يقول الشاعر الحميدي: بالعلم يحيى المرء طول حياته فإذا انقضت أحياه حسن ثنائه
الأستاذ المبدع عبد الله شقرون (1926 – 2017) ظاهرة أدبية تسترعي الانتباه، وتبعث على الارتواء من معينها الثر الغزير، وتدعو إلى الانتشاء بما يخطه القلم في بياض صحف تشهد بالتفوق والنبوغ لمن نعتناه بالظاهرة، فتحصل المتعة والفائدة.
وقد سعدت بإهداء كتاب نفيس، حبّره قلمه بأريحية الفضلاء، وسجية العلماء، فلم أجد كلمات شكر أبلغ من الحديث عنه كاتبا مرموقا ومؤلفا مبدعا، ثم عن هذا المؤلف الذي اختار له عنوانا “فاس… والكل في فاس” مع عنوان تكميلي “وسلا ابنة فاس”، الصادر ضمن منشورات 2014، في حلة أنيقة؛ ورق صقيل وطباعة فاخرة.
أخلص الأستاذ عبد الله شقرون الصحبة للكِتَاب قراءة وتدوينا، فصاحبه في الحل والترحال، وكانت غواية القلم النافذة التي أطل منها على عالم القراء بما أبدعه من مؤلفات، وما أصدره من مدونات، يبهر المرء بسعة أفقه وتنوع معارفه وتعدد اهتماماته، وسلاسة أسلوبه ووضوح أفكاره، كاتب يجيد ويفيد، يسبح بك في عوالمه بنعومة وسهولة، ويغريك بمتابعة الإبحار في إبداعاته وإصداراته، يشدك إلى محرابه بطواعية وحسن قبول، فلا يسعك إلا أن تطلب المزيد، وتقبل على مؤلفاته بمودة وترحاب، وشغف وامتنان، لتجني من رطبها ما يسعفك على إغناء معلوماتك، واستدراك ما فاتك من الأخبار، وتعريفك بنوادر الكتب وروائع المصنفات، فهو مكتبة علمية وأدبية تغريك بفوائدها، وجني لذيذ ثمارها في كل وقت وحين .
عبد الله شقرون من أدباء الطليعة في المغرب، قارئ متميز، فالكتاب رفيقه وملهمه، يقتنيه أينما وجده، ويحله مكانة مرموقة في رفوف مكتبته، وأكثر من ذلك، قد يصنفه تبعا لمواده وموضوعاته، ويفرد لبعضها مؤلفا، إذ لم يخطر على البال أن تحظى بتلكم العناية، وبذلكم التتويج، فبُهت كل من اطلع على الكتاب التحفة ونوّه برؤيا صاحبه في الترتيب والتصنيف: ” النساء … والرجال، في مكتبة شخصية “، وقد صدر في جزأين سنة 2013، في حلة أنيقة رائقة، ألا يدل هذا الإصدار الفريد على ما للمبدع عبد الله شقرون من حب وشغف بالقراءة والتدوين،! ومن تقصٍّ وتتبع للإصدارات في كل وقت، كتاب طريف وغني بالمعلومات والفوائد الأدبية والعلمية التي استقاها من نبع المؤلفات التي حظيتْ بالتقديم والتحليل، في باب أعتقد أنه لم يسبق إليه، فتناول فيه كتبا عُنيت بـ”شؤون المرأة دينيا وقانونيا واجتماعيا وفكريا، كما تتناول بالتبعية قضايا الرجل، وبالتالي مواقف الرجال ومالهم من الحقوق وما عليهم من الواجبات” كما جاء في كلمة المؤلف، كما تناول كتبا عنيت بالعشق والغرام، يقول عبد الله شقرون: “ومن يذكر المرأة لا بد أن يذكر الحب والهيام والعشق، وهذا مجال يبهج النفوس كلما كانت النوايا سليمة، وكان الزواج الصحيح والحب الصحيح هما الهدف الأسمى” . فاجأني ما للرجل من قدرة على القراءة والتحليل لأزيد من سبعين كتابا صُنَّف كل موضوع في ملف، مما يعكس حسن الاستيعاب والتأتي لما قرأه، ولما عمل على التعريف به وتحليل مضامينه، مع ما لصور أغلفة الكتب من حضور في الاقتراب من المؤَلَّف والحرص استقبالا على قراءته والاستمتاع بفوائده.
ولعل التصنيف الذي أتحفنا به الأستاذ شقرون في مقدمة مؤلفه “حكاية خزانة شخصية.. إسلام وتصوف” لما تحويه خزانته من مؤلفات يدخل في باب مختلف عما ألفته من تصنيف أصحاب الخزانات، إذ جعل خزانته تتألف من واحد وعشرين ركنا، جمع في كل ركن مؤلفات منسجمة مع بعضها ومتقاربة في التناول، فهناك: ركن الأدب والأدباء، ركن المسرح والدراما، ركن الموسيقى والتراث، ركن سلا والرباط، ركن الكتب الوردية، ركن النساء والأطفال، إلخ، في هذا المؤلف يعرض لمجموعة من المؤلفات الدينية والتصوفية باللغتين العربية والفرنسية، بالتعريف والتحليل وزمن الاقتناء ومكانه، بأسلوب بسيط قريب التناول، مبديا رأيه فيما أعجبه عند قراءته وما استفاده منه.
ووفاء لمن علمه من الشيوخ والأساتذة ألف مصنفا عنوانه “شيوخ وأساتذة “، منهم مغاربة ومنهم فرنسيون أثروا في مسيرته العلمية، وارتسمت ملامح عطائهم في ذاكرته على الرغم من المسافة الزمنية التي تفصله عن مراحل التمدرس في المغرب أو في فرنسا، وهذه شيمة الطالب الوفي لأساتذته وشيوخه؛ إضافة إلى مؤلفاته المختلفة في المسرح والإذاعة والتلفزيون، وفي الإعلام السمعي البصري، وما يزيد المرء شغفا بعطاء هذا المبدع الفنان فيما جمعه من أخبار الشعراء وغيرها من المؤلفات التي أربت على الخمسين، إنها مكتبة دسمة بموادها، زاخرة بأعلامها، بهية بصاحبها.
لم يسعدني الظرف لزيارة هذه المكتبة الغنية، وهي كما يبدو مكتبة عامرة ومتنوعة باللغتين العربية والفرنسية، أغناها على مر الأعوام والسنين دأب متواصل على اقتناء أمهات الكتب والمصادر، وفي بعض الأحيان ما توفره الإهداءات من حين إلى آخر، يقول عنها صاحبها: “إنه يعتمد عليها في البحث والدراسة والمراجعة والمطالعة كلما احتاج إليها ووقتما شاء”، وهذا ينمّ عن حب متمكن من الكتب وداء مستشر لن ينفع معه دواء، إلا كما قال أبو نواس: “وداوني بالتي كانت هي الداء”. لقد استطعم شقرون فوائد الكتاب بالقراءة والمطالعة، ثم الكتابة والتأليف، فحظيت مكتبته بعناية خاصة، وأنزلها منزلا مباركا تنظيما وترتيبا وحسن تقديم، ولولا ذلك لما كان لكل ركن وكل زاوية فيها مكتبة متخصصة كما سبقت الإشارة إلى ذلك؛ فالخزانة في اعتقادي هي الأقرب إليه من خلال مقروءاته ومطالعاته من أي شيء آخر، إلا إذا زاحمها قلم رصين ينتشي بحمله طول الوقت، لتدبيج مقالاته وتحبير ما اقتنصه من قبسات أدبية مغربية وأندلسية، شرقية أو غربية، ومن ثم يصبح موزعا بين ضرتين عزيزتين لا خيار له عن فراقهما، أو العدل بينهما، كما سبق للأستاذ الأديب والسياسي المحنك عبد الكريم غلاب أن تحدث عنهما منذ عشرين سنة في مقاله الأربعائي، عندما قال: “ضرتان جميلتان لم أستطع العدل بينهما، وهما: القراءة والكتابة “، وذلك هو شأن الأستاذ المبدع عبد الله شقرون.
أما في كتابه “نشوة القلم في بدائع الأدب” فيعتز بهذا القلم الذي أتاح له فرصة الحضور والانتشاء بصوغ مقالاته عن أدباء وشعراء تفضل قلمه بالكتابة عنهم، مفتخرا به كما قال الشاعر البستي قديما:
إذا أقسم الأبطال يوما بسيفهم وعدوه مما يكسب المجد والكرم
كفى قلم الكتاب عزا ورفعة من الدهر أن الله أقسم بالقلم
لقد أحب المبدع القلم، فرافقه في كل مراحل حياته، مدونا وإخباريا، مسرحيا ومؤلفا، كاتبا ومبدعا، يقول عنه: “معلوم أن القلم هو الوسيلة التقليدية التي يحقق أي كاتب إبداعه في انشراح وحبور، متنقلا من موضوع إلى آخر… والقلم هو المطية التي بها ارتقى المبدعون إلى الشهرة”. ولعل في تقريظ الشاعر مولاي علي الصقلي لكتاب “نشوة القلم” ما يذكي في القارئ نشوة حب الكتاب والقلم، يقول:
دع نشوة الراح، هذي نشوة القلم موحي البدائع في الآداب والحكم
فنشوة الراح ساعات، ولست أرى كنشوة القلم الأباءة العدم
…. شقرون شكرا من الناسين من ذهلوا عن خير ما نسج الأفذاذ من كلم
وكان للذكريات نصيب مما كتب، فذاكرته حية نشيطة، فهو يستحثها على التذكر، كما خاطبه الأستاذ عبد الهادي التازي “إني أحثُّك على أن تعتصر ما في زادك، فلن ينوب عنك غيرك”، إنه يمتح في كثير من مؤلفاته ممّا ترسخ في فكره من قراءات وتأملات، وما دونته ذاكرته عبر السنين وهو يستحضر الأحداث والمواقف والقراءات، وهذا في حدّ ذاته نبوغ قلما تيسر لغيره من المبدعين والكتاب، إضافة إلى أن مواد بعض مؤلفاته كما يذكر “كانت أحاديث أدبية إذاعية، ومقالات كتبتها ونشرتها في بعض المجلات، أو أن بعضها كان محاولات بحثية لغاية جامعية” .
ويدخل كتاب “فاس.. والكل في فاس” في باب الذكريات حينا والتأريخ حينا آخر للمدينة وبيوتها وحرف أهلها والمبدعين من رجالها، كتاب تاريخي بامتياز ألفه عبد الله شقرون كما يقول: “محبة خالصة في مدينة فاس وحضارتها الأصيلة وتقديرا لحيوية أهلها ونباهة أصلائها”، ومن لا يعترف بذلك، إنها فاس الحاضرة القروية، تحدث عنها ابن الخطيب فقال: “رعى الله قطرا، تربه ينبت الغنى، وآفاقه ظل على الدين ممدود، نعم العرين لأسود بني مرين،… أم القرى، ومأَمّ السرى، ومقر العز الذي لا يهضم، وكرسي الخلافة الأعظم”، إلى غير ذلك مما وصفت به في كتب المؤرخين والأدباء والشعراء قديما وحديثا. وهو يحكي عن قصة علاقته بمدينة فاس منذ يفاعته، ويشير إلى سبب إدراجه لعنوان تكميلي “وسلا ابنة مدينة فاس”، يقول: ذلك أن الشيخ محمدا عبد الحي الكتاني وقد استفسره عن اسمه ونسبه، لم يصدق أنه ابن مدينة سلا، وكأن سلا لا تنجب رحمها مبدعين وأدباء !! لكن المؤلف شقرون أكد أنه نسبا وأصلا من مدينة سلا، مما عجّل بقول الشيخ الكتاني: “مدينة سلا هي ابنة مدينة فاس”، حدث هذا في أواسط الأربعينيات. وبالمناسبة، كان لي مع العلامة إبراهيم الكتاني الموقف نفسه، وأنا أتردد على قسم المخطوطات بالرباط في أواسط السبعينيات، إذ ألح على انتمائي إلى مدينة فاس، لكن إصراري على انتمائي إلى مدينة سلا، دعاه إلى الموقف نفسه، مؤكدا أن “سلا ابنة مدينة فاس”. ولعل في طباع السكان السلويين وحبهم للعلم واعتزازهم بمسقط رأسهم ما دعا الشيخين إلى القول بتبني مدينة فاس لمدينة سلا، ولا بأس في ذلك، فالمغاربة جميعا يعتزون بالعلم والعلماء أينما أزهرت حقوله، في البادية والحاضرة، ويعتزون بمدينة فاس وجامعتها العريقة القرويين، ومؤسستها السيدة الفاضلة فاطمة الفهرية.
تتوزع الكتاب ثمانية فصول؛ أولها علاقة الكاتب بمدينة فاس من خلال أول زيارة له، وهو فصل طريف نجح في استحضار جزئياته مع أبيه وأصدقائه، فهو مفتون بمعالمها الحضارية وإشعاع أبنائها “في أي ميدان من ميادين النشاط والتطور والسبق “ص 29. ثم يعرج متسائلا في الفصل الثاني عن مؤسس مدينة فاس، مستعرضا ما ورد في المؤلفات التاريخية وأقوال المؤرخين ومنهم ليفي بروفانسال في بحث له عن تأسيس مدينة فاس، مستأنسا بما ورد في كتاب الاستبصار وفي معجم البلدان وفي روض القرطاس وغيرها، ولعل المؤلف بهذا التتبع يؤكد أن أستاذه بروفانسال كان وهو يكتب عن المدينة يمتح من مصادر مختلفة، وهذه شهادة في حق هذا العالم الموثق، كما يشير إلى ما ورد في كتاب جماعي عن تاريخ المغرب وإلى محاضرة الأستاذ عبد الوهاب بنمنصور في الموضوع نفسه.
أما الفصل الثالث فعن القراءة والكتاب في فاس وعن جامعة القرويين، وكشاهد يتحدث عن ظاهرة رواج الكتب المتمثلة في المزاد العلني لبيع الكتب والمخطوطات، دون أن يغفل الإشارة إلى برامج التعليم في عهود سابقة وإلى عناية ملوك المغرب بالخزانات كما هو الشأن بالنسبة لعلمائها، والحديث عن الخزانات يدعو إلى الحديث عن المطبعة الحجرية وعن ريادة فاس في الميدان، أما مراكز التعليم فهي عديدة ومنها جامعة القرويين وما حبر عنها من مؤلفات، ومدرسة العطارين والمدرسة البوعنانية والمصباحية وغيرها من المدارس. فالمؤلف يحلق بنا في دروب التاريخ العلمي للمدينة، وفي التاريخ الحرفي للصناع المهرة، النجارة والدباغة والنقش على الحجر وغير ذلك مما اشتهر به حرفيو المدينة.
ويهتم الفصل الرابع بالبيوتات والعائلات ومدافن العلماء والصلحاء، مستفيدا مما كتبه الأستاذ عبد السلام بنسودة في مجلة البحث العلمي، كما أنه لا يغفل ذكر بعض الأسماء كجسوس والسقاط وبرادة وغيرهم، مشيرا إلى ذكر مؤلفات مختلفة عن مدافن الصلحاء كسلوة الأنفاس، وطيب الأنفاس في تاريخ بعض زوايا فاس.
أما الفصول الأخرى فهي ما دبجه يراع الشعراء عن مدينة فاس؛ ومنهم الشاعر مولاي علي الصقلي ومحمد الحلوي ومفدي زكرياء، وما جمع من أشعار عنها في مؤلف “فاس في الشعر العربي” للأستاذ أحمد متفكر، معرجا على ما أنشده الشعراء المغاربة في عهود سابقة كالمكودي والجزنائي، كما تناول مؤلفات عن مدينة فاس وعن الأدباء الذين شغفوا بالمدينة فكتبوا عنها. ولا شك في أن المؤلف شقرون أمتعنا بما قدم من كتابات مفيدة عن شعراء فاس قديما وحديثا. ومما أثار انتباهي أكثر ما ذكره عن الشاعر عبد العزيز الفشتالي الذي حظي عنده باهتمام خاص، إذ كان مؤملا أن يكون موضوع رسالة جامعية سنة 1949، لكن لم يتيسر ذلك (ص 128)، المفاجأة أنني لم أكن أعرف ذلك، وناقشت رسالتي الجامعية عن شعر عبد العزيز الفشتالي سنة 1983، وتمّ طبعها ونشرها سنة 1986، وبذلك يكون حلم شقرون قد تحقق بالاهتمام بهذا الشاعر.
وفي فصل آخر تحدث عن المسرح بمدينة فاس، وكيف لا يفعل، وهو الفنان المسرحي المتتبع لخفايا هذا الفن، فتحدث عن المؤلفات التي تناولت هذا الفن وعن تطوره وارتقائه على أيدي ثلة من الباحثين والممثلين المسرحيين، مذكرا بالرواد وبما كان له من الذكريات معهم بتفصيل.
أما الفصل الأخير فعنونه كالآتي: مناشط جمعوية في فاس وأصدقاء ومعارف من فاس، ولعل السيد شقرون كان معجبا بأنشطة جمعية فاس سايس والعاملين على إثراء أنشطتها. وكان ختام هذا الفصل ما كتبه عن أصدقائه الفاسيين، فنانين وممثلي؛ ومنهم عبد الوهاب الدكالي ومولاي أحمد لوكيلي وأحمد الطيب لعلج، ومن الأدباء الأستاذ محمد الكتاني، ومن المطبعيين الفاضل الحاج محمد الرايس صاحب مطبعة النجاح الجديدة وآل الصايغ في الرباط، والكتبي والمطبعي محمد العلمي والي المهتم بالتراث، “خديم الكتاب ونشر الكتاب” ص 209.
هذه أهم مباحث وفصول الكتاب، التي استودع فيها المؤلف ذكرياته ومعلوماته عن مدينة فاس بتفصيل عموديا وأفقيا. والكتاب ممتع بأسلوبه المشرق ولغته الصافية وتعابيره السلسة، فقد وهبه الله قدرة فائقة على الكتابة والتأليف والنشر، والمتابعة لكل إصدار في أي لون أدبي أو غيره مما يثير انتباهه في الساحة الثقافية في المغرب وغيره. أما ذاكرته فهي حافظة لاقطة، يستحضر الخبر والمعلومة بكل تفاصيلها وجزئياتها وكأنها وليدة اللحظة.
لقد قدمت للقارئ بطريقتي الخاصة الفنان عبد الله شقرون من خلال بعض مؤلفاته ومن خلال خزانته العامرة، وفصلت القول عن كتابه الأخير عن مدينة فاس، لكن ماذا عن عبد الله شقرون الإنسان؟
عبد الله شقرون يستحق كل احترام وتقدير، لما جبل عليه من صفات خلقية رفيعة، تواضعا ونبلا وحسن طوية، كان رجلا خلوقا من طينة نادرة يعتز به كل من عرفه أو اقترب منه في مسقط رأسه سلا، أو في مقر سكناه بالرباط أو في أية منطقة مغربية أو عربية، فذكره يملأ الآفاق خلقا وإبداعا وعطاء.
“حين يعانق القلب الكتاب، يصبح الحبر دمًا جديدًا في عروق الذاكرة، وتغدو الصفحات أوطانًا لا يضيع فيها الإنسان”
أستاذة نجاة المحترمة،
أشكركم على هذا النص الثري الذي رسمتم فيه ملامح شخصية الأستاذ عبد الله شقرون، ذلك الأديب الموسوعي الذي عاش للكتاب وبالكتاب، وترك لنا إرثًا معرفيًا وإنسانيًا لا يُقدّر بثمن. لقد أجدتم في إبراز حبه العميق للقراءة، وحرصه الدائم على جمع الكتب وتصنيفها، حتى أصبحت مكتبته مرآة لروحه الباحثة عن الجمال والمعرفة. كما أظهرتم كيف كان شقرون وفيًا لأساتذته، معتزًا بجذوره، ومخلصًا لمدينته، التي جعل منها محورًا للذاكرة والتاريخ والإبداع.
إن ما يلفت الانتباه في تجربته هو ذلك التوازن النادر بين غزارة الإنتاج ودقة التنظيم، بين الشغف بالمعرفة والوفاء للإنسانية، وبين الحضور الثقافي والتواضع الجم. لقد كان بحق نموذجًا يُحتذى لكل من يؤمن بأن الكتاب هو بوابة الخلود، وأن القلم أمانة ورسالة.
“القلم هو الجسر الذي يربط بين عوالمنا الداخلية وواقعنا الخارجي، ومن خلاله تتحول الأفكار إلى إرث خالد يضيء دروب الأجيال القادمة”
دمتِ مبدعة، ودام قلمكِ وهاجًا في سماء الأدب والثقافة.
ALHOCEIMA