العالم بتحولاته الراهنة، يعيش اضطرابات، هي حصيلة مستجدات اقتصادية داخل المجتمعات وقد امتدت للعالم من خلال العلاقات الاقتصادية في صيغتها التجارية، مما دفع بالكل إلى إعادة التفكير في السياسة نفسها، لتتلاءم مع ما تعرفه المجتمعات من اختلالات، بحيث اهتزت التوازنات الاجتماعية المتحكمة في العلاقات بين الأفراد والتجمعات البشرية، لتفرض أنانية تجاوزت القيم الفردية، التي طالما دافعت عن الاقتصادات الرأسمالية الحرة ودعمتها دفاعا عن حرية التملك والإنتاج، لتحقيق الرفاهية التي تطال الكل وإن بشكل متفاوت، فما الذي حدث وما هي هذه المستجدات التي أحدثت التحولات المجتمعية وامتدت للعلاقات الدولية، منذرة بحدوث مواجهات تجارية، ربما تشتد فتؤدي لحروب ومواجهات بين الجيران جغرافيا والتحالفات؟؟
1 – مخلفات التهديد:
بعد انتشار جائحة كورونا وانكماش المجتمعات والدول، واكتشافها لهشاشة الحياة البشرية رغم انتشار علوم العلاجات والإسعافات، المدعومة بتطور علوم الحياة، بما هي تأمين لاستمرار الوجود البشري، شعر البشر بخطورة العزلة وضرورتها في الوقت نفسه، بحكم انتشار العدوى، مما تولد عنه التوجس من الغير والحذر منه، وهي حالة، نبهت لحساسية العيش المشترك في لحظات الضعف والخوف من القادم، فكانت تلك تجربة غريبة، عاشتها الدول والمجتمعات، كأنها تجربة تثبت بها حصانتها وقوتها من خلال القبول بتضييق حدود الحرية والتضحية بكل القيم التي طالما تم الدفاع عنها باعتبارها كونية وعادلة، تذكر بوحدة المصير وضرورة التعاون بين الأفراد والدول أيضا.
فالموت قد لا يعلم أكثر من الخوف منه، هذا الخوف كفيل بخلق عادات، كانت غير مستحبة وربما مكروهة، لكنها فرضت نفسها فعكف العالم المتحضر على القبول بها وأحيانا الدفاع عنها، إنها قيمة تضحي بكل شيء في سبيل حفظ الحياة والدفاع عنها ولو مست حياة الآخرين، فانبعثت قيم الرفض لكل ما يهدد الفرد وجماعته رغم الاحتراز المفروض على الحد من الانفتاح على الغير ولو داخل المجتمع الواحد.
ما انطبق على الأفراد امتد للدول كفردانية دولاتية، همها حماية ذاتها بما يؤمن حياة الأغلبية من شعوبها، مع التشكيك في قدرات العلم على حفظ الوجود وتأمينه، بعيدا عما تولد في المجتمعات غير المتقدمة من تذكير بنهاية العالم، وغضب الطبيعة أو الآلهة وهو ما بدا بؤسا جماعيا، عبرت عنه المجتمعات حسب ثقافتها وقدرها على التكيف مع ما يبدو غريبا رغم أن البشرية عايشت طيلة تاريخها جوائح عصفت بالمجتمعات، لكن الذاكرة لم تسعف في استحضار ما حدث، بحكم تباعد زمنها وعدم وجود من عاشوها أو عايشوا ارتداداتها.
2 – الحروب:
اعتبرت تصادما للمصالح وفشل التدبير القانوني في الحد منها، بفعل ضعف مؤسسات الأمم المتحدة في خلق توازنات بين القوى المتصارعة، التي شكلت تحالفات، بتفكك إحداها أو ضعفه، سعت الدول المنتصرة للوصول إلى دول نفوذه السابق، أي روسيا والصين، واللتان لن تسمحا لأي حليف للولايات المتحدة الأمريكية من الاقتراب من حدودها، أو كسب ليف على حدودها أو مياهها الإقليمية أو حتى الدولية القريبة.
هكذا حتمت المصالح البحث عن حلفاء وإغرائهم للتحول إلى مخالب، تستخدم لإضعاف الخصوم والأعداء على السواء، فصارت الدول غير المتقدمة، تحتمي ببعضها أو تسلم اقتصادها للأقوياء من جيرانها، دفعا لكل مواجهة محتملة مع الأقوياء، إما بالاقتصاد القاري والدائرين في فلكه، أو التحالف العسكري، الناتو.
لكن الرد كان بتحالف آخر اقتصادي، وهو البريكس، البرازيل، جنوب إفريقيا، روسيا الصين، لتنضاف إليهم مصر وبعض دول الخليج، القابلة به أو المتحفظة منه حتى في حضورها كملاحظة لاجتماعاته، وهو بديب اقتصادي وتجاري، أدرك ضرورة تعدد الأقطاب كما دعت إليه الجمهورية الصينية، في رؤيتها للعلاقات الدولية، وتقديمها لبدائل، أقل حيفا مما تدعو إليه دول السوق الأوروبية المشتركة والولايات المتحدة الأمريكية.
3 – الاقتصاد القهري:
إنه ما يشبه، خلق قوانين مالية وأنشطة اقتصادية نموذجية، لتحفيز الاستهلاك والإنتاجية بدون خسارات محتملة أو أزمات دورية، من قبيل خلق تحالف دولي بين أثرياء العالم، لعدم القبول بالمزيد منهم من خارج مجالهم الجغرافي، أو تحويلهم لوكلاء اقتصاديين، بعد فشل الوكلاء السياسيين في فرض هيمنتهم الاقتصادية على خيرات أوطانهم، بالتصدير غير المصنع أو الشبه مصنع، مع تنشيط شركات التحفيز الاستهلاكي للمواد المستوردة أو المصنعة داخل الشركات الدولية، ذات الرأسمال الأجنبي أو المشترك.
من مظاهره، هيمنة الاقتصادي على السياسة، التي صارت خادمة له، وممتثلة لأقويائه من أثرياء العالم الصناعي، الخالقين للنخب التجارية والفلاحية الإقطاعية وحتى السياحية، والحارسين على مراقبة توسعها بعيدا عما هو علمي حساس، لأنه مهدد لأهم مصادر قوتها التكنولوجية والصناعية، وكأنها تقول لمرافقيها، اغتنوا كما شئتم، وانتشروا أينما شئتم، ولا تفكروا في مآل العالم أو حرية تدفق العلم فيه وتقاسمه معهم، فقد صار سلاحا مهددا للهيمنة التي منها تقتاتون وتغتنون.
4 – العولمة المشروطة:
بدأت العولمة كرد اقتصادي على كونية القيم، خصوصا المساواة بين الثقافات ووحدة القيم المشتركة وسموها على كل ما هو خاص ومحلي، بمعنى أن الثروة وطرق تحصيلها، هي الموحدة للعالم، مع الحذر من عولمة العلوم، التي صارت قوة باتجاهها للتسلح، وما يليه من قدرة على التصنيع، الذي يمكن عسكرته بتطور تكنولوجي دقيق، لقطع المسافات وخلق تقنيات صانعة ومهددة للخصوم والأعداء.
صارت العولمة مقتصرة على القوى الغربية والسابحين في فلكها بعد القبول بشروطها، والخضوع لما يمليه القطب الواحد، أي المنفلت حتى من الغرب، وخلقه لغرب آخر برغماتي، يتمثل في الاتجاه الإنجلوساكسوني، بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية وكندا.
من هنا ظهر البديل المضاد، المختلف عن بعضه تاريخا وعرقا وحتى قيما أحيانا، لكنه استوعب اللعبة بقواعده الخاصة، مدركا، أن التحالفات المصلحية استراتيجية أكثر من الإيدولوجيات التي سبق أن كانت محطة للتحالف وشرطا له، مع رسم مسبق لحدود التلاقي والاختلاف، دون المس بقواعد مواجهة الخصوم الساعين لمحاصرة الداعين لتعدد القوى والأقطاب، وتجديد المؤسسات الدولية كحارسة للأمن الدولي ومشاركة فعالة في وقف الحروب والعدوان.
خاتمة:
العالم حاليا تتجاذبه اتجاهات العنف والسلم، السيطرة والحوار، لكن دوله، صارت تؤمن أكثر من أي وقت مضى، بضرورة تملك القوة والاستعداد للرد بها إذا ما دعت الحاجة لذلك، فلا أحد آمن أو محصن بما يكفي ليأمن على وجوده واستمراره، والأدلة أكثر من أن تحصى، فالدول متخوفة من اختلال توازناتها الداخلية، ومن خصومها مهما كانت المسافات الفاصلة بينها وبينهم، ومهما كانت تقاربات وجهات النظر، إنه التوجس من كل محيط متحرك بعدائية، لا أحد يأمنها أو يطمئن لعقلنة العلاقات والتحكم فيها.
“الحضارة الحقيقية ليست في قدرة المجتمعات على بناء الجدران، بل في شجاعتها على فتح النوافذ.”
أستاذي،
افتتحتُ ردي بهذه العبارة لأني أجد فيما كتبتم تجسيدًا لاختبار عميق تمر به الإنسانية اليوم حيث انكشفت هشاشة القواعد القديمة، وارتفعت جدران جديدة بين الشعوب والدول، تشيدها المخاوف والمصالح قبل أن تصنعها قوانين السياسة ومؤسسات الاقتصاد.
مقالك قدم تشخيصاً دقيقاً لأمراض العصر: خوف الإنسان من أخيه الإنسان، تحول السياسة إلى تابع للاقتصاد، وانهيار مفهوم العولمة المتكافئة. لكنني أتساءل عما إذا كنا نبالغ في تقدير قوة هذه المتاهات، ونستهين بقدرة البشر على اختراق الجدران التي يبنونها بأيديهم.
صحيح أن الجائحة علمتنا الخوف، لكنها أيضاً علمتنا دروساً في المرونة والتضامن. لقد رأينا علماء من كل أنحاء العالم يتعاونون لتطوير اللقاحات في وقت قياسي. رأينا جيراناً يهتمون ببعضهم في زمن العزلة. هذه لمحات من النور يجب ألا تغيب عنا.
السؤال الذي يشغلني: هل يمكن أن تكون هذه المتاهات فرصة لنا لإعادة اختراع أنفسنا؟
“ليس المهم كم هي متاهات العالم معقدة، بل المهم هو عدد الجسور التي نستطيع بنائها داخلها”
ALHOCEIMA