مخاطر الممرات البحرية التقليدية تعزز موقع المغرب في التجارة العالمية

مخاطر الممرات البحرية التقليدية تعزز موقع المغرب في التجارة العالمية
صورة: هسبريس
الأربعاء 25 مارس 2026 - 07:00

في ظل واقع دولي تتراجع فيه كفاءة الممرات البحرية التقليدية أمام تحديات الأمن والاستقرار، تبرز “جغرافيا المخاطر” كمحدد رئيسي لمستقبل التجارة الدولية. إن الاضطرابات المستمرة في مضيق هرمز لم ترفع كلفة الشحن فحسب، بل دفعت إلى إعادة هندسة مسارات التجارة العالمية، وهو ما أثبتتْه أيضا نزاعات عسكرية سابقة مثل الحرب الروسية-الأوكرانية وبعدها “حرب غزة”.

في خضم مشهد جيو-اقتصادي معقد لم تتضح معالمه بعدُ بعد اقتراب “حرب الشرق الأوسط” من إكمال شهرها الأول، يُرجّح محللون دورا متناميا للمغرب كمنصة لوجستية وصناعية قادرة على امتصاص هذه التحولات، وتحويل الأزمات الإقليمية إلى قيمة مضافة مستدامة عبر تعزيز الربط بين القارات وتوطين سلاسل الإنتاج في بيئة اقتصادية تتسم بالموثوقية والانفتاح.

بدائل لوجستية

محمد عادل إيشو، أستاذ باحث في علوم الاقتصاد والتدبير بجامعة السلطان مولاي سليمان ببني ملال، يرى أن “أيّ اضطراب مستمر في هذا الممر يتجاوز انعكاسُه أسعار الطاقة ليطال كلفة النقل البحري والتأمين وإيقاع سلاسل الإمداد العالمية”.

وفي تقدير إيشو، ضمن تصريح لهسبريس، فإن “الأثر الأشدّ يطال آسيا بالدرجة الأولى، لأن البنية الحالية للتدفقات الطاقية عبر هرمز تكشف مستوى عاليا من الاعتماد الآسيوي على هذا الممر”، مستدلا ببيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية (اتجه 84% من النفط الخام والمكثفات العابرة لهرمز في 2024 إلى الأسواق الآسيوية، واستحوذت الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية وحدها على 69% من هذه التدفقات). وزاد معلقا: “هذا المعطى يعني أن أي تصعيد طويل الأمد سيدفع الاقتصادات الكبرى إلى تكثيف البحث عن بدائل لوجستية، ليس فقط من زاوية أمن الممرات، بل أيضا من زاوية إعادة توزيع المخاطر على موانئ ومحاور بحرية جديدة أكثر استقرارا”.

“واقعية التموضع”

في هذا التحول المحتمل، “يمكن للمغرب أن يجد لنفسه موقعا متقدما، ولكن ضمن حدود الواقعية الاقتصادية لا الخطاب الانطباعي”، وفق أستاذ الاقتصاد ذاته، الذي يرى أن “المملكة لا تملك بطبيعة الحال القدرة على تعويض مضيق هرمز أو قناة السويس، لكنها تملك مؤهلات واضحة للاستفادة من إعادة تموضع جزئي في الجغرافيا اللوجستية بين البحر المتوسط والواجهة الأطلسية”، مستحضرا معالجة ميناء طنجة المتوسط أزيد من 10 ملايين حاوية، بنمو متزايد عاما تلو آخر، وهو “رقم يعكس أن المغرب لا ينطلق من فراغ، بل من قاعدة مينائية فعلية قادرة على التقاط جزء من أنشطة إعادة الشحن والخدمات البحرية وسلاسل الربط الصناعي والتجاري”.

وأبرز المحلل الاقتصادي عينه أن “أهمية هذا التموضع تزداد عندما نربطه بالمشاريع المينائية الاستراتيجية قيد التطوير، وفي مقدمتها ميناء الناظور غرب المتوسط، الذي تبيّن معطياته الرسمية أنه مهيّأ لمعالجة 3 ملايين حاوية سنويا، مع إمكانية رفع هذه القدرة بـ2 مليون حاوية إضافية، إلى جانب 25 مليون طن من المحروقات و7 ملايين طن من الفحم و3 ملايين طن من البضائع”، مستنتجا أن “الدلالة هنا ليست تقنية فقط، بل استراتيجية: المغرب يراكم تدريجيا عرضا مينائيا يؤهّله للتموقع كمركز لوجستي وطاقي وصناعي قريب من الخط البحري الرابط بين قناة السويس ومضيق جبل طارق، وهو ما قد يكتسب أهمية أكبر كلما تعاظمت الحاجة الدولية إلى تنويع المسارات وتقليص الاعتماد على الممرات شديدة الهشاشة”.

ومع ذلك، نبه المتحدث إلى أن “هذه الفرصة ليست تلقائية ولا مضمونة”، خالصا إلى أن “تقارير الأونكتاد تؤكد أن اضطرابات البحر الأحمر دفعت إلى ارتفاعات حادة في أسعار الشحن الفوري، بفعل إعادة توجيه السفن والازدحام المينائي والاختناقات التشغيلية”.

وختم عادل إيشو بأن “المكسب المغربي الحقيقي لن يتحقق بمجرد مرور سفن إضافية، بل بقدرة البلد على تحويل التحولات الجارية إلى قيمة مضافة مستدامة: تخزين، تزويد، خدمات لوجستية متقدمة، مناطق صناعية، وربط أقوى بين الموانئ والاستثمار الإنتاجي؛ فالأزمة الحالية قد تفتح نافذة فرصة للمغرب، لكن تحويلها إلى مكسب استراتيجي دائم يظل رهينا بسرعة التموضع وجودة التنفيذ”.

“جغرافيا المخاطر”

من جهته، لفت أمين ظافر، أستاذ التعليم العالي في تخصص اللوجستيك والتجارة الدولية بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، الانتباه إلى أن “التحولات الجيو-سياسية الراهنة رسّخت الجغرافيا محددا رئيسيا في إعادة تشكيل مراكز الثقل التجاري ومسارات النقل البحري، حيث لم تعد الكلفة هي العامل الحاسم، بل برزت وبحدة اعتبارات الأمن والاستقرار وضمان استمرارية التدفقات”.

وقال ظافر، في تصريح أدلى به لجريدة هسبريس الإلكترونية في هذا السياق، إن أهمية بعض الممرات التقليدية الحساسة، مثل قناة السويس، “تتراجع مقابل صعود مسارات بديلة أكثر أمانا”. كما تتجه القوى الاقتصادية الكبرى نحو “إعادة توطين سلاسل الإنتاج والتوريد داخل فضاءات جغرافية قريبة أو داخل دول حليفة، وهو ما يعيد توزيع الأنشطة اللوجستية والصناعية نحو مناطق تتوفر على الاستقرار والانفتاح البحري”، معتبرا أنه في خضمّ هذا التحول، “يكتسب مضيق جبل طارق أهمية متزايدة باعتباره نقطة ارتكاز استراتيجية في إعادة تنظيم الشبكات البحرية الدولية”.

فرص واعدة

في هذا الإطار، تبرز “فرص واعدة للمغرب لتعزيز تموقعه ضمن هذه التحولات”، بالنظر إلى ما يتمتع به من استقرار سياسي وموقع جغرافي متميز وانفتاح اقتصادي. وقال الأستاذ المتخصص في اللوجستيك إن “ميناء طنجة المتوسط يشكل ركيزة أساسية في هذا المسار؛ إذ يمكنه استقطاب جزء مهم من التدفقات التجارية المُعاد توجيهها، وتعزيز دوره كمركز لوجستي للربط بين أوروبا وإفريقيا وباقي العالم. كما تتيح إعادة توزيع سلاسل الإنتاج إمكانية جذب استثمارات صناعية جديدة، خاصة من أوروبا، في إطار تقليص المخاطر وتقريب مواقع الإنتاج من الأسواق”.

وتابع بأن “تنامي أهمية الواجهة الأطلسية يفتح آفاقا أمام تنويع أدوار الموانئ المغربية وتعزيز اندماجها في الشبكات البحرية العالمية، غير أن تحقيق الاستفادة القصوى من هذه الفرص يظل مرتبطا بقدرة المغرب على ترسيخ هذا التموضع بشكل مستدام، من خلال تطوير البنيات التحتية اللوجستية”.

وذكر ظافر أيضا أن “ميناء الناظور غرب المتوسط، وتعزيز الربط بين الموانئ وعُمقها الاقتصادي الإفريقي عبر ميناء الداخلة، وتسريع التحول الرقمي”، كلها فرص تمكّن المغرب من “التحول من مجرد نقطة عبور إلى فاعل محوري في تنظيم سلاسل الإمداد العالمية”.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

11
  • و محلنا من الاعراب..
    الأربعاء 25 مارس 2026 - 07:09

    اذا كانت افواهنا واسعة الى هذا الحد من دون فائدة !

  • مواطن
    الأربعاء 25 مارس 2026 - 07:18

    وماذا استفاد المواطن من هذا غير الزيادات المتوالية……

  • لاسامير
    الأربعاء 25 مارس 2026 - 07:45

    كانت ستعزز لو كان للمغرب شركات تكرير البترول في كل من الناضور طنجة المحمدية والداخلة مثلا..

    امًا وحالنا يمر علينا بواخر روسيا بنفطها الخام الرخيص ونحن نكتفي باستيراد من إسبانيا التي تعرف اقتناص الفرص والموقع الاستراتيجي.

  • Isman
    الأربعاء 25 مارس 2026 - 08:53

    طبعا بلادنا تقع في موقع استراتيجي لتكون منصة لوجيستيكية للمواد الطاقية وتخزينها وكذالك للمواد المصنعة والصناعة الغجائية الى اخره لتموين الأسواق الاوربية والاسيوية وغيرها،لكن لابد من تقوية البحرية الملكية المغربية وتزويدها بكل ما تحتاج اليه من أسلحة متطورة متل الغواصات والبوارج ودرونات وبواخر لنقل الجنود والعتاد والصواريخ بعيدة ومتوسطة المدى واقمار صناعية متنوعة المهام وبناء مزيدا من القواعد العسكرية البحرية على المحيط الأطلسي وعلى البحر الأبيض المتوسط.

  • مواطن مغربي
    الأربعاء 25 مارس 2026 - 09:20

    من الناحية الأمنية هذا غير مضمون في غياب صناعة عسكرية كالغواصات البحرية المتطورة و الدرونات و الطائرات الحربية زيادة على ذلك المغرب لن يكون مستفيد من ذلك لأنه يبقى بلد مستهلك فقط مع غياب تحقيق حلم استخراج الغاز الطبيعي الذي يتكرر كل سنة و منذ سنوات مضت.

  • عبدالكريم بوشيخي
    الأربعاء 25 مارس 2026 - 09:45

    بعد دخول ميناء الناظور الخدمة الفعلية سيصبح المغرب قاعدة لوجيستيكية امنة بالنسبة للطاقة و التجارة العالمية في حالة الأزمات و الحروب، موقع المغرب الاستراتيجي مهم للعالم و هنا تكمن أهمية تطوير الموانئء البحرية خصوصا على الواجهة الأطلسية العريضة لأنها أكثر أمانا و اتساعا من الواجهة المتوسطية المزدحمة و الضيقة.

  • بلانكي
    الأربعاء 25 مارس 2026 - 11:52

    مادامت الدولة تخلت عن دورها في ضمان وحماية السلع الاستراتيجية و أطلقت يد المافيات والميليشيات التجارية لبسط سياساتهم وقوانينهم كما شاؤوا مثل ما تفعل مافيا الطاقة ، فلن يكون للمغرب أي دور عالمي وسلموا لي على المخزون المشترك.

  • ورزي علي
    الأربعاء 25 مارس 2026 - 12:43

    امن ممر المضيق هو في يد بريطانيا في جبل طارق وحلف الناطو وإسبانيا وقواعد الأمريكية في إسبانيا اما المغرب فهو فقط يطل وليس له اي دخل ولا يجني منه اي شيء كمصر في قناة السويس ودولة باناما في ممر باناما !!وما غير ذلك سوى كلام في كلام

  • بلانكي
    الأربعاء 25 مارس 2026 - 13:42

    و الله صدقت ياعلي، المغرب مثل عجوز الدرب التي تراقب من وراء فدريش نافذتها يطل على الممر المائي و يسجل من مر ومن لم يمر وما لون السفن ونوعيتها وهل هي فارغة أو مشحونة، لكن مقارنة للمضائق المائية غير صحيحة فممر سيناء وباناما إصطناعيان يمران داخل دولة واحدة لذا يجب دف تكاليف المرور كمساهمة في تكاليف الصيانة و الخدمات المقدمة، أما المضائق البحرية التي تطل عليها على الأقل دولتين فتصبح عالمية وحرية المرور منها مضمونة بالقانون الدولي في حين أن المضيق الذي يمر عبر دولة واحدة فحرية المرور هي الفائدة بإستثناء سفن الدول المعادية مثل مضيق البوسفور وتيران قبل أن تتنازل مصر للسعودية على جزيرة العصافير و أصبح المضيق بالقانون دوليا تمر عبره كل السفن بكل حرية بما فيها سفن إسرائيل.

  • لاعلاقة
    الأربعاء 25 مارس 2026 - 15:56

    ما علاقة غلق مضيق هرمز بميناء طنجة ? مضيق هرمز ممر خلق مشكل طاقة عالمي بسبب الطاقة المتمركزة في الخليج ..المغرب لم ولن يستفيد من هذه الازمة بل خسر خسارة فادحة بارتفاع اسعار النفط والغاز يكون مستفيدا لو كان بلدا منتجا للطاقة من غاز وبترول اما تنقل السلع والحاويات لم تتأثر لان الممرات التي تربط آسيا باوروبا فهي لم تتأثر بمضيق هرز فباب المندب مفتوح وايضا قناة السويس …لا ارى اهمية او اضافة لمضيق جبل طارق الممر الدولي المشترك بين اسبانيا والمغرب وانجلترا ..لان غلق مضيق هرمز لا يؤثر الا على نقل الغاز والبترول..لذا فانه لا علاقة بين المقال وغلق مضيق هرمز بميناء طنجة

  • انيس
    الأربعاء 25 مارس 2026 - 16:28

    هذا ليس تحليلا اقتصاديا رصينا، بل كلام إنشائي مليء بالقفز على الحقائق. من العار أن يصدر مثل هذا الطرح عن أستاذ وباحث يفترض فيه الإلمام بأساسيات الجغرافيا الاقتصادية وممرات الطاقة العالمية. كيف يمكن لمحلل جاد أن يربط بين اضطراب مضيق هرمز وبين مكاسب استراتيجية للمغرب وكأن المملكة ستتحول فجأة إلى بديل لممر طاقي دولي؟ هذا خطأ فادح يكشف إما سوء تقدير أو رغبة في صناعة خطاب استهلاكي يثير الانتباه أكثر مما يشرح الواقع. المغرب قد يتأثر مثل غيره بارتفاع أسعار الطاقة وكلفة الشحن والتأمين، وهذه هي الحقيقة الأولى التي كان يجب أن ينطلق منها أي تحليل محترم، لا أن يبيع للناس أوهام ‘الفرص’ و‘التموقع’ دون سند واقعي قوي. الفرق كبير بين وجود موانئ مهمة وبين القدرة على تعويض أو الاستفادة الجوهرية من أزمات تضرب شرايين التجارة والطاقة العالمية. مثل هذا الكلام يسيء للتحليل الاقتصادي أكثر مما يخدمه.

صوت وصورة
مع أسطورة البرازيل كافو
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 09:15

مع أسطورة البرازيل كافو

صوت وصورة
مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 22:27

مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية

صوت وصورة
الابتكار لتعزيز صمود الواحات
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:41 1

الابتكار لتعزيز صمود الواحات

صوت وصورة
ملعب هسبريس | هشام الدكيك
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:00 1

ملعب هسبريس | هشام الدكيك

صوت وصورة
خطر الدفتيريا وحل التلقيح
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 20:00

خطر الدفتيريا وحل التلقيح

صوت وصورة
ابريجة رئيسا لمجموعة جماعات البيضاء
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 19:05 3

ابريجة رئيسا لمجموعة جماعات البيضاء