رجل الإصلاح الموسوعي التونسي
تؤدي بنى التقليد والجمود السائدة في العالم العربي-الإسلامي إلى تقييد العقل عن التفاعل مع الحياة المعاصرة عملياً، وبحكم تجربته الإصلاحية، وسعياً إلى كسر تلك البنى السابقة الذكر، دعا الشيخ محمد الطاهر بن عاشور (1879-1973م) – الذائع الصيت في العالم الإسلامي – إلى تجديد الفكر، وتحرير النفس والوطن، والبحث عن النهضة الشاملة الاجتماعية والسياسية والتعليمية…
ولتحقيق ذلك، اعتنى بشكل واضح في مشروعه الإصلاحي بالمجال التعليمي، مادام “الإنسان امتاز عن الحيوان بالعقل، وأن التعليم رقي للعقل الإنساني، فهو تكملة لحقيقة الإنسانية”، ثم إن ارتقاء الأمة في درج الكمال بوفرة علمائها، واضمحلالها باضمحلال علمائها، لذا فطلب العلم قد يبلغ حد الوجوب على الكفاية، وذلك بمقدار ما تتوقف عليه إقامة الشريعة ومصالح الأمة.
ولأهمية مسألة التعليم، استعرض – في كتابه الذي جاء بعنوان “أليس الصبح بقريب” – استعراضاً شافياً لأطوار التعليم، والطرق الكفيلة بتحقيق إصلاحه، كما ضمنه آراءه الإصلاحية التي بدأ في تدوينها عام 1902م.
لا يخرج المشروع الإصلاحي لابن عاشور، كما سيتضح لاحقاً، عن بقية ضروب الإصلاح الفكري والسياسي، والاجتماعي والاقتصادي؛ فلم تكن شخصية محمد الطاهر بن عاشور بعيدة عن مرحلة النهضة الإصلاحية في القرن التاسع عشر، وسؤالها المعروف: لماذا تقدم الأوروبيون وتأخر المسلمون؟
حيث كانت لأفكار جمال الدين الأفغاني (ت1897م)، ومحمد عبده (1905م)، ومحمد رشيد رضا (ت1935م)، وشكيب أرسلان (ت1946م) أثرها العميق في ما يجري بتونس، وقد أعجب ابن عاشور بالاتجاه الإصلاحي لمحمد عبده، وأبدى تأثره البالغ بأفكاره من خلال الخطاب الذي ألقاه أثناء استقباله له في زيارته الثانية لتونس سنة 1903م. وعموماً، فقد نتج عن تلك الأوضاع بروز دعوة حقيقية، مقرونة بما هو عملي، من أجل إصلاح جامع الزيتونة قبل الجامع الأزهر من الناحية التعليمية.
في ظل المناخ الفكري المتولد عن التيار الإصلاحي التونسي، الذي تزعمه الوزير المصلح خير الدين باشا التونسي (ت1890م)، نشأ ابن عاشور. ويمكن التوصل إلى الخطوط العريضة للتيار الإصلاحي آنذاك انطلاقاً مما ورد في كتاب “أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك” لخير الدين التونسي، والصادر عام 1867م، وقد خرج هذا الأخير إلى حيز الوجود بمساعدة الشيخين محمد بيرم الخامس (ت1889م)، وسالم بوحاجب (ت1924م).
من خلال معالم هذا الكتاب، يمكن تحديد البيان الفكري للحركة الإصلاحية التونسية، والذي ارتكز بشكل جلي على مسألة الحرية – وهي من أعقد المفاهيم الفلسفية -، ومنزلتها في بناء الفرد والمجتمع، للإسهام في تحقيق النهضة المطلوبة.
دون إغفال دلالات الحرية المعاصرة، تناول ابن عاشور حيثياتها من الناحية الفلسفية، ومن الناحية العملية معاً، مع استحضار الرؤية المنبثقة من القرآن الكريم، وتوصل في الأخير إلى أن الحرية أصل من أصول التشريع الإسلامي، كما أنها ليست في مقابل الدين، بحكم أن هذا الأخير ليس قيداً للحرية حسب ما يراه بعض فلاسفة الغرب، الذي يرى أن الدين مجموع القيود التي تقف حاجزاً أمام الحرية المطلقة لتصرفاتنا.
والحق أن هذا الأمر ينطبق على الأديان التي تبنى على الأوهام، وليس على الفطرة التي فطر الله الناس عليها. فقد أتت الحرية – في نظر ابن عاشور، الذي كان على وعي مبكر بقضاياها منذ عام 1904م – لنفي العبودية عن الشخص العاقل، لذلك صرح بأن “الحرية بهذا المعنى حق للبشر على الجملة، لأن الله لما خلق للإنسان العقل والإرادة، وأودع فيه القدرة على العمل، فقد أكن فيه حقيقة الحرية، وخوله استخدامها بالإذن التكويني المستقر في خلقه”. وكذلك، فإن الحرية هنا تفيد قدرة الفرد على التصرف، بعيداً عن الاستبداد، وتحمل المسؤولية معاً.
لإنتاج النخب الجديدة التي ستتولى مسؤولية الحراك الفكري والاجتماعي لبناء المستقبل التونسي، اختار التيار الإصلاحي التونسي تأسيس “المدرسة الصادقية”؛ ذات التوجه الليبرالي المنفتح، والاتجاه التحديثي، إدراكاً أنها المؤسسة التي يمكن التعويل عليها. وعلى أركان هذه الحركة الإصلاحية، أمثال “الشيخ سالم بوحاجب” و”محمد النخلي (1924م)”، تتلمذ محمد الطاهر بن عاشور. ويمكن أن نسجل هنا مواكبة هذه النهضة الإصلاحية التعليمية مع دعوات مقاومة الاستعمار الفرنسي.
فابن عاشور، على أية حال، جمع بين المعرفة التخصصية، والانفتاح الثقافي، غير أن القضية الجامعة في حياته، وعلمه ومؤلفاته هي الإصلاح العام من خلال الإسلام؛ منطلق الاستنارة، والربط بين البعد التجديدي في الفكر الديني، ببقية الأبعاد الأخرى المكونة للظاهرة الإنسانية.
يبدو أن أطروحات تلك الحقبة التاريخية الإصلاحية والتجديدية، تنطلق من الدين نحو إصلاح الوطن والمجتمع، وهو ما انعكس على تفكير، ومنهج رواد الإصلاح في تلك الفترة التي تدعمت بتأسيس الصحافة، وصدور المجلات، والصحف التي خلقت مناخاً ثقافياً، وفكرياً كبيراً ينبض بالحياة والوعي، والرغبة في التحرير والنهضة أو التقدم.
تلك الحياة الفكرية، أسهمت بما لا يدع مجالاً للشك في نضج آراء الشيخ محمد الطاهر بن عاشور؛ فجاءت هذه الأخيرة ثورة على التقليد والجمود، وثورة على التسيب، والضياع الفكري والحضاري. حيث أحدثت آراؤه نهضة في علوم الشريعة، والتفسير، والتربية، والتعليم والإصلاح، وكان لها أثرها البالغ في استمرار الزيتونة في تشييد معالم الريادة، والإنتاج الفكري والحضاري.
في عام 1903م، وبجامع الزيتونة، نال ابن عاشور درجة مدرس من الطبقة الثانية، وعمره 26 سنة، ولم يعرف ذلك لغيره. وقد كان قيامه المبكر بالتدريس بالمدرسة الصادقية، التي كانت تسير على غير منهج التعليم الزيتوني، مناسبة للاتصال بصنف من التلاميذ من غير صنف تلامذة جامع الزيتونة، صنف كانت صلتهم باللغة الفرنسية، والثقافة الأوروبية أعمق من صلتهم باللغة العربية، والثقافة الإسلامية.
بذلك تمكن ابن عاشور من تجاوز الصراع القائم بين “تيار الأصالة”، ورمزه جامع الزيتونة، و”تيار المعاصرة”، ورمزه المدرسة الصادقية، بوصفها المؤسسة التي أنشئت لتدريس العلوم، والمعارف الجديدة، مزاوجة مع العلوم الإسلامية، لتكون امتداداً للتعليم الزيتوني.
في هذا السياق، انصب إصلاحه على التعليم العربي الإسلامي، فقدم منهجاً إصلاحياً متكاملاً، وذلك من خلال مزاولته له متعلماً ومعلماً، لذا قام بفقد أحوال العلوم الإسلامية، وطرائق تعليمها، وأسباب النهوض، والانحطاط التي مرت بها في مختلف الأزمان، مستعيناً بتجربته الميدانية، واستقرائه لأحوال العلم وأهله في الزيتونة، وما قام به من دور رائد للحفاظ على الهوية الإسلامية.
بخصوص الإنتاج الفكري للشيخ محمد الطاهر بن عاشور، فقد تحقق بشكل واضح من خلال تفاعله الإيجابي مع القرآن الكريم، الذي يراه بمثابة “الجامع لمصالح الدنيا والدين، وموثق شديد العرى من الحق المتين، والحاوي لكليات العلوم ومعاقد استنباطها، والآخذ قوس البلاغة من محل نياطها، طمعاً في بيان نكت من العلم وكليات من التشريع، وتفاصيل من مكارم الأخلاق، كان يلوح أنموذج من جميعها في خلال تدبره، أو مطالعة كلام مفسّره”. وهذا ما أشار إليه في مقدمة كتابه “تفسير التحرير والتنوير”، ومن ثم جعل القرآن الكريم مصدراً لتشكيل التصورات والمفاهيم والقيم.
فقد أثر القرآن الكريم بشكل بالغ في عقل ابن عاشور، فاتسعت آفاقه، وبذلك أدرك بشكل واضح أن مقاصد القرآن الكريم تتجلى في صلاح الإنسان في دوائره الفردية والجماعية والعمرانية. ومن خلال دراسته لتلك المقاصد، ألف كتاباً بعنوان “مقاصد الشريعة الإسلامية”، وهو من أهم ما كتب في هذا الفن وضوحاً في الفكر، ودقة في التعبير، وسلامة في المنهج، واستقصاء للموضوع.
وعليه، استطاع ابن عاشور بعث التفكير المقاصدي – أصل باب الاجتهاد – بعد خموده لعصور؛ أي منذ عصر الإمام أبي إسحاق الشاطبي (ت790هـ)؛ حيث قام بنشر كتابه “الموافقات”، والذي طبع في حياته عدة مرات بتونس ومصر، وقام هو نفسه بتدريسه للطلبة الزيتونيين.
ففي كتابه “مقاصد الشريعة الإسلامية”، سعى إلى بناء رؤيته لإصلاح الفقه الإسلامي، فقدم إضافات في توجيه النظر إلى بعض المسائل الفقهية والحكم عليها، كما عمل على تطوير أدوات الاجتهاد، من خلال رسم المنهج الذي يمكن من خلاله تطوير الاجتهاد، والانتقال من البحث الفروعي إلى البحث الكلي، ومن البناء على الجزئيات إلى البناء على الكليات.
ركز كتاب “مقاصد الشريعة الإسلامية” على بيان مقاصد الإسلام من التشريع في قوانين المعاملات والآداب، على اعتبار أنها تمثل جملة ما رعاه الإسلام من مصالح، وألغاه من مفاسد، وعن طريق هذه المقاصد يتم حفظ النظام في المجتمع.
لنرجع قليلاً إلى الوراء للتأكيد على أن ابن عاشور من رواد الفكر الإصلاحي، وتجديد التفكير الديني في القرن العشرين؛ ولما توسمه فيه من صلاح، وجهد من أجل البحث عن سبل النهضة الشاملة، فقد اعتبره محمد عبده “سفير الدعوة الإصلاحية في تونس”، وهو كذلك من الرجال الذين يشار إليهم بالرسوخ في العلم، والاتساع في التفكير – كما صرح بذلك تلميذه عبد الحميد بن باديس (ت1940م) – فهو آخر العلماء الكبار الذين أنجبتهم جامع الزيتونة – المؤسسة التقليدية -، ممن توفرت فيهم صفات المعرفة الموسوعية، والمنزع الاجتهادي، مع الانفتاح على مكتسبات الفكر الإنساني، والتجارب الحضارية.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.