في تقريرها السنوي حول نظام الضمان الاجتماعي، طالب مجلس الحسابات الفرنسي بتشديد المراقبة على معاشات التقاعد المحوّلة إلى الخارج، مشيرة إلى “ضرورة تعزيز سبل الوقاية، والرصد، والزجر ضد مختلف أشكال الاحتيال”. وضمن البلدان المعنية بشكل مباشر، برز المغرب كوجهة رئيسية للمتقاعدين الفرنسيين، وكنقطة تركيز رئيسية لعمليات المراقبة والتحقيق.
وأكد التقرير أن المجلس قام بزيارات ميدانية إلى المغرب، الجزائر وإسبانيا من أجل التحقق من الوضعية الفعلية للمتقاعدين الذين يتلقون معاشاتهم خارج فرنسا، نظرًا لما تشكله هذه الدول من أهمية كبيرة على مستوى عدد المستفيدين ومبالغ المعاشات المحولة.
ويعد المغرب من بين البلدان المعنية أكثر بتحويلات التقاعد الفرنسية؛ إذ يُمثل مع الجزائر وتونس حوالي 40% من مجموع المتقاعدين الفرنسيين المقيمين في شمال إفريقيا، وفقًا للتقرير ذاته الذي أفاد بأن 6% من هؤلاء يعيشون في المغرب، مقابل 31% في الجزائر و3% في تونس.
وأوضحت الجهة نفسها أن 77% من المتقاعدين الفرنسيين المقيمين بالخارج يتركزون في ستة بلدان فقط، هي: الجزائر، البرتغال، إسبانيا، إيطاليا، المغرب وبلجيكا. ويبلغ عددهم حوالي 839.999 في النظام العام، و653.843 في النظام التكميلي.
وكشف التقرير أن مراجعة قامت بها المديرية المركزية لشرطة الحدود الفرنسية عام 2022 لعيّنة من 2500 ملف تسجيل، أجرتها شركة “Sandia” بين 2019 و2022، أظهرت أن 2.27% من الملفات اعتمدت على وثائق غير مطابقة لشروط الصحة القانونية.
واللافت للانتباه أن هذه النسبة تتعلق أساسًا بملفات متقاعدين مولودين في المغرب (22%) والجزائر (14%)، رغم أن مواطني هذين البلدين لا يمثلون سوى 6% و4% من العينة على التوالي، وهو ما اعتبره مجلس الحسابات مؤشرًا مقلقًا على إمكانية وجود تحايل في التصريح أو انتحال للهوية.
كما أطلقت السلطات الفرنسية، في إطار التعاون القنصلي، حملات تحقق ميداني ما بين 2020 و2023، شملت استدعاء 2500 متقاعد في المغرب و4000 في الجزائر. ورغم أن هذه الأرقام تبدو محدودة؛ إذ تمثل أقل من 3% من المتقاعدين المستفيدين في المغرب، إلا أنها تعكس حجم التحدي في مراقبة هذا النوع من التحويلات.
وأشار التقرير إلى أن من بين أبرز أنماط الاحتيال المسجلة، انتحال هوية شخص آخر للحصول على معاشه، وهو ما وصفته المحكمة بكونه من أصعب أشكال الاحتيال كشفًا، خاصة خارج التراب الفرنسي. وعدم التصريح بمغادرة التراب الفرنسي من طرف المستفيد، بغرض الاستمرار في الاستفادة من المعاش رغم مغادرته البلاد. وعدم التصريح بوفاة المتقاعد، ما يسمح باستمرار صرف المعاش شهريًا.
وأوصى مجلس الحسابات الفرنسي بتعزيز التنسيق بين باريس والدول المعنية، ومنها المغرب، لإحكام آليات التحقق، وتفعيل تبادل المعطيات حول الحياة والوضعية المدنية للمستفيدين، بما يضمن سلامة التحويلات، ويُجنب الضمان الاجتماعي الفرنسي خسائر تقدر بملايين اليوروهات سنويًا.
كانت فرنسا، في ذروة ازدهارها الاقتصادي، رمزًا لدولة الرفاه بلا حدود. أنفقت بسخاء، وقدمت مساعدات اجتماعية دون تحقيق أو محاسبة: تعويضات بطالة وبلا حدود زمنيا ، دعم السكن، تطبيب مجاني حتى لمن لا يكتتب في صندوق التأمين الصحي، منح عطل، ومعاشات تقاعد حتى للأشخاص الذين لم يعملوا يومًا في حياتهم. لكل هذا جون أن تسأل هل يستحق المواط أم لا، لأنها كانت تصرف بمنطق أن الدولة غنية والمواطن يستحق العيش الكريم.
لكن ذلك النموذج انتهى. منذ التسعينيات، بدأت أزمات مالية متتالية تهز فرنسا، فتراجع فائضها، وتصاعدت الديون، وبدأت مرحلة جديدة عنوانها: التقشف. المساعدات التي كانت تُمنح تلقائيًا بل حتى التطبيب اصبح بمواعيد قد تسغرق شهورأ.
كل شيئ أصبح خاضع لمراجعة وتدقيق صارم، لا تفلت يوروًا واحدًا دون أن تعرف لمن تمنحه ولماذا وهل يستحق.
أُعيد هيكلة النظام الاجتماعي من الجذور. تقليص في الدعم، تشديد في شروط الاستفادة، ومراقبة صارمة لكل ملف. لم يعد هناك مجال للتساهل أو العطاء المجاني. تغير الخطاب من “لك حق”، إلى “أثبت أحقيتك”.
هذا التحول فرضه الواقع المالي والسياسي. فرنسا اليوم ليست فرنسا الأمس.
تمنينا لو قام هذا المجلس بمراقبة الاموال والمعادن المنهوبة من المغرب والمهربة إلى فرنسا..