قال عبدولاي دور صو، أستاذ جامعي متخصص في الأنثروبولوجيا بجامعة نواكشوط الموريتانية، إن “جائحة “كورونا” تطرح تساؤلات كثيرة بشأن عودة الأنظمة السياسية إلى دولة الرفاهية بمعناها الاجتماعي، بفعل حلول هذه الجائحة التي جعلت عالم اليوم محط تساؤل”.
وأضاف دور صو، خلال اليوم الثاني من أشغال “ليلة الفلاسفة” التي ينظمها المعهد الفرنسي بالمغرب، أن “جائحة “كورونا” أثرت على جميع الفواعل الوطنية دون استثناء، حيث جعلت المجتمعات تولي أهمية كبرى للتدابير الصحية الاحترازية، التي يأتي على رأسها التباعد الجسدي ووضع الكمامة الواقية”.
وقال الباحث الجامعي إن “العدو الخفي (كورونا) لما يحل بمجتمع تُجهل تداعياته”، موضحا أن “الواقع الكائن يتغير في الغالب، خاصة على المستوى الاقتصادي، بفعل إغلاق المجالات الحدودية، وهو ما أدى بالضرورة إلى انعزالية الشعوب، ومن ثمّ قيام أسس التضامن الاجتماعي من جديد بين الأسر”.
وتابع المتحدث ذاته قائلا إن “الفيروس العالمي أعاد النقاش القديم بخصوص أدوار الدولة من حيث تحقيق الأمن وتوفير السلام للأفراد، ذلك أن “كورونا” حاولت أن تبث الهلع في نفوس المواطنين، وبالتالي النظام العام، مما تطلب إعادة الدور الاجتماعي للدولة”.
“لو كان الجميع يلتزم بالتدابير العامة لما احتجنا إلى الدولة بالأساس، ولكن استحالة ذلك يفرض استعمال الدولة لما يسمى بالعنف المشروع، طبقا لأطروحة ماكس فيبر، حيث تتحمل الدولة مسؤوليتها من أجل فرض النظام العام”، يضيف دور صو، الذي أبرزَ أن “تجارب الدول الديمقراطية الليبرالية خلال جائحة “كورونا” سلطت الضوء على أدوار الدولة على الصعيد الفلسفي”.
وتابع “في مقابل ذلك، هناك دول ديكتاتورية تستعمل العنف لفرض قوتها، من قبيل الصين وكوريا الشمالية”، مردفا “بذلك تثار اليوم جملة من التساؤلات الفلسفية حول طبيعة النظام السياسي في المستقبل، من حيث توظيف العنف المشروع وتنظيم مكونات المجتمع، وغيرها من الجوانب الموضوعية”.
وذكر الباحث الجامعي في الندوة الافتراضية، التي بُثّت على الصفحة الرسمية للمعهد الفرنسي بالمغرب، بأن “جائحة “كورونا” أظهرت للجميع أهمية التضامن بين الأفراد والجماعات والشعوب والدول، وهو ما يؤكد إلحاحية التساؤلات المشروعة التي تطرح بشأن ملامح الدولة المستقبلية”.
ولفت المصدر عينه الانتباه إلى أن “الجائحة سلطت الضوء على التضامن الاجتماعي، بفعل النقص الذي حصل في الكمامات الواقية، وضعف الأطر الصحية، وانعدام البنيات الصحية في العديد من البلدان”، مشيرا، في هذا الإطار، إلى المبادرة المغربية التي أرسلت تجهيزات طبية إلى دول إفريقية عدة، بينها “بلاد شنقيط”.
وبخصوص مدى إمكانية العودة إلى دولة الرفاهية بعد انحسار “كوفيد- 19″، أكد الباحث ذاته أن “الدولة صار لزاماً عليها توجيه السياسات بما يخدم مصالح المواطنين، وهو ما لاحظناه فيما يتعلق بصناعة الكمامات الواقية والأجهزة التنفسية، حيث اتجهت كثير من الدول إلى تصنيعها على الصعيد المحلي عوض الاستعانة بالدول الآسيوية، وهو ما مكن من امتصاص البطالة وتحقيق فوائد اقتصادية مهمة في الوقت نفسه”.
وخلص الأستاذ الجامعي إلى أن “اللقاح الخاص بفيروس “كورونا” طرح تساؤلات أيضا حول استفادة الأفراد منه، وهو ما يصب في نقاش عودة دول الرفاهية، لأن الدولة عليها التدخل قصد ضمان الولوج إليه، والعمل على مجانيته في بعض الأحايين، لأن دولة الرفاهية أصبحت ضرورية لتحقيق التماسك الاجتماعي في قطاعات حيوية، في مقدمتها قطاع الصحة”.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.