مصير غامض ينتظر أكبر جيش أوروبي مع نهاية الحرب الروسية الأوكرانية

مصير غامض ينتظر أكبر جيش أوروبي مع نهاية الحرب الروسية الأوكرانية
صورة: أ.ف.ب
الجمعة 2 يناير 2026 - 05:00

تُطرح تساؤلات محورية بشأن مستقبل القوات المسلحة الأوكرانية التي باتت تُصنَّف، من حيث العدد، كأكبر جيش في القارة الأوروبية. فمع استمرار الحرب مع روسيا للعام الثالث على التوالي، وصل عدد الجنود الأوكرانيين في الخدمة الفعلية إلى ما يقارب 800 ألف، وهي قوة لم تمتلكها أوكرانيا منذ استقلالها عن الاتحاد السوفيتي، ولم تمتلكها أي دولة أوروبية خلال العقود الأخيرة.

لكن هذه القوة العسكرية، التي اكتسبت خبرة ميدانية فريدة في مواجهة واحدة من أقوى جيوش العالم، قد تتحوّل إلى عبء اقتصادي وسياسي ما لم تُحسن كييف إدارة مرحلة ما بعد الحرب، سواء انتهت بتسوية سلمية أو بتجميد النزاع.

وترى صحيفة “وول ستريت جورنال” الأمريكية أن التحدي الحقيقي الذي يواجه صُنّاع القرار في أوكرانيا، هو كيفية الحفاظ على توازن دقيق بين جاهزية عسكرية عالية، واستقرار اقتصادي مهدد، وتراجع ديموغرافي متسارع.

وفقًا للصحيفة، يُعد الجيش الأوكراني اليوم الركيزة الرئيسية للدفاع الأوروبي غير الرسمي ضد روسيا، حيث يرى الأوروبيون في كييف الحاجز الأول أمام أي مغامرة عسكرية جديدة قد تفكر فيها موسكو مستقبلًا. لهذا السبب، لا تبدو مسألة مستقبل الجيش الأوكراني شأنًا داخليًا فحسب، بل مسألة ترتبط بالأمن الجماعي الأوروبي.

ورغم الدعم الكبير الذي قدّمه الغرب لأوكرانيا منذ اندلاع الحرب في فبراير 2022، والذي بلغ، بحسب معهد كيل الألماني، أكثر من 350 مليار دولار، إلا أن مؤشرات التعب والفتور بدأت تظهر. الولايات المتحدة أوقفت برامج مساعدات أساسية، بينما تواجه دول الاتحاد الأوروبي ضغوطًا اقتصادية وشعبية قد تؤدي إلى تقليص مساهماتها. ومع ذلك، وافق الاتحاد الأوروبي نهاية العام الجاري على تقديم قرض ضخم لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو (نحو 105 مليارات دولار) لتفادي الانهيار المالي في كييف، وتمكين الجيش من مواصلة مهامه.

لكن حتى هذا الدعم، وإن كان كبيرًا على المدى القصير، لن يكون كافيًا للإبقاء على جيش بهذا الحجم. إذ تشير التقديرات إلى أن أوكرانيا تنفق حاليًا قرابة 30% من ناتجها المحلي الإجمالي على الدفاع، وهو رقم غير مسبوق عالميًا، ويزيد بأربعة أضعاف عن نسبة الإنفاق الدفاعي الروسي المقدّرة بـ 7.3%. وفي حال توقيع اتفاق سلام، فإن معظم الجنود المجندين سيطالبون بالعودة إلى حياتهم المدنية، لا سيما في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة وندرة فرص العمل.

يرى مايكل كوفمان، الباحث في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، أن الجيش الأوكراني بعد الحرب يجب أن يُبنى على أسس الكفاءة الاقتصادية والمرونة، وليس على التوسّع العددي أو الامتلاك الرمزي للمعدات. ويدعو كوفمان إلى الاعتماد على قوات الاحتياط والتقنيات غير المكلفة مثل الطائرات المسيّرة والألغام، وتجنّب الاستثمار في أسلحة باهظة الثمن مثل الطائرات الحربية.

وتتقاطع هذه الرؤية مع ما كشفته وثيقة استراتيجية صادرة عن وزارة الدفاع الأوكرانية في مارس الماضي، والتي أشارت إلى خطط لبناء شبكة دفاع جوي وطنية متكاملة تشمل 29 موقعًا جديدًا للرادارات، بالإضافة إلى تعزيز استخدام المركبات البرية غير المأهولة، والتي ستُشكّل ما يصل إلى 80% من الوحدات القتالية في “ألوية المناورة”. كما تسعى الوزارة إلى دمج الأنظمة الغربية والسوفيتية المتوفرة حاليًا في منظومة دفاعية موحّدة.

وفي ظل استمرار الهجمات الروسية بالطائرات المسيّرة والصواريخ البعيدة المدى، يبرز الدفاع الجوي كأولوية قصوى للقادة العسكريين. الكولونيل سيرهي كوستيشين، نائب قائد اللواء 72، صرّح للصحيفة بأن حماية المدن وخطوط الإمداد من الطائرات المسيّرة الروسية باتت مهمة استراتيجية لا تقل أهمية عن المعارك البرية، مشيرًا إلى أن الاستثمار في منظومات الدفاع الجوي يجب أن يكون أولوية التمويل العسكري.

بالمقابل، لا تزال الطائرات الحربية تثير جدلًا واسعًا في الأوساط الأوكرانية والغربية. فبينما وقّع الرئيس فولوديمير زيلينسكي مذكرات تفاهم لشراء ما يصل إلى 250 مقاتلة من طراز “رافال” الفرنسية و”غريبين” السويدية، يُحذّر اقتصاديون وعسكريون من أن هذه الصفقة قد تُرهق الميزانية، لا سيما أن تكلفة تشغيل وصيانة طائرة مقاتلة واحدة قد تصل إلى ملايين الدولارات سنويًا. وتجدر الإشارة إلى أن أوكرانيا تمتلك حاليًا، بحسب معهد الدراسات الاستراتيجية في لندن، 66 طائرة حربية صالحة للقتال، بينها مقاتلات “إف-16” تبرّعت بها دول غربية.

لكن أندري زاغورودنيوك، وزير الدفاع الأوكراني السابق، لا يُشاطر هذا القلق بالكامل، إذ يعتبر أن المقاتلات ليست فقط وسيلة للهجوم، بل أيضًا لمنع العدو من فرض سيادة جوية، وهو ما قد يُغيّر مسار أي حرب مستقبلية.

في سياق متصل، تسعى أوكرانيا لتقليص اعتمادها على الخارج عبر تطوير صناعتها العسكرية المحلية. وتشير الحكومة إلى أن أكثر من 40% من الأسلحة المستخدمة حاليًا على الجبهة هي صناعة أوكرانية، وتطمح إلى رفع هذه النسبة إلى 50% قبل نهاية العام الجاري. وفي الوقت نفسه، خفّضت كييف طموحاتها بشأن تصنيع دبابات ألمانية الصنع داخل البلاد، بعدما كانت تخطط لإنتاج 200 دبابة من طراز “بانثر”، وهو ما فُسر على أنه مراجعة واقعية لأولوياتها الدفاعية.

اقتصاديًا، يُعد الاحتفاظ بـ 800 ألف جندي في الخدمة الفعلية خطرًا مباشرًا على النمو والتنمية، خاصة في بلد يعاني من تراجع سكاني حاد بسبب الهجرة والنزوح، وفقدان الآلاف في الحرب. ولهذا يقترح بعض المحللين أن يكون الجيش الفاعل بعد الحرب بحدود 300 إلى 500 ألف جندي، مع الحفاظ على قوة احتياطية واسعة ومدرّبة.

وترى الصحيفة الأمريكية أنه “في ظل التحديات الاقتصادية والسياسية والديموغرافية، يبدو أن الجيش الأوكراني في مرحلة ما بعد الحرب سيكون مختلفًا جذريًا عما هو عليه اليوم. ستتقلص الأعداد، وستُعاد صياغة المهام، وستُدمج التكنولوجيا في صلب العمليات، في وقت تبحث فيه أوكرانيا عن نموذج عسكري يتوافق مع قدراتها من جهة، ومع مسؤولياتها كدولة واقعة على خط التماس الأوروبي الروسي من جهة أخرى”.

وأضاف المصدر ذاته أنه “حتى مع انتهاء الحرب، لن تنتهي معركة أوكرانيا مع الجغرافيا والتاريخ. فالجيش الذي صمد في وجه موسكو قد يُصبح، إن حُسن تنظيمه، أساسًا لحلف دفاعي جديد في أوروبا، أو قد يتحوّل، إن أُهمل، إلى عبء يتجاوز قدرة الدولة على تحمّله”.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

5
  • يوسف
    الجمعة 2 يناير 2026 - 08:10

    التقرير تناول من جانب واحد تاثيرات الحرب على اوكرانيا بالرغم أنها وقفت ندا في وجه ثاني أقوى جيش في العالم….لحد كتابة هذه السطور بلغ عدد القتلى في صفوف الجيش الروسي أكثر من 158000 هذا بذكر اسماء القتلى أما الرقم الحقيقي فيتجاوز 350000 إذا كان هناك دعم لاوكرانيا فروسيا كذلك تعتمد على اسلحة من كوريا الشمالية وايران وببلاروسيا والشيشان عدا عشرات الآلاف من الجنود…اوكرانيا انتقلت الى تصنيع عدد مهم من الأسلحة المتطورة والتي اتبثت نجاعتها في ضرب العمق الروسي وتدمير الكثير من الاهداف البحرية والبرية وحتى المطارات العسكرية وفي ليلة 30 من ديسمبر الماضي غرقت موسكو في الظلام بعد قصف محطة الطاقة الروسية من طرف مسيرات اوكرانية….

  • karim
    الجمعة 2 يناير 2026 - 09:32

    السي يوسف رقم 1, روسيا لاتحارب اوكرانيا, بل تحارب امريكا والاتحاد الاروبي. والله ثم والله لولى مساعدة هؤلاء لاوكرانيا لكانت انتهت في اسبوعها الاول.
    هل تتذكر وقوف مئات الدبابات الروسية على بعد 60 كلم من العاصمة كييف؟

  • Ahmed
    الجمعة 2 يناير 2026 - 10:12

    سوف يوزعون على الدول الاروبية كا لاجئين لان اكرنيا اصبخت ارض غير صالحة للعيش دمرت وهجرت تقريا كليا .

  • Rachid Boutjim
    الجمعة 2 يناير 2026 - 13:10

    جيش ضعيف ، جل أعضائه يرمون السلاح ويسلمون أنفسهم للقوات الروسية . اليوم التكنولوجية العسكرية هي من يحسم المعركة ، وليس عدد القوات .

  • Sarfati
    الجمعة 2 يناير 2026 - 14:09

    عدد الجيش الأوكراني قليل جدا مقارنة هذا لايعني أن رقم 800 الف غير حقيقي، لكن هذا العدد على جبهات القتال هو متكون من عناصر مدنية، تم القبض عليها بالقوة، وإرسالها للقتال. لهذا هؤلاء هم مجندون (بالقوة، وهذا هنا غير مهم) سيطلق سراحهم، أو إعفاءهم من الخدمة، بمجرد انتهاء الحرب. اما عن تجميد الأزمة، فهذا ما يحلم به الغرب، لكن روسيا ترفضه، ولن تقبل به. وبوتين، في خطاب رأس السنة، قالها صراحة أن روسيا ستنتصر في الحرب، وستحقق اهدافها في أوكرانيا، وهدد أوروبا إن أرادت الحرب، وهو ما جعل الرعب ينتشر وسط القيادات الأوروبية. وهذا ظهر من تصريحاتهم المتناقضة!

صوت وصورة
لوكهيد مارتن بمعرض مراكش
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 20:51

لوكهيد مارتن بمعرض مراكش

صوت وصورة
السيول تجتاح طرق أسني بالحوز
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 19:49 3

السيول تجتاح طرق أسني بالحوز

صوت وصورة
جنرال أمريكي: المغرب مصدر للأمن
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 16:47 2

جنرال أمريكي: المغرب مصدر للأمن

صوت وصورة
مبادرة ساكنة لفك العزلة
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 15:06 9

مبادرة ساكنة لفك العزلة

صوت وصورة
تشييع المغربية ضحية الهجوم الحوثي
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 10:57 2

تشييع المغربية ضحية الهجوم الحوثي

صوت وصورة
معرض الطيران يجمع الفرجة والمعرفة
السبت 10 أكتوبر 2026 - 23:30

معرض الطيران يجمع الفرجة والمعرفة