محمد رويشة .. هذه حكاية شهرة "فريد الأطلس" التي حدثت في ليلة واحدة

محمد رويشة .. هذه حكاية شهرة "فريد الأطلس" التي حدثت في ليلة واحدة
صورة: أرشيف
الإثنين 29 يناير 2024 - 07:00

اختار الأرشيفيست والباحث المكي أكنوز أن يلتقط الذكرى الثانية عشرة لوفاة “أمير الوتر” الفنان محمد رويشة (1950-يناير 2012) لتسليط الضوء على حدث مفصلي وحاسم، هو السهرة التي أحياها الفنان القادم من الأطلس بمسرح محمد الخامس بالرباط بداية ثمانينات القرن الماضي وفتحت له أبوابا للمزيد من التّألق والإشعاع والشهرة على المستوى الوطني والدولي.

في هذه الحلقة الأولى، نتابع السّياقات التاريخية والإنسانيّة التي حملت “فريد الأطلس” من خنيفرة إلى العاصمة الرباط، وكيف دفعه الجمهور للغناء بالعربية، بعد أن عمّ صوته كل أبواق المسرح العريق بلغة أمازيغية خالصة مصحوبة بأنغام الوتر، وكيف كان اللقاء فرصة لكي يُصبح رويشة محطّ أنظار محبّي الأغنية الأمازيغية.

من خنيفرة إلى الرباط

أكنوز المهتم بالأغنية الأمازيغية في الأطلس المتوسط، كشف أن الفضل في إحياء الفنان الأمازيغي الكبير محمد رويشة أول سهرة خارج إقليمه خنيفرة، وبالضبط بمسرح محمد الخامس بالعاصمة الرباط، يوم فاتح نونبر سنة 1980، ربما يعود إلى محمد الوافي، الذي يشغل رئيس جمعية “نادي محبي الأغنية الأمازيغية والتراث الشعبي” المتواجدة بسلا”، مشيرا إلى أن “هذه الجمعية التي رأت النور عام 1979، تروم خدمة الشأن الثقافي والتراثي الأمازيغي والشعبي منذ حصولها على إطارها القانوني الذي يتيح لها تنظيم أنشطتها بكل حرية”.

وأضاف أكنوز، في ورقة وافية حرّرها حول الموضوع، أنه حسب رئيس الجمعية محمد الوافي، فإن “السهرة الفنية الكبرى التي نظمت بمسرح محمد الخامس بالرباط لم تكن سهلة التنظيم وقتذاك، لكن بفضل تضافر جهود أعضائها وتضحياتهم خرجت للوجود لتكون اللبنة الأولى الحقيقية لانطلاق الإبداع الفني الأمازيغي بالأطلس المتوسط، ثم خروجه من نطاق الجلسات الفنية الخاصة والأعراس، ومن محيطه الإقليمي إلى النطاق الوطني والدولي”.

بالنسبة للأرشيفيست ذاته، فإن الوافي لم يجد حرجا في التأكيد أن “وجود الفنان الحجاوي عبد الواحد ضمن أعضاء الجمعية كفنان، أسهم عمليا في توطيد علاقات الجمعية مع العديد من الفنانين بالأطلس المتوسط”، دون أن ينسى أيضا “فضل الغيور على التراث الأمازيغي أوزين أحرضان، الذي سهل لأعضاء الجمعية اللقاء مع أبيه الزعيم السياسي الوطني المرحوم المحجوبي أحرضان، الذي كان يشغل آنذاك منصب وزير الدولة في البريد، قصد تجاوز جملة من الصعوبات والتحديات التي تعرقل عملية تنظيم هذا الحدث الفني الكبير بمسرح محمد الخامس”.

يقول أكنوز: “على أية حال، فهذه الأمسية الفنية الكبرى أحيتها فرق فنية أمازيغية معروفة، ومن أبرزها مجموعة الفنان الحجاوي عبد الواحد، ومجموعة إگوجيلن الخميسات، التي تأسست عام 1974، ومجموعة رقصات الأطلس برئاسة الفنان أمحدوق موقسو ووربع حماد نمينة، سيد فن تماويت من إجلموس خنيفرة، لكن، وكما لا يخفى على أحد، كان التركيز على رائد الفن الغنائي الأمازيغي المغربي محمد رويشة”.

“الليلة القنبلة”

يقرّينا الكاتب من هذه الليلة بالإشارة إلى أنه في بداية السهرة، اضطلع الوافي، رئيس الجمعية المنظمة، بمهمة تقديم فقراتها، وكانت نقطة الانطلاق الفعلية تتعلق بفن “تماوايت” من أداء رائده الفنان الأمازيغي حماد نمينة، (…) الذي “تمكن من تحقيق التفاعل مع جمهوره، فكان صوته يميل تارة إلى الصعود وتارة أخرى إلى النزول، ومن خلاله استطاع إرضاء أحاسيس المستمعين، مما دفعهم إلى إطلاق آهات الإعجاب بشكل يثير الذهول”، بتعبير أكنوز.

أما الفقرة الفنية الموالية على خشبة مسرح محمد الخامس فقد قادها الفنان الحجاوي عبد الواحد، حيث قام بأداء باقة من أبرز أغانيه التي رددها الجمهور معه، ومنها رائعته “يوفرو اوحمام”، ومما جاء في كلماتها: “يوفرو احمام أورقيم غوري لفوت ذوينو نْكِينْ أوراسگين العش أذيقم ثمانوا.. إشوار واس احمامن ذايزرين.. أونا غر ميلا شا العش ذاث تيتجبار.. يوفرو احمام أورقيم غوري لفوت ذوينو نْكِينْ أوراسگين العش أذيقم ثمانوا…”.

موازين الخشبة ستنقلب حين سيصعد محمد رويشة، ليواصل الألق الذي بدأه قبله نمينة والحجاوي، فـ”قبل ظهوره بدأت عاصفة حاشدة بألوان التصفيقات الحارة، وهذا الجو حقيقة غير عادي، (…) رويشة بدا وكأنه في لحظة تهز كيانه القوة المفاجئة. بدا خجولا، وكأنه مهزوم، وضعيف يستحق الشفقة، وربما يعتقد أن قوة المشهد ستجعله يرتبك، ومن يلمح طأطأة رأسه أمام تصفيقات الجمهور يمكن أن يشفق عليه، ففي هذا الوضع يمكن أن يعتقد أن رويشة سيخطو خطوات ربما إلى الوراء قاصدا الانسحاب من قاعة المسرح، حيث أن مقاومة الوضع أصبحت مستحيلة”، وفق الكاتب.

وتابع قائلا: “بمجرد أن يقعد على الكرسي، ويحضن آلته المنسجمة مع وجوده وكيانه، يبدأ عالم الفن الرويشي في التكوين والبناء ثم الإبداع، ويقصد به القدرة على الإتيان بأمر جديد، وهذا فعلا ما كان ينتظره الجمهور، وقد تحقق بمجرد الاستماع إلى عزفه، ومن خلاله ربما لن يصدق أحد أن أصابعه الطبيعية هي المحرك الأساس للوتار، والمنتجة للأنغام الممزوجة بالبهجة والألحان. وهكذا لم يجد رويشة حرجا ولا رهبة في اختراق تصفيقات الجمهور بكشكول فني متنوع”.

بدأ بأغنية “ماني العهد ماني العزازيث”، التي يوجد ضمن مقاطعها: “مَنِي العهدْ مَنِي الْعْزَازِيثْ أوْنَٰاخْ إِرَا وُول إِسْ ثُورْ زُّوثْ أَتْدوثْ أَدِي ثْزـرِيثْ أَوْنَّارِيخْ.. اونا سيان اوجموع إذيس بذا.. مَنِي العهدْ مَنِي الْعْزَازِيثْ أوْنَٰاخْ إِرَا وُول إِسْ ثُورْ زُّوثْ أَتْدوثْ أَدِي ثْزـرِيثْ أَوْنَّارِيخْ .. ياس اربي سثر ناس ثيث اوزيو .. مَنِي العهدْ مَنِي الْعْزَازِيثْ أوْنَٰاخْ إِرَا وُول إِسْ ثُورْ زُّوثْ أَتْدوثْ أَدِي ثْزـرِيثْ أَوْنَّارِيخْ .. يوك اجموع اموا اسي توبدال…”.

هذه البداية، لمن يعرف أسرار هذا الاختيار، وفق أكنوز، “كانت قوية، لذا من الصعب جدا أن نصف كيف تفاعل معها الجمهور؛ حيث كانت نبرات الإبداع الرويشي تحلق بهم، فتدفعهم عمليا إلى إحداث سكوت يتخطى عنصر الدهشة الممتعة، والطرافة المبهرة إلى نوع من الشعور الصوفي في بعده الروحي”، وهو ما يفسر رغبة الجمهور في أن يواصل رويشة الغناء، ولكن بالعربية، بحثاً عن تخليد لحظة هشّة وعابرة.

كيف ذلك؟ هذا ما سنراه في الحلقة الثانية.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

10
  • عمر
    الإثنين 29 يناير 2024 - 07:46

    مقالات كهذه جميلة، أضيفها الى المفضلة

  • Abdou
    الإثنين 29 يناير 2024 - 08:05

    Rouicha est un monument de la chanson amazigh, avec un label artistique propre et distingué qui puise sa richesse et sa force du riche terroir marocain ,sans aucune tutelle ni même inspiration que ça de l’est ou de l’ouest, mais purement marocaine ,ce qui fait de ce monsieur une légende de la création artistique marocaine

  • جميلة
    الإثنين 29 يناير 2024 - 08:57

    فنان امازيغي كبير ألحان أغانيه بصوته العذب تصل إلى الوجدان وتحركه. الله يرحمه ويجعل مثواه الجنة. افتقدت الساحة الفنية هذا الرجل المبدع.

  • مواطن عادي
    الإثنين 29 يناير 2024 - 10:02

    لربما هناك بعض الارتباك في هذا السرد. سطع نجم محمد رويشة في الإذاعة الوطنية أولا. وكانت اغنية بيبو سغوي هي الانطلاقة الفعلية..لذلك وقع اكتضاض غير مسبوق في مسرح محمد الخامس سنة 1980حيث غصت القاعة والممرات بالجمهور وظل الناس خارج القاعة. كل الجماهير جاءت لرؤية نجم صاعد اسمه محمد رويشة. إذن سهرة محمد الخامس كانت تتويحا لانطلاقة قوية وليس بداية.

  • abdou
    الإثنين 29 يناير 2024 - 10:20

    رحم الله سي محمد رويشة
    فعلا كانت تلك السهرة محورية في مسيرة الفنان ومجموعته لأنها انتقلت به من فنان منطقة إلى فنان وطن حيث اكتشف الجمهور روعة ما يؤدي إضافة إلى أن إحياء السهرة في أرقى مكان فني بالبلاد أضفى المصداقية على المجموعة و لونها الفني.
    للأمانة فقط تألق المجموعة يعود فيها الفضل الكبير للمرحوم رويشة ولكن أيضا لأفراده الآخرين الذين لا يقلون كفاءة في مجال الفن كالمرحومين أوطلحة و علي ودا وسي حسن أطال الله عمره.

  • محقق
    الإثنين 29 يناير 2024 - 10:37

    رحم الله الفقيد
    لقد انحدر مستوى آلة الوتر ولم تجد من يجددها على المستوى الفني كما على المستوى الإيقاع بل حتى الصوت.

  • ولدمز
    الإثنين 29 يناير 2024 - 11:08

    رحم الله امير لوتار محمد رويشة
    في اعتقادي ربما لم نتجب الساحة الفنية مثل هذا الفنان الكبير ومايسترو العزف على آلة العود شأنه في شأن ذالك مجموعة ناس الغيوان رحم الله الجميع

  • عمر عمر
    الإثنين 29 يناير 2024 - 11:34

    رويشة ليس فريد الأطلس، رويشة فنان الأطلس بل فنان المغرب والمغاربة.

  • ملاحظ
    الإثنين 29 يناير 2024 - 12:27

    شباب الرباط في السبعينات كانوا يعرفون جيدا الفنان أرويشة وكانوا يلقبونه حينها بوب أرويشة، مكتوبة على أسوار أحياء المدينة، أبناء العوائل الرباطية و الفاسية يطلبون الإستماع لكاسيت أغاني المرحوم محمد أرويشة بداية السبعينات، أي قبل السهرة المذكورة، أتذكر جيدا أنه منذ دخولنا لقاعة المسرح و الجماهير لم تتوقف بالمطالبة و المنادات : أرويشة أرويشة أرويشة، و لم تسمح للفرق الأخرى بالصعود للخشبة و بالضبط تدخل أحد الفنانين بعد أن قطع وصلته الغنائية لمطالبة الجمهور بتشجيعه و الفنانين الأخرين لحين اقتراب ساعة الفنان، لكنهم واصلوا المنادات بأرويشة، لأنهم جاؤوا فقط من أجل رؤية و الإستمتاع بالفنان محمد أرويشة، و نجحوا في إصرارهم لأنهم لم يصمتوا و تحضر السكينة إلا عندما سمعوا تقاسيم وطرة أرويشة من وراء الستارة… هذه هي الحقيقة ساعة من الحلاوة، و السحر و الإبداع الجميل، و بعدها أغلقت الستارة من جديد، لكن الجماهير أصرت من جديد على عودته و مواصلته لغناء لكن الإضاءة انطفأت حينها فهم العشاق أن أرويشة يبقى أرويشة صناعة خنيفرة لا تحتاج لا تقديم ولا صباغة، ظهرت مع الطبيعة كالأزهار في فصل الربيع بالأطلس المتوسط

  • سامر
    الإثنين 29 يناير 2024 - 16:12

    رحمه الله وعفا الله عما سلف كل الناس خطاؤون وخير الخطائين التوابون اللهم اجعلنا من التوابين قبل الممات إذا مات الإنسان يتبعه عمله فقط لاتبالغوا فيما لا تعلمون وشكرا ارسل من فضلك هيسبريس

صوت وصورة
لقاء خاص | هشام رحيل
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 19:30 4

لقاء خاص | هشام رحيل

صوت وصورة
الملك يخلد ذكرى وفاة الحسن الثاني
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 18:51 2

الملك يخلد ذكرى وفاة الحسن الثاني

صوت وصورة
الزاهيدي وتقليص الفوارق المجالية
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 14:45 5

الزاهيدي وتقليص الفوارق المجالية

صوت وصورة
ذكرى رحيل الحسن الثاني
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 12:04 5

ذكرى رحيل الحسن الثاني

صوت وصورة
نادية فتاح والرفع من الأجور
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 11:44 10

نادية فتاح والرفع من الأجور

صوت وصورة
البواري ودعم الفلاحين
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 08:42 2

البواري ودعم الفلاحين