متى نصنع من الطين طيورا؟

متى نصنع من الطين طيورا؟
الثلاثاء 13 ماي 2025 - 12:58

المفروض في القنوات التلفزيونية، الخاصة والرسمية، أن تشتغل في إطار استراتيجية تنموية متكاملة، آنية وتوقعية؛ اعتبارًا لدينامية التحول السريعة.

والمفروض فيها أيضًا أن تكون محايدة سياسيًا، دون أن يعني هذا الابتعاد عن السياسة؛ بما هي مدرسة للتشبع بقيم الديمقراطية.

الحياد هنا يعني الانخراط الإيجابي في تحقيق التوازن، وتكافؤ الفرص بين التيارات السياسية الحية كلها؛ واعتبار النظام الحاكم مجرد منتوج ديمقراطي انتخابي، يقرر في إطالة أمده أو تغييره المواطنون؛ من خلال الفعل الانتخابي، بكامل الحرية.

إلى جانب هذا الاشتغال السياسي، المتوازن والتكويني، للإنتاج التلفزيوني، تحضر طبعًا اشتغالات أخرى: علمية، اقتصادية، فنية، أدبية، فلسفية، رياضية… وكل ما له علاقة بالتنمية الشاملة؛ على أن يظل هاجس الحياد السياسي، كما بينته، حاضرًا في كل هذا.

من هذا الحياد يولد المواطن المتين التكوين، ذو الإرادة الحرة.
هذا المواطن هو عماد الديمقراطية الحق؛ أما أشباهه، من أي جهة اعوجوا، فلن ينتجوا سوى أشباه الديمقراطية.

رسوخ الديمقراطية ورسوخ الدينامية التنموية وجهان لعملة واحدة.

أتتبع أغلب القنوات العربية وبعض القنوات الإسبانية والإنجليزية، ويكاد لا يفارقني الهوس المقارناتي على ضوء قناعاتي التي حددت بها تصوري للمنتوج التلفزيوني؛ وهو طبعًا ذو دور أساسي ضمن الاستراتيجية التنموية، كما أسلفت، إلى جانب أذرعها الأخرى.

عدت من مقارناتي في بحر الإعلام التلفزي إلى الميناء، حيث علي أن أفرغ حمولتي من فواكه البحر.

ماذا وجدت في الحاويات؟
مجرد أخطبوط كبير يمد أذرعه ومجساته إلي، ليكمل وجبته؛ وكأنه يقول لي:
“هذا جزاء من يغادر شواطئ الشمس ولذة الاسترخاء الدافئ، ليغامر بالغوص في أعالي البحار.”

تفلتت بصعوبة، وبين لهاث ولهاث أحكي لكم:
قنواتنا العربية تشتغل في اتجاهين فقط؛ لا يمكن اعتبارهما تنمويين إلا بقدر ما بين الوضوء والتيمم من تشابه.

الاتجاه الأول:
اتجاه تقديس النهج الحاكم، حتى ليخال المرء أنه الأحمق الوحيد ضمن العقلاء إذا شك في هذه القدسية أو حاول فهمها فقط.
نعم، التيارات السياسية الأخرى غير الحاكمة موجودة؛ لكنها إما لاعبة في ملعب القدسية هذا، أو ملعوب بها.
لا دعم لها ضمن الإنتاج التلفزي إلا مناسباتيًا، من باب الهزل وليس الجد.

الاتجاه الثاني:
اتجاه ديني صرف، وكأنها قنوات تركها الأنبياء خلفهم لاستكمال نواقص رسالاتهم.
وكأن الكفر والإيمان جامدان لن يقع فيهما أي تحول ولو بعد ملايين السنين.
كل القنوات، بكيفية صريحة أو ضمنية، لا تزال وستظل بفتوة وعظية كاملة، حتى لو تجاوز الناس الأنبياء في قربهم علمًا من الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾.
وكأن العلم ما وُجِد ليفهم المؤمنون في الكون أكثر من فهم الأنبياء!

كل الملل والنحل سواء في تقمص دور الأنبياء، وليس العلماء. على مدار الساعة، وحيثما وليت وجهك في “التليكوموند”.
تصوروا معي أن يرد الأتباع على نبيهم فيجدهم على نسخة من “جايلوه”: أعرابًا أشد كفرًا ونفاقًا…
أليس يسألهم: مَا لَكُمْ؟ ألم يظهر فيكم عالم يعلمكم؟
ألم أترككم على المحجة البيضاء؟
ألم أقل لكم: اطلبوا العلم ولو في الصين؟

انظروا إلى أتباع ماو تسي تونغ، وما هو بمرسل، ماذا حققوا!
ولموسى وعيسى مثل هذا اللوم، وإن كان من وزن الريشة، لما تحقق من انفتاح للتابعين على العلوم بكل جذورها وأغصانها وثمارها.

ستظل قنواتنا تطحن بنفس الرحى كل الحبوب، لكننا لا نرى منها غير طحين الدين وتقديس الحكام.
يا قوم، لقد تدينا مسلمين ومسيحيين القرونَ بقرونها، حتى فاق جاهلُنا عالمَ القرون الغابرة!

رجاءً، افتونا في أمر العلم، وفي تخلفنا، وفي غنانا العربي الفاحش الذي لم يربِ عضلات قوية!
افتونا في أمر غياب المشروع الحضاري! لماذا حُرمنا من النظر إلى السماء متتبعين المركبة الفضائية العربية فقط، حتى لا أحلم بالمحطة؟
لماذا تلحون وتعيدون تتبع حركة الملائكة فقط؟
هي نورانية، ونحن من طين.
علمونا فقط كيف نصنع من طيننا طيورًا تطير!
وأن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.

ويشهد النبي أن أول كلمة سمعها هي: ﴿اقْرَأْ﴾.
بمعنى: ابحث، تعلَّم، سافر لتتعلم، استقصِ، استبطن.
وما شئتم من أخوات وجارات وخالات العلم.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

2
  • KITAB
    الثلاثاء 13 ماي 2025 - 14:07

    اﻷستاذ يطرح ; وبأسف عميق ; ظاهرة الإعلام العربي وتكريسه لنهج اﻷنظمة الحاكمة ، وتزداد حسرة اﻷستاذ كلما حاول النظر في الاتجاه البعيد أو باﻷحرى الإعلام الآخر الموازي من قنوات فضائية (أجنبية) الفرنكفونية منها والأنجلوفونية ، طبعا ، أضحت هناك قنوات مختصة في تلبية لحاجيات المشاهد/ المستهلك ، تتنوع بتنوع اهتماماته ، بل وهناك من القنوات الواحدة المتنوعة والثرية في برامجها ، أخلص إلى أن خوصصة الإعلام سيما الأروبي والأمريكي قطع أشواطا بعيدة ويبعد بسنوات ضوئية عن إعلامنا والذي أحيانا يبعث على التقزز والغثيان، والحمد لله على نعمة الذكاء الاصطناعي ، فقد زمن ﻷن يمتلك فيه الإنسان الروبو ، ﻷن ينتقي له ما طاب وحلا ، وإذا أراد الخلود للوم سأله أن يعرج على قناة عربية ، سلمات

  • MC
    الثلاثاء 13 ماي 2025 - 14:58

    (لنصنع من الطين طيوراً تحلق بأجنحة العلم والإرادة)

    أستاذ رمضان،
    قرأت مقالتكم بكثير من الاهتمام والتقدير، وأود أن أشكركم على هذا الطرح العميق والجريء في نقد الإعلام في مجتمعنا ودوره في التنمية وصناعة المواطن الحر. لقد لامستم جوهر الأزمة حين ربطتم بين حياد الإعلام، وتكافؤ الفرص السياسية، وصناعة الإنسان القادر على الإبداع والتغيير.
    اسمحوا لي أن أطرح بعض الأسئلة التي لم تتطرقوا إليها بشكل مباشر، علها تفتح نقاشاً أوسع حول الموضوع:
    ما حدود مسؤولية الإعلام وحده في صناعة المواطن المتين؟
    أليس التعليم، الأسرة، والبيئة الثقافية العامة شركاء أساسيين في هذه الصناعة؟ كيف يمكن تحقيق التكامل بين هذه الأطراف؟
    في ظل سيطرة رأس المال أو السلطة على أغلب وسائل الإعلام، هل ترون أن هناك أفقاً واقعياً لإعلام محايد وتعددي في في مجتمعنا؟ أم أن الأمر يحتاج إلى إصلاحات سياسية واقتصادية أعمق تسبق إصلاح الإعلام نفسه؟
    كيف يمكن للإعلام أن يوازن بين المحافظة على الهوية الثقافية والدينية للمجتمع، وبين الانفتاح على العلوم والمعرفة الحديثة.
    جزيل الشكر على هذا المقال.

    دمتَ قنديلًا يُضيء دروب الفكر والأمل.

    ALHOCEIMA

صوت وصورة
افتتاح معرض التمور بأرفود
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 21:43

افتتاح معرض التمور بأرفود

صوت وصورة
بوتين يستقبل المنصوري
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 20:36 15

بوتين يستقبل المنصوري

صوت وصورة
مستحضرات التجميل الطبيعية كيف تُصنع؟
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 20:00 1

مستحضرات التجميل الطبيعية كيف تُصنع؟

صوت وصورة
الأمازيغية ورهان الاستمرارية الثقافية
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 18:01 4

الأمازيغية ورهان الاستمرارية الثقافية

صوت وصورة
متقاعدو "ليديك" ينتظرون الإنصاف
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 17:51 1

متقاعدو "ليديك" ينتظرون الإنصاف

صوت وصورة
افتتاح السنة الدراسية بالمعهد البحري
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 17:30 1

افتتاح السنة الدراسية بالمعهد البحري