المرزوقي والهجوم الجزائري

المرزوقي والهجوم الجزائري
الإثنين 24 غشت 2026 - 19:41

تبرز قضية الهجوم الذي تعرض له الرئيس التونسي السابق منصف المرزوقي في بعض الأوساط والخطابات الإعلامية والسياسية الجزائرية، مادة غنية لفهم طبيعة الصراعات السياسية والإعلامية التي ما تزال تحكم الفضاء المغاربي. فالمسألة، في جوهرها، تتجاوز شخص المرزوقي ومواقفه الفردية، لتكشف عن مستويات مترابطة تتصل بالصراع الجزائري المغربي، وأزمة الاتحاد المغاربي، وحدود الاختلاف السياسي في المنطقة، فضلاً عن توظيف تهمة “العمالة” والارتباط بالخارج في مواجهة المواقف التي لا تنسجم مع بعض الطروحات السياسية السائدة.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه في هذا الإطار: لماذا أصبح منصف المرزوقي هدفاً لهذا الهجوم؟

يبدو، من خلال الحوار الذي أدلى به المرزوقي لجريدة “القدس العربي”، أن أحد المفاتيح الأساسية لفهم ذلك يرتبط بموقفه من قضية الصحراء المغربية وانتقاده للسياسة الجزائرية تجاه المغرب. فالمرزوقي لا يكتفي بإعلان تأييده للطرح الرسمي المغربي، وإنما يربط استمرار النزاع بتعطيل مشروع الاندماج المغاربي، ويرى أن استمرار القطيعة بين الجزائر والمغرب لا يخدم، في نهاية المطاف، مصالح شعوب المنطقة، بل يكرس منطق الصراع ويعمق حالة الانقسام داخل فضاء يفترض أن تجمعه جغرافيا واحدة وتاريخ مشترك ومصالح متداخلة ومستقبل يحكمه.

من هنا، تتحول مواقف المرزوقي من مجرد آراء صادرة عن رئيس تونسي أسبق إلى مواقف تمس بصورة مباشرة إحدى أكثر القضايا حساسية في المشهد الجيوسياسي الجزائري. ذلك أن المسألة لا تتعلق فقط بكونه يتبنى موقفاً مختلفاً من قضية النزاع حول الصحراء، وإنما بكونه يضع هذا الموقف ضمن رؤية أوسع تقوم على المصالحة الجزائرية المغربية، وفتح الحدود، وإعادة إحياء مشروع الاتحاد المغاربي. وبذلك يصبح الاختلاف معه، في سياق الاستقطاب الحالي، أكثر من مجرد اختلاف في التقدير السياسي.

ما يلاحظ في الهجوم الذي تعرض له المرزوقي، هو الانتقال من مناقشة أفكاره ومواقفه إلى التشكيك في ولائه واتهامه بالعمل لصالح فرنسا والمغرب. وهذه ليست آلية جديدة في الصراعات السياسية؛ فعندما يصعب تفنيد الفكرة أو مواجهة الحجج التي تستند إليها، يصبح من الأسهل أحياناً التشكيك في صاحبها وفي دوافعه ونواياه.

لكن نعتقد أن هناك فرقاً جوهرياً بين أن يتوافق سياسي أو مثقف مع موقف دولة معينة، وبين أن يعمل لحساب تلك الدولة. ذلك أن التوافق في المواقف السياسية حق طبيعي يمكن مناقشته أو رفضه أو نقده، أما الاتهام بالعمالة فهو ادعاء مختلف يحتاج إلى أدلة، لا إلى مجرد الاختلاف في الرأي.

من الصعب، في هذا السياق، قراءة الهجوم على المرزوقي بمعزل عن الصراع الجزائري المغربي، الذي تحول خلال العقود الماضية إلى أحد أكثر العوامل تأثيراً في تعطيل مشروع التكامل المغاربي. فأي شخصية مغاربية تنتقد استمرار هذا النزاع أو تدعو إلى تسوية سياسية تقترب من الرؤية المغربية، تصبح، في سياق الاستقطاب الحالي، عرضة لأن تصنف باعتبارها منحازة إلى المغرب، كما حصل على سبيل المثال لا الحصر مع الكاتب بوعلام صنصال. لكن ما يجعل موقف المرزوقي أكثر إثارة للجدل هو أنه لا يتوقف عند حدود التعبير عن موقف من قضية الصحراء، بل يذهب إلى طرح المصالحة الجزائرية المغربية باعتبارها مدخلاً ضرورياً لإعادة بناء الفضاء المغاربي، بل ويستحضر مقترحه المتعلق بإتاحة منفذ للجزائر على المحيط الأطلسي باعتباره جزءاً من تصور للمصالحة التاريخية بين البلدين.

هذا الطرح يكشف عن مفارقة مغاربية عميقة: الجغرافيا تجمع دول المنطقة، بينما تحول السياسة هذه الجغرافيا نفسها إلى مصدر للتباعد. فالمغرب والجزائر دولتان متجاورتان، تجمعهما روابط تاريخية وبشرية واقتصادية وثقافية عميقة، لكن الخلاف السياسي بينهما أصبح عاملاً في تعطيل مشاريع يفترض أن تكون موجهة إلى خدمة شعوب المنطقة بأكملها.

ولذلك فإن استحضار المرزوقي لفكرة الاتحاد المغاربي ليس تفصيلاً عابراً، بل يمثل جزءاً أساسياً من فهم موقفه ومن أسباب الجدل الذي أثارته تصريحاته الإعلامية في أكثر من مناسبة. فالمرزوقي يستحضر في تصريحاته الصحفية تجربته خلال سنة 2012، عندما سعى، بحسب روايته، إلى عقد اجتماع للدول المغاربية الخمس من أجل إعادة الحياة إلى مشروع الاتحاد المغاربي. وهو بذلك يقدم نفسه ليس باعتباره طرفاً في الخلاف الجزائري المغربي، وإنما باعتباره صاحب تصور يتجاوز هذا الخلاف نحو إعادة بناء المجال المغاربي على أساس التحديات الراهنة والمصالح المشتركة.

وهنا تصبح قضية الصحراء، في خطابه، جزءاً من سؤال أكبر وأكثر جوهرية: هل يمكن بناء اتحاد مغاربي فعلي في ظل استمرار الصراع بين الجزائر والمغرب؟

يمكن، من هذه الزاوية تحديداً، فهم انتقاده للسياسة الجزائرية، التي يعتبر أنها ساهمت، بحسب ما نقله في حواره مع “القدس العربي”، في ما وصفه بـ”الموت السريري” للاتحاد المغاربي، مما أثار ردود فعل قوية داخل الجزائر عكسها رد السفير السابق عمار بلاني. وبغض النظر عن مدى الاتفاق أو الاختلاف مع هذا التقييم، فإن السؤال الذي يطرحه يظل مشروعاً: إلى متى يمكن لدول الاتحاد المغاربي أن تبقى أسيرة خلافاتها الثنائية، بينما تتسارع التحولات الإقليمية والدولية، وتتزايد التحديات والرهانات، وتتقدم تكتلات إقليمية أخرى على أساس التعاون والتكامل والمصالح المشتركة؟

وهنا تبرز مفارقة أخرى تستحق التوقف عندها. فالمرزوقي لا يواجه الجدل فقط باعتباره صاحب موقف من قضية الصحراء، وإنما باعتباره أيضاً أحد الرموز السياسية التي ارتبطت بمرحلة “الربيع العربي”. ولذلك يمكن قراءة الهجوم عليه ضمن سياق أوسع يتعلق بالصراع حول تقييم مرحلة ما بعد 2011، وحول النموذج السياسي الذي أفرزته الثورات والانتفاضات الشعبية، وما إذا كانت الديمقراطية والحقوق والحريات قد شكلت بالفعل بديلاً قابلاً للاستمرار أم أنها تحولت إلى مرحلة عابرة في تاريخ المنطقة.

إن قضية الصحراء، في هذا السياق، لم تعد مجرد نزاع إقليمي حول الأرض والحدود، وإنما أصبحت، بفعل طول أمدها وتشابكها مع الحسابات الأمنية والسياسية، جزءاً من الهوية السياسية والجيوسياسية للدول المعنية. ولهذا أصبح الموقف منها شديد الحساسية، بحيث لا ينظر إليه دائماً باعتباره مجرد رأي في قضية دولية قابلة للنقاش، وإنما باعتباره مساساً بتصور الدولة ومصالحها وموقعها الإقليمي.

ومن هنا يمكن القول إن الجدل حول منصف المرزوقي لا يتعلق، في جوهره، بشخصه فقط، بقدر ما يعكس مواجهة مع مجموعة من المواقف التي يمثلها: المصالحة الجزائرية المغربية، وإحياء الاتحاد المغاربي، وانتقاد استمرار النزاع حول الصحراء، والدفاع عن النموذج الديمقراطي الذي أفرزته ثورات “الربيع العربي”.

ولعل أخطر ما يكشفه هذا النوع من الصراع هو الانتقال من مناقشة الأفكار والمواقف إلى التشكيك في النوايا واتهام أصحابها بالعمالة. فعندما يصبح الاختلاف السياسي قرينة على الخيانة، يتحول النقاش العمومي من فضاء لتبادل الحجج إلى ساحة للتخوين والوصم، ويصبح المطلوب ليس مناقشة الفكرة، وإنما إسكات صاحبها وتصنيفه.

وفي الحالة المغاربية تحديداً، تبدو المفارقة أكثر وضوحاً؛ إذ كيف يمكن الحديث عن بناء اتحاد مغاربي قوي، وعن مستقبل مشترك لشعوب تجمعها الجغرافيا والتاريخ والمصالح، بينما لا يزال الاختلاف في الرأي حول إحدى أكثر القضايا حساسية كافياً لتحويل صاحب الموقف المخالف إلى خصم أو “عميل” أو ما شابه ذلك؟

السؤال، في النهاية، ليس فقط: لماذا أصبح منصف المرزوقي هدفاً للهجوم في الجزائر؟ بل سؤال أعمق: متى تتوقف المنطقة المغاربية عن التعامل مع الاختلاف في المواقف باعتباره خيانة، وتبدأ في النظر إليه باعتباره حقاً طبيعياً من حقوق التعدد السياسي والفكري؟

فالمصالحة المغاربية لا تبدأ بالضرورة من توحيد المواقف، وإنما من القدرة على إدارة الاختلاف. والاتحاد المغاربي لن يُبنى بإلغاء التباينات بين دوله ومجتمعاته، وإنما بالاعتراف بها وإدارتها ضمن إطار من الحوار والاحترام المتبادل.

لكن ما هو أكيد، أن المرزوقي لم يصبح هدفاً للهجوم بسبب موقفه من قضية الصحراء المغربية وحدها، وإنما لأن هذا الموقف يندرج ضمن تصور سياسي أوسع يقوم على المصالحة الجزائرية المغربية، وفتح الحدود، وإحياء مشروع الاتحاد المغاربي. وهو تصور يتجاوز حدود الخلاف حول الصحراء ليصطدم مباشرة بمنطق الاستقطاب الإقليمي الذي جعل من هذه القضية إحدى أدوات الصراع والنفوذ في المنطقة.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

1
  • HASSANE CHALABI
    الإثنين 24 غشت 2026 - 23:55

    الهجوم الجزائري واضح جدا أنه لمس جوهر الخلاف وهو عرقلة الجزائر اشتغال الاتحاد المغاربي واقحام نفسها بلا خجل في موضوع منطقيا لا يعنيها وهو قضية الصحراء المغربية…اليوم حتى الأطفال يعرفون من يعرقل الإتحاد المغاربي ويعرفون ان مبدأ تقرير الذي تدعي الجزائر الدفاع عليه لم تجرؤ حتى التلميح له في قضايا عديدة مثل الشيشان او كوسوفو او إقليم الباسك الاسباني وكطالونيا والقبايل وغيرها ..للأسف موقع المغرب رغم أهميته الجيوسياسية غير انه محاط بأعداء تعرف بالغدر سواء الجار الشرقي او الجار الشمالي الذي لا يؤتمن ابدا.

صوت وصورة
أشغال تهيئة مشروع المحج الملكي
الثلاثاء 13 أكتوبر 2026 - 12:12 2

أشغال تهيئة مشروع المحج الملكي

صوت وصورة
متحف الثقافة اليهودية المغربية بفاس
الثلاثاء 13 أكتوبر 2026 - 00:40 4

متحف الثقافة اليهودية المغربية بفاس

صوت وصورة
ميطا 3 | "أسود الفوتسال" يكتسحون الجزائر
الإثنين 12 أكتوبر 2026 - 22:52

ميطا 3 | "أسود الفوتسال" يكتسحون الجزائر

صوت وصورة
"إنوي" تطلق قافلة الألياف البصرية
الإثنين 12 أكتوبر 2026 - 22:45

"إنوي" تطلق قافلة الألياف البصرية

صوت وصورة
"اتصالات المغرب" تعزز الأمن السيبراني
الإثنين 12 أكتوبر 2026 - 21:49 1

"اتصالات المغرب" تعزز الأمن السيبراني

صوت وصورة
حنان والإصرار على النجاح
الإثنين 12 أكتوبر 2026 - 12:47 7

حنان والإصرار على النجاح