المجتمع في حالة انكشاف. ولم تعد هذه الظاهرة مقتصرة على بائع صغير في زاوية الشارع، بل تمددت لتشمل كافة القطاعات الاستهلاكية والخدماتية:

قطاع الطاقة والوقود: حيث يُتخذ من اضطراب المناخ السياسي ذريعة لرفع الأسعار بشكل فوري ومبالغ فيه، حتى قبل أن تصل تداعيات الأزمة الفعلية إلى الأسواق.

قطاع النقل: الذي يتحول إلى كابوس للمواطن، حيث تُستغل ندرة الوقود أو تزايد الطلب لفرض تسعيرات عشوائية ترهق كاهل العامل والطالب.

الخدمات الأساسية: التي تصبح فجأة عملة نادرة تخضع لقانون “المزايدة” بدلاً من قانون الخدمة العامة.

القانون بين “الإلزام” وغياب “الزجر”

إن القاعدة الذهبية تقول: “لا يكون القانون قانوناً إلا إذا كان ملزماً ومراقباً”. فالنصوص التشريعية التي تمنع الاحتكار وتحدد سقف الأسعار تظل مجرد حبر على ورق ما لم تتبعها “عين حمراء” من السلطات الرقابية.

وفي هذا السياق، تبرز المفارقة العجيبة في دور جمعيات حماية المستهلك. فبينما نجدها “تعد بعدد النجوم في السماء” من حيث الكم، إلا أن حضورها الميداني يظل باهتاً وشبه غائب. هذه الجمعيات غالباً ما تكتفي بـ:

تدبيج التقارير الموسمية التي تُكتب بلغة إنشائية لا تقدم ولا تؤخر.

شعار “العام زين” والوقوف عند حدود المجاملة وتجميل الواقع، بدلاً من النزول إلى الشارع وفضح المتلاعبين والدفاع الشرس عن جيب المواطن.

آليات الاستغلال: المضاربة والاحتكار

يتفنن لصوص الأزمات في ابتكار أساليب لامتصاص دماء المستهلكين. فعند ندرة مادة معينة (كالزيت أو الدقيق أو حتى الأدوية)، يسارع هؤلاء إلى تخزينها واحتكارها لخلق حالة من الذعر ترفع السعر إلى مستويات قياسية.

ما يحدث حالياً مع أزمات الشرق الأوسط يقدم مثالاً حياً؛ حيث يستغل “تجار الأزمات” أي تذبذب في سلاسل الإمداد لرفع أسعار الخدمات والنقل بشكل جنوني، مبررين ذلك بظروف خارجة عن إرادتهم، بينما الحقيقة هي رغبة جامحة في مراكمة الأرباح على حساب آلام المحتاجين.

صمت السلطات وصرخة الشارع

أمام هذا التغول، غالباً ما تندلع احتجاجات شعبية عارمة، تعبيراً عن الضيق والاختناق. لكن المثير للاستغراب هو تمسك بعض الجهات السلطوية بالصمت المطبق، وعدم التدخل الحازم لإقرار العقوبات الزجرية في حق المخالفين.

هذا التراخي يمنح لصوص الأزمات “ضوءاً أخضر” غير مباشر لمواصلة المضاربة ورفع أسعار الخدمات. فاللص لا يخاف من “النص القانوني” بقدر ما يخاف من “تطبيق القانون”، وغياب المحاسبة الفورية يحول الأسواق إلى غابة، القوي فيها يأكل قوت الضعيف تحت مسمى “قانون السوق”.

وكخاتمة، إن محاربة لصوص الشدائد ليست مسؤولية الفرد وحده، بل هي منظومة متكاملة تبدأ من إرادة سياسية حازمة تضرب بيد من حديد على يد المحتكرين، وتمر عبر جمعيات مدنية حقيقية لا تجامل على حساب الحق، وتنتهي بوعي استهلاكي يرفض الخضوع لابتزاز الجشعين.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

6
  • الحل الوحيد .
    الأحد 5 أبريل 2026 - 19:53

    لولا انهيار النظام في فنزويلا وفك الحصار على النفط الفنزويلي لوصل سعر اللتر الواحد من النفط الى ما فوق الخمسين درهما . ترامب اعطى مهلة جديدة للنظام الإيراني من اجل فتح مضيق هرمز تنتهي في حدود الثانية عشر من ليلة الثلاثاء القادم وإلا فإنه سوف يقود حربا مدمرة تستهدف المنشآت الحيوية من مولدات الكهرباء عالية الضغط والجسور وهو ما قد يعود بالنفط الى ما دون ااخمس دراهم للتر الواحد في غضون سنة من الهجوم .

  • MC
    الأحد 5 أبريل 2026 - 20:55

    “money has no smell”
    “L’argent n’a pas d’odeur”
    “المال ليس له رائحة.”
    ( Vespasian )
    ( 9 م- 79 م: تاسع ملوك الروم)
    (غياب الأخلاقيات في طريقة تحصيل الأرباح)

    “The world has enough for everyone’s need, but not enough for everyone’s greed”
    “العالم يملك ما يكفي لحاجة الجميع، ولكنه لا يملك ما يكفي لجشع الجميع.”
    Mahatma Gandhi
    (1869- أغتيل 30 يناير 1948)

    “man is a wolf to man”
    “L’homme est un loup pour l’homme”
    “الإنسان ذئب لأخيه الإنسان.”
    Thomas Hobbes
    (English philosopher)
    (1588-1679)

    “إن أشد أنواع اللصوصية قسوة هي تلك التي تقتات على أنين المحتاج في ساعة العسرة.”

    أحييك أستاذ عبد اللطيف على هذا التشخيص الدقيق، فالمجتمع حين يفقد ضابطه الأخلاقي يتحول إلى غابة تقنن فيها الأنانية تحت مسميات اقتصادية واهية، وما وصفته بتراخي الرقابة ليس إلا ثغرة ينفذ منها الجشع لتقويض السلم الاجتماعي، لذا فإن الرهان اليوم يكمن في تحويل القوانين من نصوص جامدة إلى درع حي يحمي كرامة المواطن من “تجار الفواجع”، ففي نهاية المطاف
    “لا تستقيم حضارة يبنى فيها ثراء البعض على ركام آلام الآخرين.”

    ALHOCEIMA

  • KITAB
    الأحد 5 أبريل 2026 - 21:54

    فعلا ، هذه الظاهرة “لصوص الشدائد واﻷزمات” لا يمكن تلمسها بالواضح إلا عندما يصاب القانون بالخرس أو باﻷحرى حينما تنعدم بالكاد دولة القانون ، وهنا سأدلي بمثل انجليزي شائع ” “When times are hardest, thieves grow boldest. ” ” ، “عندما تشتد الأزمات، يزداد اللصوص جرأة.” ، بخلاف الدول التي يصان فيها منطق الحق والقانون ، لا يستطيع اللص اختلاس فرص الاغتناء ، ﻷنه يعلم أنه مطارد من قبل الجميع ليس الدولة فحسب بل المجتمع بكل توجهاته ، فقط باﻷمس شاهدنا “لخبطة” في وسائل النقل ، زيادات عشوائية غير مسبوقة ، رغم أن أصحاب هذا القطاع يتلقون دعما مباشرا من طرف السلطات ، ناهيك عن قطاعات أخرى كقطع الغيار ووو لماذا لا تنزل السلطات إلى الميادين وتراقب وتحرر محاضر خروقات القانون في هؤلاء اللصوص والمحتكرين ، سلمات

  • MC
    الأحد 5 أبريل 2026 - 22:48

    “Laws are like cobwebs, which may catch small flies, but let wasps and hornets break through”
    “القوانين مثل خيوط العنكبوت، قد تصطاد الذباب الصغير، لكنها تسمح للدبابير والزنابير بالاختراق”
    Jonathan Swift
    (1667-1745)
    (Anglo-Irish writer)

    “Where law ends, tyranny begins”
    “حيث ينتهي القانون، يبدأ الطغيان”
    John Locke
    (1632-1704)
    (philosopher)

    لقد وضعت إصبعك على الجرح أستاذي، فـ “خرس القانون” هو البيئة الخصبة التي تحول التاجر إلى مقامر بقوت الشعب، وما ذكرته عن قطاع النقل يثبت أن الدعم المالي وحده لا يكفي إن لم يرافقه “دعم أخلاقي” ورقابة ميدانية صارمة تكسر شوكة الجشع. إن صمت السلطات لا يُفهم إلا كضوء أخضر لهؤلاء اللصوص للتمادي في غيهم، مما يزعزع ثقة المواطن في مؤسساته ويجعل “الجرأة” التي ذكرتها في المثَل الإنجليزي واقعاً مريراً ينهش جسد المجتمع. لذا، فإن استعادة هيبة الدولة في الأسواق ليست ترفاً، بل هي صمام أمان لمنع انزلاقنا نحو “شريعة الغاب” حيث تُباع السكينة لمن يدفع أكثر. ختاماً، يبقى الوعي المجتمعي هو الحارس الأول، فالحق الذي وراءه مُطالب لا يضيع مهما بلغت جرأة اللصوص.

    ALHOCEIMA

  • Hassan
    الإثنين 6 أبريل 2026 - 02:03

    اعتقد ان ابشع لصوص الشدائد هم أصحاب بعض العيادات الخاصة اناس يفترض انهم ملائكة الرحمة فيصبحون مصاصي دماء مريض انهكه المرض و الدولة لم تضمن له حقه في العلاج . يتصرفون كأن المريض عملية تجارية شيك ضمان و عمولة تحت الطاولة ( نوار ) و تبادل المنافع مع اصحاب المختبرات و التحاليل الطبية و الشبه طبية و . و

  • amaghrabi
    الإثنين 6 أبريل 2026 - 09:17

    مقالك سيدي عبد اللطيف المحترم وتعاليق الاساتذة المحترمين يذكرني ببيت شعري معروف “متى يتم البنيان تمامه ,اذا كنت تبني وغيرك يهدم” صراحة هناك ارادة سياسية واضحة من عاهل البلاد ومن كثير من الاحرار المغاربة الذين يشاركون في نشر القيم السامية من اجل خلق مجتمع مثالي يشارك قولا وفعلا من اجل انجاح بناء هذا الوطن على اسس العدالة الاجتماعية ولكن مع الاسف هناك من يشارك في هدم او عرقلة البناء سواء كان داخل الادارات العمومية او من التجار والفلاحين والمهن المتعددة مما يجعل المواطن المغربي يقف حائرا امام مجتمعه الاداري والسياسي وعامة الناس الذين اصبحوا أنانيين لا تهمهم الا مصالحهم الشخصية او الذاتية بحيث كثر الفساد في جميع الحركات التجارية والسياسية في وطنا والغش والفساد اصبح منتشرا بقوة في وطننا رغم ان هناك من يدق ناقوس الخطر باستمرار ولكن لا حياة لمن تنادي

صوت وصورة
مضادات "درون" مصنوعة مغربيا
السبت 10 أكتوبر 2026 - 21:30 5

مضادات "درون" مصنوعة مغربيا

صوت وصورة
الدار البيضاء تتضامن مع غزة
السبت 10 أكتوبر 2026 - 20:15 7

الدار البيضاء تتضامن مع غزة

صوت وصورة
سعر الدجاج بـ24 درهما
السبت 10 أكتوبر 2026 - 19:45 11

سعر الدجاج بـ24 درهما

صوت وصورة
لشكر .. تحالف "البام" والكتلة
السبت 10 أكتوبر 2026 - 19:15 9

لشكر .. تحالف "البام" والكتلة

صوت وصورة
صقور السعودية في سماء مراكش
السبت 10 أكتوبر 2026 - 16:32 4

صقور السعودية في سماء مراكش

صوت وصورة
لشكر وحكومة المنصوري
السبت 10 أكتوبر 2026 - 13:57 12

لشكر وحكومة المنصوري