مدينة سبتة المحتلة بين حقيقة الصورة وقوة السردية.. من يصنع المعنى؟

مدينة سبتة المحتلة بين حقيقة الصورة وقوة السردية.. من يصنع المعنى؟
صورة: أرشيف
الجمعة 21 غشت 2026 - 06:00

في زمن أصبحت الصورة أسرع من الخبر وأقوى أحيانا من التحليل لم تعد المعركة الإعلامية تدور فقط حول نقل ما حدث، وإنما حول الطريقة التي سيُفهم بها. فالوقائع لا تصل إلى الجمهور عارية من المعنى؛ هناك دائما صورة تُختار، وعنوان يُنتقى، وتوقيت للنشر، ثم شبكة من المنابر تعيد إنتاجها حتى تتحول الواقعة إلى سردية.

من هذه الزاوية تستحق الصورة التي ظهرت قبيل موجة الهجرة إلى سبتة، لفتاتين مغربيتين قيل إنهما وصلتا إلى المدينة سباحة، قراءة تتجاوز مجرد تداولها باعتبارها صورة إنسانية لافتة؛ فقد ظهرت إحداهما، التي عُرفت باسم «فرح»، بملابس رياضية ووجه مشرق وابتسامة واسعة، وهي تخرج من البحر وترفع إشارة النصر. ثم انتشرت الصورة على نطاق واسع، قبل أن تتحول سبتة إلى بؤرة اهتمام إعلامي بسبب موجة الهجرة التي عرفتها.

لا يتعلق الأمر هنا بالحكم على حقيقة الصورة أو نفي الواقعة التي توثقها؛ فذلك يحتاج إلى تحقيق ووثائق. المسألة الأهم هي كيف تحولت صورة واحدة إلى رمز، ولماذا اكتسبت هذه القوة في ذلك التوقيت بالذات؟.

الصورة قد تكون حقيقية تماما، لكن طريقة اختيارها وتقديمها وإعادة نشرها تمنحها معنى يتجاوز لحظة التقاطها. وفي حالة «فرح» أصبحت فتاة واحدة تختصر في الوعي البصري قصة أوسع: العبور، الشباب، الوصول إلى الضفة الأخرى، وربما الإيحاء بأن الطريق إلى سبتة مفتوح وممكن. ثم جاءت موجة الهجرة فأصبحت الصورة، بحكم ترتيب الأحداث، جزءا من مقدمة رمزية للمشهد الذي أعقبها.

ليس ضروريا أن تكون هناك جهة رتبت كل ذلك حتى تتشكل سردية. لكن من السذاجة أيضا الاعتقاد بأن السرديات تولد من تلقاء نفسها. هناك من يختار الصورة، ومن يمنحها السبق، ومن يضعها في سياق معين، ثم تأتي وسائل إعلام أكبر فتمنحها انتشارا واسعا. وهكذا يمكن لصورة محلية أن تتحول إلى جزء من رواية دولية.

وهنا تبرز مسؤولية «El Faro»، باعتبارها المنبر الذي خرجت منه الصورة. فمن الصعب اعتبار الصحيفة محايدة في مقاربتها للمغرب، فخطها التحريري خلال السنوات الماضية تضمن عناوين ومواد تقدم المغرب باعتباره طرفا ضاغطا على إسبانيا أو مستخدما للهجرة والحدود في علاقته بها؛ كما اهتمت بأعمال وكتابات ذات خطاب شديد السلبية تجاه المغرب، من بينها ما ارتبط بأسماء مثل سونيا مورينو وخافيير أوتازو ونيكولاس سامبريرو.

هذه ليست ملاحظة هامشية، فالمنبر الإعلامي لا يعمل في فراغ، بل يحمل معه تاريخه التحريري وصورته عن الأطراف التي يغطيها؛ ولذلك فإن التعامل مع كل مادة صادرة عنه باعتبارها نقلا محايدا للواقع أمر غير مقنع. وفي القضايا المرتبطة بالمغرب وسبتة يبدو أن «El Faro» لا تكتفي بنقل الحدث، وإنما تساهم في تشكيل الرواية التي يُقرأ من خلالها الحدث.

ومن هنا يصبح السؤال حول صورة «فرح» أوسع من حقيقة الصورة نفسها: ما الوظيفة التي أدتها داخل هذه الرواية؟ ولماذا أصبحت هي إحدى الصور التي اختزلت بها قصة الهجرة؟.

إنها مسألة تتعلق بطبيعة الإعلام الحديث: قد لا يصنع الإعلام الحدث، لكنه يستطيع أن يصنع صورته الذهنية. وقد لا يكون هو الذي خلق أزمة الهجرة، لكنه يستطيع أن يحدد كيف يراها الجمهور، ومن المسؤول عنها، وما المعنى الذي يمنحها.

وهنا تبرز أيضا مسألة البيئة الاقتصادية للمؤسسة الإعلامية، بما في ذلك العقود التي تحصل عليها من المؤسسات العمومية في سبتة. وجود هذه العقود لا يثبت في حد ذاته شراء المواقف أو توجيه الخط التحريري، لكن الشفافية في مصادر تمويل الإعلام تظل ضرورية، خصوصا عندما تكون المؤسسة حاضرة بقوة في تغطية قضايا سياسية وحدودية حساسة.

لكن القضية في النهاية ليست «El Faro» وحدها، إنها قضية صناعة السردية؛ فالحدث في ذاته شيء، والرواية التي تقدم عنه شيء آخر. وقد تكون الوقائع صحيحة، لكن اختيار بعضها وإبرازها وتهميش بعضها الآخر يمكن أن ينتج صورة ناقصة عن الحقيقة.

وموجة الهجرة إلى سبتة ليست قصة فتاة خرجت من البحر، وراءها آلاف الشباب وأسباب اجتماعية واقتصادية ونفسية وسياسية معقدة؛ ولذلك فإن اختزالها في صورة جذابة، أو في مواجهة إعلامية بين المغرب وإسبانيا، لا يساعد بالضرورة على فهمها.

وهنا ينبغي طرح السؤال على هذا النوع من المعالجة الإعلامية: هل تساعد فعلا على فهم ظاهرة الهجرة والبحث عن حلول لها، أم أنها تكتفي بإنتاج صور مثيرة وسرديات تزيد من الاستقطاب؟.

فالصحافة لا ينبغي أن تكون مجرد آلة لإنتاج المشاهد الأكثر انتشارا، وظيفتها الأعمق أن تفسر، وأن تضع الأحداث في سياقها، وأن تساعد المجتمعات على فهم أزماتها.

لذلك فإن قضية «فرح» ليست في النهاية قضية فتاة ولا حتى قضية صورة؛ إنها مثال على القوة التي أصبحت تمتلكها الصورة في صناعة الوعي. وقد تكون الصورة صادقة، لكن ذلك لا يمنع أن تُستخدم داخل سردية أكبر منها.

فمن يصنع الصورة لا يصنع بالضرورة الحدث، لكنه قد يساهم في صناعة المعنى الذي سيبقى منه. ومن يملك صناعة المعنى يملك جزءا من معركة الوعي.

وفي سبتة، كما في غيرها من القضايا التي تمس المغرب، لا يكفي أن نسأل: ماذا حدث؟ بل ينبغي أيضا أن نسأل: كيف صيغت رواية ما حدث، ومن يملك أدوات صياغتها، ولأية غاية؟.

فالإعلام الجيد لا يكتفي بأن يجعل الحدث مرئيا، بل يساعدنا على فهمه. والفرق بين الأمرين هو الفرق بين صناعة الخبر وصناعة الوعي.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

12
  • AMIR
    الجمعة 21 غشت 2026 - 06:31

    الواضح والمأكد منه
    ان ما شاهدناه بالصوت والصوره هو شوهه عالميه من العيار الثقيل وفضيحه عابره للقارات لا يمكن تقبلها او تحملها. فرار جماعي سباحه وبعشرات الالف دفعه واحده ومن جميع الفئات العمريه من اطفال صغار إلى شيوخ .العديد منهم رايناهم يقبلون رؤوس الجنود الاسبان ويسجدون أمام اقدام الحرس المدني عند.وصولهم المشهد كله مذل مخزي يندى له الجبين.
    وهذه الفضيحه الكبرى ليست المره اللؤولى التي تحدث
    الطامه الكبرى في الحين الذي كان يحدث هذا والعائلات المغربيه تندب ضحايا هذا الهروب والذي عددهم يفوق المئاه . اخنوش رئيس الحكومه غادر البلاد في إتجاه جزيره ميوركا الإسبانية للتنزه. بدون مشكل يذكر.

  • زمن آخر
    الجمعة 21 غشت 2026 - 06:35

    الصورة بالصورة، والترند بالترند، والتفكيك حلقات نخبوية. المنتصر ليس من يمتلك الموضوعية، بل من يمتلك مهارة إدارة الانتباه.

  • المعلق
    الجمعة 21 غشت 2026 - 08:15

    مشاهد مخزية ومخجلة لدولة صدعت رؤوسنا بان المغرب يتطور ويتقدم ليصبح بلدا صاعدا فاذا بنا نتفاجأ من الهروب الهستيري لعشرات الالاف من الشباب وبنات وقاصرين واطفال ونساء وعجزة من كافة انحاء المغرب بما فيها مدن الانوار والابراج والطرامواي والتيجيفي، ولولا ان منع الامن الناس من الخروج من مدنهم والركوب في القطارات والحافلات المتوجهة الى الشمال لدخلنا التاريخ بفرار مليوني يسجل في موسوعة غينيس

  • س شكيب
    الجمعة 21 غشت 2026 - 08:26

    حاليا يجب وضع الأولوية للصحراء المغربية التي نرجو أن يتم ضمها سريعا الى المغرب وقبل متم هذه السنة يدخل النغر ال ىالصحرلء بصفتها ترابا مغربيا وبدون مناقشة لأنها مغربية فلنعتبر أولوية الصحراء للمغرب قبل متم هذه السنة والطرد ثم الطرد لكل المستعمرين الجزائريين بها أولا يجب طردهم وإبادتهم جميعا إذا أصروا ولنجعل مغربية الصحراء في السبورة هي الأولى قبل مناقشة مشكل المساحات الضئيلة لسبتة ومليلية لأنهما جزءان لأنهما علاقة لهما دوليا بالصحراء

  • Karimov
    الجمعة 21 غشت 2026 - 08:50

    الانسان ابن بيئته والأماكن ابنتة جغرافيتها، وسبتة ومليلية المحتلتين والجزر المجاورة لهم وجزر الكناري بيئتهما ومكانهما الطبيعي هو داخل المغرب وداخل أفريقيا وليس حدود اوروبا كما يدعي المستوطنون المستعمرون النازيون الجدد وحدود اسبانيا توجد في اوروبا وليس داخل المغرب وفي القارة الأفريقية؟

  • مواطن
    الجمعة 21 غشت 2026 - 10:31

    تتحدثون عن الإعلام الخارجي بل الإعلام الرسمي وكعادته لم يتناول القضية حتى خفتت تماما بشكل غريب بشكل يوحي بأن الإنسان المغربي لاقيمة له مع ألف أسف

  • Citizen
    الجمعة 21 غشت 2026 - 10:39

    المغاربة يتفننون في الاذلال ببلدهم وبانفسهم. الكرامة والهوية هي اخر شيء يهمهم. وخاصة الصحفيون ومن يسمون أنفسهم مؤثرين. اختار العيش في بلدي كيفما كان الحال كما يختار الفلسطيني ان يعيش في أرضه رغم القنابل والرصاص. قمة الكرامة والعز. ان أجد قوت يوم وان اجتهد لتحسين حالي هو طريقة عيش المسلم الذي له شخصية وكرامة. ومن اراد الذل والغرق من اجل المال فالله يهديه

  • Kamal
    الجمعة 21 غشت 2026 - 10:41

    تصفيه الاستعمار من سبته ومليليه موضوع اخر
    التخندق ورائه لتبرير ما يحدث من نزوح مذل للمواطنين اطفالا وكبارا نسائا ورجالا نحو المدينتين ومن هناك إلى اسبانيا فكره غير جيده. انها محاوله للتنصل من المسؤوليه حكومه وشعبا.
    في أسبانيا يتواجد اصلا اكثر من مليون مغربي. هل هذا سببه تصفيه استعمار ؟
    خليونا موضوعيين ومنصفين رجائا.

  • Citizen
    الجمعة 21 غشت 2026 - 11:08

    المهاجرون نوعان. نوع لايحب العمل ويبحث عن الرفاهية والمال السهل علما ان هذا لم يعد موجود في اوروبا . ونوع يفضل ان يعمل في اي عمل يرفضه الأوروبي من ان يبدأ بsmig في بلده. وكلاهما لم يدرس كما يجب ولم يتعلم شيء ينفع به نفسه. ولا احد يموت من الجوع في المغرب رغم صعوبة الظروف. وليكرهني من يشاء، فانا كنت في إنجلترا اول التسعينيات ولم اطق العيش هناك.

  • حسين
    الجمعة 21 غشت 2026 - 11:12

    السؤال الذي لم تطرحونه .لماذا الحكومة والمسؤلون المغاربة لزمو الصمت حيال ما جرى في سبتة المحتلة؟
    ماذا يعني ذالك الصمت. والغريب انه حينما تكلم رئيس الحكومة السابقة
    اتهمو ه بعض الصحفيين الماجورين.والمطبلين بعدم احترام الصمت .

  • Emoir
    الجمعة 21 غشت 2026 - 11:47

    مخجل ما وقع و سيترتب عليه ما يترتب ….أولها أروبا ستغلق أبوابها نهائيا في وجه كل ما هو مغربي ثانيها لن يستطيع أي مسؤول مغربي أن يجمل أو يكذب على العالم من الآن فصاعدا أنت مجرد حثالة لا أقل و لا أكثر …..سبب ذلك تضبيع و تجهيل البلد…بلدان أسوأ منا بكثير لم يقع فيها ما وقع …سياسة تكليخ الشعب هاكم النتيجة.

  • شوهة عالمية
    الجمعة 21 غشت 2026 - 12:43

    من الجالية المغربية،او من مغاربة المغرب:يضرك،راسك،تحس بنقص،تحس بأن أشياء،او عقليات ليست سليمة،تحس بأن ناس يبيعون الهوا في السما،عن أوربا،حتى تصل أليها وتكتشف،واقعا أخر.
    أتسأل كيف لشباب وشابات؟لا يملكون لا حرفة ولا تكوين،ويحلمون بأن الوصول لي أوربا سي يلقون الأموال بسهولة.كيف استطاعت الدعايات والانترنت اللعب بعقولهم..،؟
    ان الجهل عار،والمعرفة :نور،يجعل الانسان يقرر بصواب.
    البارحة قررت الحكومة الإسبانية:نقل 500قاصرات مغربيات،الى داخل الجزيرة الاخبارية،ثرى ماذا ينتظر منهن؟!
    وما هيا تربية هؤلاء العائلات المغربية،التي أعطت الفرصة لقاصرتهن الحريك؟!!..يارب الستر.

صوت وصورة
المازوط وغلاء التنقل في البيضاء
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 08:57 1

المازوط وغلاء التنقل في البيضاء

صوت وصورة
مشاركة وازنة للإمارات بمعرض مراكش
الخميس 8 أكتوبر 2026 - 22:05 1

مشاركة وازنة للإمارات بمعرض مراكش

صوت وصورة
أول دورة وطنية للقراءة بالفرنسية
الخميس 8 أكتوبر 2026 - 21:36 2

أول دورة وطنية للقراءة بالفرنسية

صوت وصورة
مقر الطيران العربي بالرباط
الخميس 8 أكتوبر 2026 - 19:31

مقر الطيران العربي بالرباط

صوت وصورة
طريق متهالكة تعرقل التمدرس
الخميس 8 أكتوبر 2026 - 15:15 3

طريق متهالكة تعرقل التمدرس

صوت وصورة
الأباتشي في عرض جوي بمراكش
الخميس 8 أكتوبر 2026 - 12:43 7

الأباتشي في عرض جوي بمراكش