متى تحقق صفاء قلب السياسي تتحقق جميع مدونات قوانين تنظيم العلاقات بين الفرد ومجتمعه، بين الذات ووطنها.
ليس العيب في القوانين على الورق المنذور للأرشفة وللصمت في العديد من حالات الفصل في من هو الظالم ومن هو المظلوم، في من هو الصالح والفاسد الطالِح، إن العيب الأساسي يكمن في داخلنا، في “القلب”، هذا العضو الوسيط بين العقل باعتباره أداة للفكر واليد كأداة للفعل.
لست نادما على طفولة أو شباب مثل أي طفل ترعرع داخل أسرة بسيطة تتكوّن من زوج اشتغل وتقاعد فرحل وزوجة تسهر على ترتيب تفاصيل العلاقات بين الأطفال والجيران وضروريات العيش البسيط. هي زمنية السبعينيات والثمانينيات ثم التسعينيات، ومحطات الانتقال الديمقراطي، أو ما أُطلِق عليه التناوب الحكومي مع السيد عبد الرحمن اليوسفي. ماذا حدث؟ اعتزل الرجل السياسة والجريدة، وغاب محمد عابد الجابري، والمهدي المنجرة، ومحمد جسوس بعدما قال: “إن أزمة التعليم أزمة سياسية وحلها يكمن في أن يكون التعليم أداة في خدمة المجتمع واستثمارا للأجيال الصاعدة”.
اليوم الأجراء والمياومون يكتفون بالخبز و”أتاي” ويمنحون أطفالهم المساكين بعض الدريهمات ليشتروا بعض الحلويات وقطع الشكولاطة الكيماوية الرخيصة ليقوموا بإهدائها لأساتذة يشتغلون خارج قانون الوظيفة العمومية، تحت جشع التعليم الخصوصي الذي يصفه البعض بـ”المَوْقَفْ”، حيث حجرات درس- غرف داخل الشقق الاقتصادية ومرائب العمارات التي كانت مُعدّة أصلاً للسيارات والخردة والآلات المنزلية غير المستعملة. إنه قانون تعليم خصوصي جَفَّف عرق العمال والأجراء والمياومين وأساطير الاقتصاد غير المهيكل مثل بائعي “الديطاي” والمأكولات الرخيصة والسريعة على مفترق طرقات شوارع أحياء البسطاء داخل المدن. مدونة تعليم آخر تُغيّبُ القلب فتغيب معه رحمة العدالة التعليمية الوطنية، فتناسينا المدارس الوطنية الحرّة ومن بعدها المدارس العمومية ذات الأقسام والساحات بمختلف ملاعبها الرياضية الفسيحة، والأطر التربوية المغربية الوطنية، وبناية الحارس العام والمدير وحارس أمن المدرسة، واستبدلت من خلال إعلام بارد يشبه مدارسه الخصوصية المترامية مثل دكاكين الفطائر، شبه مدارس تبتلع جيوب البسطاء، ولا تمنح قيمة للأطر التربوية الشابة المقبلة على صناعة أسرة تحقق استمرارية للطبقة المتوسطة سياسيا واقتصاديا واجتماعيا.
كلما أطلّ علينا قانون جديد أو مدونة شاملة لقوانين شكل حياة أخرى نكون أمام حالات من الدهشة، فكل مقرات الأحزاب مغلقة على امتداد زمنية ما بين الانتخابات، حتى فضاءات النقابات التي تحققت بالوطنية ودماء الشهداء في زمنية الاستعمار اليوم فارغة بمعماريتها الكولونيالية وهندستها الفرنسية، وحتى التي تشكلت ما بعد سنوات السبعينيات في الغالب هي بنايات مهمشة باردة تصارع الرطوبة الداخلية للتنظيم في غياب وعي لا يحقق إجماعا طبقيا، وحالات الاحتفال بفاتح ماي تؤكد لنا ذلك. صمتت زغاريد النساء من فوق الأسطح وخرست أصوات تعدد الأجراء والعمال والموظفين والحرفيين والتجار الوطنيين. يبدو أننا أمام محطة صياغة مدونات لقوانين تبتعد عن حالات أشكال طبقات المجتمع المغربي في اللا-تكافؤ الحواري واللا-تواصل الاجتماعي والسياسي والتعليمي وفوارق الطبقات الاقتصادية الذي يؤشر على تبرجز فاسد امتد للعمران وفضاءات اللا-إنسانية للمجتمع المغربي. تَبرجُز جديد مُعفى من تأدية واجباته تجاه الدولة الاجتماعية. ويحق لنا نحن البسطاء الأجراء دافعي ضرائب العرق المُستعصر والمُقطّر قطرة قطرة مع كل أجرة تلج مؤسسات المال والأبناك من جبين كدحنا أن نقبل بمدونات القوانين ونطوِّعها داخل ثقافتنا وطبقاتنا الاقتصادية وإن هي متشابهة، قطاع عام/ قطاع خاص/ قطاع غير مهيكل، بصمت وحسرة، وأن نحاور دواخلنا بآسى وحزن عميقين: لا سيارات فاخرة مجانية لنا تَخرُق مدونة السير في الطرقات البريّة والبحرية والجوية أيضا، لا حوار أُسريا سعيدا يُثمن حيواتنا لتحيا حياة جيّدة والحالة تحت درجة الصفر من الوجود وحالة الدفء الاجتماعي، حيث يصعب أن تحتضن أغلبيتنا مدونة الأسرة. طبقتنا الاجتماعية تؤطرها مدونات الأعراف ومقتضى الحال، نفرح بالعيد لكن نذرف دموعا كثيرة على ما آلت إليه مدونة قانون الفلاحة والمخططات الخضراء، نفرح بالعلاقات الزوجية داخل المقدس الديني الإسلامي على سنة الله ورسولِه لكن نصطدم بمدونة قانون الشغل ومدونة حقوق السكن وفي أقل ظروف نغامر في ما اصطلح عليه إشهاريا بالسكن الاقتصادي تحت إشهارات مزيفة بأموال طائلة من قبيل: “ديور السعادة”، “شري دارك بثمن لكرا”. من هنا تبدأ الأزمة تأسيسا على الكذب الاجتماعي، المكر في الربح السريع اللا-أخلاقي، فنجد الأعراف ومدونات الحالات المغربية تترامى في اتجاه هامش المدينة لتعيش أسريا وسط ما يصطلح عليه بـ”العشوائي”، وهي حقول فلاحية تتحوّل إلى دور سكنية وتجمعات أسرية كبيرة. فقط نحن بالكاد نعيش بالركض وراء أزمات النقل العمومي، وراء غلاء فاتورة الكهرباء والماء، وراء غلاء لحوم الدجاج الأبيض والقليل من السردين، وانتظار أن تجود الكنيسة الإسبانية بقليل من الخراف لتغطية الخصاص المهول في ذبيحة أضحية العيد الأضحى، وننتظر وقد لا ننتظر أبقار أمريكا اللاتينية أن توهمنا بأننا سنحقق إشباعا في اللحوم الحمراء.
داخل بيوتاتنا البسيطة التي صارت تمثل جزءا كبيرا من مستوى وعينا أو هي مرآة تفكيرنا نسرِع إلى إشعال التلفاز بضرائب قنواته العمومية، لا لتشييد حوار وطني مع تلفزتنا وبرامجها، بل فقط لنملأ الفراغ بالتفاهة ومقاومة الأرق وجلب النوم بالقوّة الخارقة خارج أقراص علم النفس المتطوّر. نخاف خوفا شديدا من المرض، فلا أوراق الضمان الاجتماعي ولا قوانين التغطية الصحية للأجراء داخل ما تبقى من الشركات الوطنية تغطي مصاريف العلاج، فنركض وراء الخرافة بالعلاج والتداوي بالكي والنفث والبصق بلعاب “البركة”، والأعشاب الضارة وغير الضارة، مثل ما وقع لنا مع جائحة كوفيد-19. نبصبص في تلفزتنا ولا نفهم ماذا يقع لطلبة كيات الطب، ولا نعرف ماذا يقع في كليات الآداب والعلوم الإنسانية، ولا نفهم سبب طوابير الشباب على روايات الخليج في كل مناسبة للمعرض الدولي للكتاب بالرباط. نتسلى بقنوات الحروب ونحوقل ونحمدل، ثم ننام على أمل حق التعليم، الشغل والصحة.
نحن طبقات تتعايش على الهامش، لا أسِرّة لنا نحقق عليها أحلام يقظتنا، نركض في الشوارع مع الكلاب والقطط الضالّة وأصحاب العربات وهي تجرها دواب، بحثا في القمامة عن بقايا زبالة، مع ساعات الفجر الأولى وراء لقمة خبز محمد شكري. نلهث بالعودة في المساء مع غروب شمس يغرق في بحر بخيل لا يجود حتى بكيلوغرام سردين، ولا حتى بعض من “البوري الأسود أو كابيلا”، نتأبط حبوب شاي وبعض من السكر الأبيض للعشاء، وفي أحسن ظروف أحلامنا نخاف أن نجهر بأحلامنا، نكبتها على كراسي المقاهي أمام مقابلات كرة القدم داخل البطولات الأوروبية، ونتحسر أيضا في داخلنا على حالات الشغب في ملاعبنا وكيف صارت فارغة من الفرجة والمتعة، فقط ننتظر أن يجمع ناخبنا الوطني فريقه من مختلف الدول الأوروبية لنعيش فرحة كأس عالم أو كأس إفريقيا.
نخاف الليل فنتسلل في اتجاه جحورنا مع بداية إغلاق الصيدليات، نتكوّم داخل غرف باردة شتاء وساخنة صيفا حيث التلفزة ككنيسة نتقابل معها، فلا صحافة ولا إعلام جيّد يطل علينا عبر قنواتنا البئيسة، التي تصطف في إعلام البرودة والتسلية الفارغة، ولا تعليم عمومي جيّد من خلاله يُمكننا فهم نقاط القوة والضعف في تكويننا وتفكيرنا، وأن نضع أولويات لأهدافنا، وأن نقيم علاقات موضوعية ما بيننا أو بين الآخر السياسي الذي يزور بؤسنا كل خمس سنوات بأوراق مزيّفة لا تخضع لقانون السير ولا قانون الحالات الاجتماعية والاقتصادية. يهرب الإنسان داخلنا متى ضاع الصدق وصفاء القلب وانتشر كذب وفساد السياسي المُتبرجز الجديد والنقابي الصانِع للفتنة الاجتماعية بعيدا عن أعراف وتقاليد الفعل الوطني.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.