متاهات الخبر الصحفي

متاهات الخبر الصحفي
الثلاثاء 17 مارس 2009 - 09:00

السؤال حول معنى الصحافة، لا يتعلق فقط بسؤال الماهية، بل يرتبط كذلك بأشكال الممارسة الصحفية، التي تحول تدريجيا دلالات الصحافة المتعددة و المختلفة. من المعلوم أن سبر أغوار تاريخ الصحافة، يعد مقدمة ضرورية لفهم الحاضر الصحفي. يظل سؤالي في هذا السياق هو كالآتي: كيف يمارس الصحافي عمله و ما هي الضوابط التي تجعل من عمله أمرا مقبولا و متعارفا عليه؟ فبالرغم من اختلاف المدارس الصحفية وتوجهاتها العامة، يعلم الممارس للعمل الصحفي، بأنه و قبل أن تتلقى الجماهير الخطاب الصحفي، تمر المادة الصحفية بمراحل جد معقدة و عمليات خاصة. ونبدأ بالمادة الأساسية في هذه الورقة، و يتعلق الأمر بالخبر الصحفي. فلماذا يجب التطرق إلى الخبر ؟ يقول بيير سورماني ” إن الخبر هو السؤال الأول الذي يطرحه كل صحافي، فهو العنصر الجديد الذي يخلق أو يحول واقعا يلبي خدمة عمومية، و نقطة الانطلاق لتحرير نص صحفي أو إذاعته على الهواء “(1).



إن الخبر الصحفي لا يصبح مادة قابلة للاشتغال عليها من طرف الصحافي، إلا إذا توفرت فيه عدد من الشروط، على رأسها أن يكون الخبر فيه حقيقة واقعية (هنا الصحافي يتحدث لغة الواقع و ليس لغة الأدب) ، و جديدا، و فيه دلالة أو معنى يعرض أمام الجماهير. هذه العناصروغيرها تشكل مجتمعة، أسس الخطاب الصحفي الأولية و التي هي ما يؤرخ به الصحافي الحياة اليومية للناس .



وضعية الصحافة اليوم تشير إلى العديد من القضايا الشائكة، و الإشكالات التي ليس من السهل الخروج منها. و معرفة ضوابط الخبر، و مسارات تشكله، يعد لبنة أولى لفهم الحاضر الصحفي المثير للجدل أكثر من أي وقت مضي. الأدبيات الصحفية تركز على ضرورة خضوع الخبر لعمليات معينة قبل قبول صلاحيته، كالمعرفة و الانتقاء و القيمة و التنظيم و التحرير واللغة…كتابات عديدة تطرقت إلى هذه الشروط التي قد تحول الصحافي إلى تقني يركب خبرا معينا، إذا لم ينتبه إلى هوامش الممارسة و التعبير التي تتاح له بشكل أو بآخر داخل المؤسسة . الصحافي قد يلتجئ إلى خلق هوامشه الإبداعية متجاوزا منطق و نوعية الجملة و اكراهات العبارات الصحفية المتداولة، و محاولة التخلص من الأخطاء الشائعة عن وعي أو عن غير وعي، لان الأهم في الكتابة الصحفية تحدده لين روس كما يلي: ” أن نكتب معناه، أننا نريد أن نقول شيئا نفهمه على الوجه الأكمل “(2).



إن الخبر يأخذ شكله النهائي في ما تسميه المدرسة الصحفية الأمريكية بالهرم المقلوب، حيث توجد العناصر الأساسية في الخبر في مقدمة النص الإخباري Le Lead / Le chapeau، أما آخر عناصر المادة الخبرية، فينبغي أن تحرر في خاتمة النص. هذا المنطق، يتم استحضاره في كل الأجناس الصحفية. وليس بغريب أن يستند الصحافي على الخبر، كحجر أساسي لبناء هذه الأجناس التي يتعامل معها الصحافي يوميا داخل غرفة التحرير. مسألة الأجناس تخضع هي الأخرى لقواعد عامة ترمي إلى تحقيق التباين، و ليس الاختلاف الجذري، بين التحقيق و التقرير، أو المقال الافتتاحي و النقد…و بالرغم من بساطة هذه الأنواع في ظاهرها، فإن السقوط في مطبات الخلط بينها غالبا ما ينتشر في المجال الصحفي، و خاصة في البلدان التي لم تصل بعد إلى ضبط الممارسة الصحفية في إطار قواعد علمية، (العلمية هنا تعني أسس الممارسة الصحفية و الإعلامية و التواصلية التي تتوخى الموضوعية النسبية و تشترط الحياد ).



إشكاليات الخبر و الأجناس الصحفية ليست نهائية أو قطعية، بل هي مفتوحة. فمتاهاتها دفعت بإنياس راموني إلى القول : إن ” الإعلام متعب “(3). متاعب بناء الخبر و علاقته بالأجناس الصحفية أدت إلى تحويل مفهوم و معنى أحداث الساعة . فإينياس راموني يتساءل في ديكتاتورية التواصل عن الكيفية التي بموجبها يتم انتقاء الأخبار و الأحداث….سؤال مشروع في ظل تسارع وتيرة عمليات الإخبار، المؤثرة بالدرجة الأولى على الصحافة المكتوبة. فشبكة الانترنيت وضعت الجماهير و المتلقي أمام رهان جديد، وطوفان الأخبار التي يستهلكها الناس كل ثانية من مصادر مختلفة، يجعل كيفية استيعابها و درجة فهمها، و حتى إمكانية التأمل في الحدث غائبة. فلا الصحافي و لا أولئك الذين ينتظرون معرفة شؤون الساعة يستطيعون الانتظار. فهل يصح التوقع ببداية نهاية التفكير الذي يحتاج إلى منطق زمني مغاير ؟



هوامش:



1- Pierre SORMANY, Le métier de journaliste, Ed. Boréal, Québec, Canada, 2000, p59



2-Line Ross, L’écriture de presse : l’art d’informer, Ed .Gaëtan morin Québec, Canada, 1990, p2



3- Ignacio Ramonet, La tyrannie de la communication, Ed Gallimard, collection Folio/Actuel, p271



* صحافي وكاتب مغربي مقيم في برلين



http://falsafa.maktoobblog.com

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

1
  • youness
    الثلاثاء 17 مارس 2009 - 09:02

    ce sont ces critères qui manquent pour certains journalistes le niveau de certains articles de nos journaux sont médiocres au niveau style analyse developpement des commentaires et les sources d’information

صوت وصورة
حكايات ما تقالتش | الرابور علي صامد
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 23:30

حكايات ما تقالتش | الرابور علي صامد

صوت وصورة
ميطا 3 | هل حسم المغرب لقب "الكان"؟
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 21:23

ميطا 3 | هل حسم المغرب لقب "الكان"؟

صوت وصورة
ليلة رعب في أولاد عياد
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 20:45

ليلة رعب في أولاد عياد

صوت وصورة
المعارضة وتفعيل التوجيهات الملكية
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 20:30

المعارضة وتفعيل التوجيهات الملكية

صوت وصورة
إشادات بمضامين الخطاب الملكي
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 20:02

إشادات بمضامين الخطاب الملكي

صوت وصورة
الملك محمد السادس يترأس افتتاح البرلمان
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 16:00

الملك محمد السادس يترأس افتتاح البرلمان