دفعت مخاوف تزايد تدفقات الواردات الأجنبية من الأنابيب والمواسير الحديدية والفولاذية إلى السوق المغربية وزارة الصناعة والتجارة والاستثمار والإدماج الاقتصادي إلى تمديد تدابير الحماية التجارية المفروضة على هذه المنتجات لمدة ثلاث سنوات إضافية، إلى غاية نونبر 2029، بعدما أظهرت نتائج تحقيق رسمي استمرار هشاشة وضعية الإنتاج الوطني، رغم التحسن المسجل في عدد من مؤشراته الاقتصادية والمالية، وسط تحذيرات من عودة المنافسة الخارجية إلى مستويات قد تتسبب في أضرار جسيمة للمصنعين المحليين في حال رفع الرسوم الجمركية الإضافية المعمول بها.
وكشفت معطيات رسمية، تضمنها إعلان عمومي صادر عن مديرية الدفاع والتنظيم التجاري بوزارة الصناعة والتجارة بتاريخ 26 أكتوبر الجاري، أن التحقيق المنجز بشأن مراجعة تدابير الحماية خلص إلى استمرار الحاجة إلى تحصين الصناعة الوطنية للأنابيب والمواسير الملحومة المصنوعة من الحديد أو الصلب، بعدما رصد ارتفاعا إجماليا في حجم الواردات خلال الفترة الممتدة بين 2022 و2025، سواء من حيث الكميات المطلقة أو حصتها النسبية، رغم استمرار تطبيق الإجراءات الحمائية التي اعتمدتها المملكة منذ سنة 2020.
وأفاد الإعلان ذاته، اطلعت عليه هسبريس، بأن قرار التمديد قضى بالإبقاء على رسم إضافي بنسبة 19 في المائة، ابتداء من السادس من نونبر المقبل، قبل تخفيضه تدريجيا إلى 18 في المائة خلال السنة الثانية، ثم 17 في المائة خلال السنة الثالثة، على أن يجري إلغاؤه نهائيا ابتداء من السادس من نونبر 2029، في إطار جدول زمني للتحرير التدريجي للواردات، يهدف إلى منح المصنعين المغاربة مهلة إضافية لاستكمال إجراءات تحسين تنافسيتهم والتكيف مع المنافسة الدولية.
وأوضحت الوزارة أن نتائج التحقيق، الذي انطلق في 17 يونيو الماضي واختتم في 27 أكتوبر الجاري، أظهرت أن التحسن المسجل في أداء الصناعة الوطنية يظل حديثا وهشا، ولا يمكن اعتباره تعافيا هيكليا مستداما، خصوصا في ظل استمرار توسع القدرات الإنتاجية العالمية في قطاع الحديد والصلب، وتزايد اعتماد تدابير الحماية التجارية في الأسواق الدولية، بما يرفع مخاطر إعادة توجيه فائض الإنتاج العالمي نحو أسواق أخرى، من بينها السوق المغربية.
واستندت مصالح الوزارة، في تقييمها لمخاطر رفع تدابير الحماية، إلى تحليل تطور الواردات والمؤشرات الاقتصادية والمالية للصناعة الوطنية، إلى جانب دراسة السلوك المتوقع للموردين الأجانب وانعكاسات الزيادة المحتملة في الكميات المستوردة على وضعية المنتجين المحليين، لتخلص إلى أن استمرار الإجراءات الحمائية يظل ضروريا لتفادي تجدد الأضرار الجسيمة التي قد تلحق بالقطاع.
وشمل التحقيق المنتجات المصنفة ضمن 18 بندا من التعريفة الجمركية، تتعلق بالأنابيب والمواسير الملحومة المصنوعة من الحديد أو الصلب، بمقاطع دائرية أو مربعة أو مستطيلة، إضافة إلى الأشكال المخروطية والهرمية، وهي منتجات تدخل في استعمالات صناعية وإنشائية متعددة، ما يجعل تطور وارداتها ومستويات المنافسة بشأنها عاملا مؤثرا في نشاط الوحدات الصناعية الوطنية المعنية بإنتاجها.
تعاف هش ومخاطر خارجية
أظهرت نتائج المراجعة أن الصناعة المغربية للأنابيب والمواسير الحديدية والفولاذية حققت تحسنا خلال الفترة المشمولة بالتحقيق، انعكس في تسجيل نتائج إيجابية على مستوى عدد من مؤشرات الأداء، غير أن الوزارة اعتبرت أن هذه التطورات لا توفر ضمانات كافية بشأن قدرة المصنعين المحليين على مواجهة ارتفاع جديد للواردات، بالنظر إلى حداثة المكاسب المحققة وعدم اكتسابها بعد طابعا هيكليا مستقرا.
وأكدت مصالح وزارة الصناعة والتجارة والاستثمار والإدماج الاقتصادي أن تقييم ضرورة تمديد تدابير الحماية لم يقتصر على رصد الأضرار السابقة التي لحقت بالإنتاج الوطني، بل شمل أيضا استشراف المخاطر المحتملة عقب انتهاء العمل بالرسوم الإضافية، خصوصا في ظل مؤشرات تفيد بإمكانية حدوث ارتفاع وشيك في تدفقات المنتجات المستوردة، نتيجة التغيرات التي تشهدها صناعة الحديد والصلب على المستوى الدولي.
وربط التحقيق هذه المخاطر بتنامي القدرات الإنتاجية العالمية للمنتجات الفولاذية، بالتوازي مع تشديد الحماية التجارية في عدد من الأسواق الخارجية، وهو ما قد يؤدي إلى تحويل جزء من الصادرات الموجهة نحو تلك الأسواق إلى وجهات بديلة، في مقدمتها البلدان التي تعتمد مستويات أقل من الرسوم والإجراءات الحمائية، بما يضع المنتجين المحليين أمام ضغوط تنافسية إضافية.
واعتبرت الوزارة أن استمرار ارتفاع الواردات خلال الفترة الممتدة بين 2022 و2025، رغم سريان تدابير الحماية، يمثل مؤشرا يستدعي الحذر عند تقييم قدرة الصناعة الوطنية على مواجهة المنافسة الخارجية دون إجراءات انتقالية، مشيرة إلى أن النتائج الإيجابية المسجلة لدى المصنعين لا تزال غير كافية لاستبعاد احتمال تجدد الضرر الجسيم في حال الإلغاء المبكر للتدابير المعتمدة.
وفي المقابل، أظهر التحقيق أن المصنعين المغاربة باشروا إجراءات للتكيف مع المنافسة وتحسين قدراتهم التنافسية؛ إذ قدمت الصناعة الوطنية عناصر إثبات بشأن استمرار تنفيذ تدابير مدرجة ضمن مخطط للتكيف، يستهدف تعزيز التنافسية ومواكبة التحولات التي يشهدها السوق، فيما أكدت الوزارة أن تنزيل هذه الإجراءات ما يزال جاريا، ما يبرر الإبقاء على فترة إضافية للحماية تسمح باستكمالها.
واستند هذا التقييم إلى مقتضيات المادة 69 من القانون رقم 15.09 المتعلق بتدابير الدفاع التجاري، التي تربط تمديد إجراءات الحماية باستمرار ضرورتها لإصلاح الضرر الجسيم أو الوقاية منه، مع تقديم عناصر تثبت مباشرة الصناعة الوطنية تعديلات تستهدف تحسين تنافسيتها، وهو الشرط الذي اعتبرت الوزارة أنه متحقق في الحالة موضوع التحقيق.
حماية انتقالية وتحرير تدريجي
حددت وزارة الصناعة والتجارة والاستثمار والإدماج الاقتصادي فترة التمديد الجديدة في ثلاث سنوات، تمتد من السادس من نونبر 2026 إلى الخامس من نونبر 2029، مع اعتماد تخفيض سنوي بمقدار نقطة مئوية واحدة في الرسم الإضافي المفروض على المنتجات المعنية، تنفيذا لمقتضيات المادة 65 من القانون رقم 15.09، المتعلقة بالتحرير التدريجي لتدابير الحماية التجارية.
وبموجب الجدول الزمني المعلن، ستخضع الواردات المعنية لرسم إضافي بنسبة 19 في المائة خلال الفترة الممتدة من السادس من نونبر 2026 إلى الخامس من نونبر 2027، قبل تقليصه إلى 18 في المائة خلال الفترة الموالية، ثم إلى 17 في المائة ابتداء من السادس من نونبر 2028، على أن ينتهي العمل به اعتبارا من السادس من نونبر 2029.
وعكس هذا التدرج توجها نحو الإبقاء على حماية مؤقتة للصناعة المحلية، دون تحويل الرسوم الإضافية إلى إجراء دائم؛ إذ يفترض أن تستغل الوحدات الصناعية المستفيدة الفترة الانتقالية لتعزيز قدرتها على المنافسة، قبل العودة إلى ظروف الاستيراد العادية بعد انتهاء الجدول الزمني المحدد، ما لم تستجد إجراءات قانونية أخرى.
في سياق متصل، نص الإعلان العمومي على استثناء الواردات القادمة من عدد من البلدان النامية الأعضاء في منظمة التجارة العالمية من تطبيق الرسم الإضافي، وفقا لمقتضيات المادة 76 من القانون رقم 15.09، وتشمل قائمة البلدان المعفاة مجموعة من الاقتصادات الإفريقية والآسيوية والأمريكية، من بينها مصر وتونس والسنغال وكوت ديفوار والهند وإندونيسيا وفيتنام والبرازيل.
غير أن الوزارة احتفظت بحق مراجعة قائمة البلدان المستفيدة من الإعفاء بصفة دورية، استنادا إلى معطيات الواردات المتاحة، وإدراج بعض البلدان ضمن نطاق تطبيق التدابير إذا أظهرت المراجعات تجاوز صادراتها إلى المغرب عتبة 3 في المائة من إجمالي الواردات المعنية، وفق الشروط المنصوص عليها في اتفاق منظمة التجارة العالمية بشأن تدابير الحماية والتشريع الوطني المنظم لها.
وجاء هذا القرار عقب مسطرة مراجعة انطلقت منتصف يونيو الماضي، وشملت دراسة المعطيات المتعلقة بتطور الواردات والوضعية الاقتصادية والمالية للمصنعين المحليين، قبل عرض تقرير مفصل بشأن نتائج التحقيق على لجنة مراقبة الواردات، خلال اجتماع عقد في فاتح أكتوبر الجاري، تمهيدا للحسم في مدى استيفاء الشروط القانونية والاقتصادية لتمديد تدابير الحماية.
وخلصت وزارة الصناعة والتجارة، في نتائج التحقيق، إلى اجتماع الشرطين الأساسيين لاستمرار الإجراءات الحمائية، المتمثلين في بقاء الحاجة إلى إصلاح الضرر الجسيم أو الوقاية من تجدد وقوعه، وثبوت مباشرة الصناعة الوطنية إجراءات فعلية لتحسين تنافسيتها، معتبرة أن الإلغاء الفوري للرسوم الإضافية قد يعرض المكاسب الحديثة التي حققها المصنعون المحليون لمخاطر التراجع.
وبذلك، وضعت فترة التمديد الجديدة صناعة الأنابيب والمواسير الحديدية والفولاذية أمام مهلة إضافية لتعزيز تنافسيتها، في وقت تظل فيه قدرتها على الصمود أمام الواردات مرتبطة بمدى استكمال إجراءات التكيف وتحويل التحسن المسجل في مؤشرات الأداء إلى نتائج مستدامة، قبل انتهاء الحماية المقررة في نونبر 2029.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.