زمنان في مراكش

زمنان في مراكش
الإثنين 24 غشت 2026 - 11:47

ثمة مدن لا تعيش الزمن كما تعيشه المدن الأخرى. مدنٌ يبدو أن الزمن يمر من خلالها، دون أن ينجح تمامًا في أن يمر فيها. ومراكش في لحظتها الراهنة، تبدو كأنها تقف في منطقة ملتبسة من التاريخ. لا هي مدينة استسلمت للماضي، ولا هي استطاعت أن تعثر على إيقاعها الخاص داخل عالم يتسارع بصورة تكاد تلغي المسافة بين الفكرة ووقوعها، وبين الرغبة وتحقيقها، وبين المعلومة وتأثيرها.

في مراكش لا يبدو البطء مجرد إيقاع للحياة اليومية، بل يتحول أحيانًا إلى بنية ذهنية ومؤسسية تنتج علاقتها الخاصة بالزمن. الأشياء تتغير، لكن ببطء؛ البنيات تتوسع، لكن الوعي الذي يفترض أن يصاحبها يظل مترددًا؛ والتكنولوجيا تدخل المدينة من أبوابها الواسعة، بينما تظل أسئلتها الكبرى معلقة في فضاء تقليدي لم يعد قادرًا على تفسير ما يحدث.

نتساءل: هل عجز الزمن عن فهم مراكش، أم أن مراكش هي التي لم تجد بعد الطريقة التي تجعلها تفهم زمنها؟

المسألة لسيت مجرد مفاضلة بين الماضي والمستقبل، ولا صراعًا ساذجًا بين الأصالة والحداثة. إنها في الجوهر مسألة تتعلق بعلاقة الإنسان بالمكان حين يصبح المكان نفسه موضوعًا لإعادة التشكيل. فالمدينة كما يمكن أن نستخلص من روح سوسيولوجيا بيير بورديو، منظومة من العادات والتصورات والرموز والممارسات التي تنتج طريقة مخصوصة في رؤية العالم. وحين تتغير شروط العالم، بينما تبقى بنيات الوعي أسيرة أنماط قديمة، تنشأ تلك المسافة الخفية بين مدينة تتحرك ومدينة لا تتغير بما يكفي لكي تفهم حركتها.

مراكش تحمل في جسدها تاريخًا كثيفًا. المدينة العتيقة، الأسواق، الساحات، الأسوار، العمارة، الذاكرة الشعبية، الحرف، الطقوس، واللغة اليومية للمكان؛ كلها تشكل أرشيفًا حيًا لا يمكن اختزاله في صورة سياحية أو بطاقة بريدية. لكن التاريخ في المعنى الفلسفي ليس مستودعًا للماضي. إنه علاقة متوترة بين ما كان وما يمكن أن يكون. يقول بول ريكور إن الذاكرة والزمن والتاريخ هي أجزاء من سؤال الهوية الإنسانية. فالمدينة التي تتذكر لا تعيش بالضرورة في الماضي؛ إنها تستخدم الماضي لإعادة بناء علاقتها بالمستقبل. أما حين تتحول الذاكرة إلى قفص، فإنها تفقد قدرتها على إنتاج المعنى وتتحول إلى مجرد تكرار للذات.

ربما تكمن إحدى مفارقات مراكش في أنها تمتلك ذاكرة حضارية هائلة، لكنها لم تنجح دائمًا في تحويل هذه الذاكرة إلى رأسمال معرفي قادر على إنتاج المستقبل. حيث إن المدينة التي تختزل تراثها في السياحة، تختزل جزءًا من روحها في الاستهلاك. والمدينة التي تجعل ماضيها واجهة للزائر، دون أن تجعله مصدرًا للتفكير في مستقبل سكانها، تكون قد حولت التاريخ من قوة منتجة للمعنى إلى ديكور للفرجة.

غير أن التحدي الجديد أكثر تعقيدًا. فمراكش لم تعد تواجه فقط سؤال الحداثة الصناعية أو التوسع العمراني أو العولمة الاقتصادية؛ إنها تواجه عالمًا جديدًا تتشكل فيه المعرفة والرغبات والصور والاختيارات بواسطة الخوارزميات.

المدينة التي كان أبناؤها يتعرفون إلى العالم عبر المدرسة والكتاب والشارع والمقهى والصحيفة، أصبحوا يتعرفون إليه أيضًا عبر شاشة صغيرة تحمل داخلها اقتصادًا هائلًا للانتباه. أستحضر هنا إشارة لميشيل فوكو حول السلطة والمعرفة أكثر راهنية، “من يملك القدرة على تشكيل ما نراه، يمتلك جزءًا من القدرة على تشكيل ما نفكر فيه.”

فالخوارزمية لا تحتاج إلى أن تمنعك من التفكير؛ يكفي أن تختار لك ما يستحق أن تراه. ولا تحتاج إلى أن تفرض عليك هوية؛ يكفي أن تعيد إنتاج الصور التي تجعل هوية معينة أكثر جاذبية من غيرها. فلا يعود الاختراق الهوياتي حدثًا يقع خارج الإنسان، وإنما يصبح عملية يومية صامتة تحدث داخل الشاشة، في الصورة، والإعلان، والفيديو القصير، وفي ذلك التدفق المتواصل للمعلومات الذي يحول الإنسان من قارئ إلى مستهلك للانتباه.

وإذ تصبح مراكش أمام مفارقة حادة: مدينة تمتلك واحدة من أكثر الهويات الحضرية كثافة في العالم، فإنه لا بد من التأكيد على أنها تعيش أيضا داخل فضاء رقمي قادر على إعادة تعريف الهوية بسرعة لا تملك المؤسسات التقليدية أدوات مقاومتها أو حتى فهمها.

والمشكلة لا تكمن في التكنولوجيا ذاتها، ولا في الانفتاح على العالم. فرفض العصر باسم حماية الهوية يمكن أن يتحول بدوره إلى شكل من أشكال العجز. المشكلة تبدأ حين تستورد المدينة حلولًا جاهزة لمشكلات لم تُفهم جذورها.

إن الحداثة ليست حزمة من التقنيات يمكن استيرادها كما تستورد الآلات. إنها قبل كل شيء، قدرة المجتمع على إنتاج الأسئلة التي تخصه، ثم ابتكار الأدوات الملائمة للإجابة عنها. وماكس فيبر يفسر ذلك بتأويل “نزع السحر عن العالم” الدلالة المختلفة؛ إذ الحداثة لا تعني فقط زيادة العقلنة، بل إعادة تنظيم العلاقة بين الإنسان والمؤسسة والمعرفة والسلطة. أما حين تتحول العقلانية إلى مجرد إجراءات تقنية، فإنها تفقد بعدها النقدي، وتصبح بيروقراطية بلا روح.

إن مراكش لا تحتاج إلى نسخة مستوردة من مدينة أخرى. إنها تحتاج إلى عقل حضري قادر على اكتشاف منطقها الخاص. فالمدينة التي تحاول أن تصبح مثل الجميع تفقد، في النهاية، السبب الذي يجعل الآخرين يرغبون في زيارتها.

السؤال الآخر الأكثر راهنية: لمن تُبنى المدينة؟. هل تُبنى للسائح، للمستثمر، للعقار، للسيارة، للمشروع العمراني، للعلامة التجارية، أم للإنسان؟ . في هذا السياق يصبح نقد هنري لوفيفر للفضاء شديد الصلة بمراكش. فالفضاء الحضري ليس مجرد مساحة محايدة؛ إنه فضاء اجتماعي تنتجه علاقات القوة والاقتصاد والسياسة. ومن ثم فإن السؤال الحقيقي ليس فقط كيف نعيد ترتيب المدينة، بل من يملك حق تعريف معناها؟، فحين يصبح العمران أسرع من المجتمع، تظهر مدينة جديدة لا تشبه بالضرورة سكانها. وحين تتسع الطرق دون أن تتسع إمكانات العيش، وتكثر المشاريع دون أن تتعمق المشاركة، وتزداد الصورة الخارجية لمعانًا بينما تتراجع جودة الحياة اليومية، تصبح المدينة أسيرة مفارقة خطيرة: تتطور بوصفها واجهة، وتتراجع بوصفها تجربة إنسانية.

لذلك قد يكون من الظلم وصف مراكش بأنها مدينة “متأخرة” زمنيا. فالتأخر مفهوم خطي يفترض أن هناك طريقًا واحدًا للتقدم وأن المدن تسير جميعها في الاتجاه ذاته. أما المدينة الحقيقية فهي أكثر تعقيدًا.

مراكش لا تحتاج إلى اللحاق بالزمن بقدر ما تحتاج إلى إعادة التفاوض معه. فأن تدخل التكنولوجيا دون أن تسمح لها بابتلاع الذاكرة. أن تحافظ على التراث دون أن تحوله إلى متحف. أن تستقبل العالم دون أن تفقد قدرتها على تعريف ذاتها. أن تصبح مدينة ذكية دون أن تتحول إلى مدينة مراقبة. وأن تستخدم الذكاء الاصطناعي دون أن تسلم له حق تعريف الذكاء نفسه.

وفي ذلك أستعيد قول هابرماس حول سؤال الفضاء العمومي، كون المدينة الحديثة لا تُقاس فقط بجودة بناياتها أو بنيتها التحتية، وإنما بقدرتها على إنتاج نقاش عمومي حي، يستطيع المواطن من خلاله أن يشارك في تحديد مستقبل المجال الذي يعيش فيه.

ربما تحتاج مراكش اليوم إلى ما يمكن تسميته “فلسفة المدينة”؛ أي الانتقال من تدبير الأشياء إلى التفكير في معنى المدينة نفسها. فالمستقبل لا يبدأ من الإسمنت، ولا من التطبيقات الذكية، ولا من المشاريع السياحية الكبرى؛ يبدأ من سؤال الإنسان. أي إنسان نريد أن يعيش في مراكش؟ وأي علاقة نريد أن يقيمها مع المكان؟ وأي ذاكرة نريد أن نورثها للأجيال المقبلة؟، وأي حداثة نريدها: حداثة تبتلع الخصوصية، أم حداثة تمنح الخصوصية قدرة جديدة على التعبير عن نفسها؟

إن أخطر ما يمكن أن يحدث لمراكش ليس أن تتغير؛ فالمدن التي لا تتغير تموت. الخطر أن تتغير دون أن تعرف لماذا، وأن تتسارع دون أن تعرف إلى أين، وأن تصبح حديثة في أدواتها وقديمة في طريقة تفكيرها. ولذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يسبق كل مشروع جديد ليس: كيف نجعل مراكش أكثر حداثة؟ بل: أي مراكش نريد أن نصنع من خلال الحداثة؟.

إن مراكش ذاكرة بشرية تصنع الزمن. وإذا كان الزمن قد أصبح أسرع من قدرة المدينة على استيعابه، فإن الرهان ليس على إيقاف الزمن، وهو المستحيل، وإنما على امتلاك الوعي الذي يجعل من سرعته فرصة لإعادة ابتكار المدينة دون اقتلاع روحها. فالأمم لا تفقد مدنها حين تتغير ملامحها؛ تفقدها حين تتغير الملامح دون أن يبقى فيها ما يستحق أن يُسمى ذاكرة.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

1
  • الصكع
    الثلاثاء 25 غشت 2026 - 22:36

    يتحدث الإنسان عن نفسه..و يعتقد أنه يتحدث عن مدينة لا يعرف عنها، في الحقيقة، أي شيء !

صوت وصورة
التوعية بدور المساعدة الطبية
الإثنين 12 أكتوبر 2026 - 10:54

التوعية بدور المساعدة الطبية

صوت وصورة
لوكهيد مارتن بمعرض مراكش
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 20:51

لوكهيد مارتن بمعرض مراكش

صوت وصورة
السيول تجتاح طرق أسني بالحوز
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 19:49 6

السيول تجتاح طرق أسني بالحوز

صوت وصورة
جنرال أمريكي: المغرب مصدر للأمن
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 16:47 2

جنرال أمريكي: المغرب مصدر للأمن

صوت وصورة
مبادرة ساكنة لفك العزلة
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 15:06 10

مبادرة ساكنة لفك العزلة

صوت وصورة
تشييع المغربية ضحية الهجوم الحوثي
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 10:57 2

تشييع المغربية ضحية الهجوم الحوثي