كان خبرا صادما ذاك الذي حملته الأخبار صباح اليوم الذي تحتفل فيه الإنسانية بعيد المرأة الأممي قبل سنة مضت؛ رحيل إحدى الإعلاميات النبيلات اللواتي وَسَمْنَ الإعلام المغربي في مرحلة كالحة من تاريخه.
مليكة مالك المنحدرة من أسرة معروفة بتشبعها بقيم النضال الديمقراطي والفكر التقدمي المستنير، العائدة من كندا حاملة حلم نهضة بلدها وتحقيق انتقاله الديمقراطي، بعد حصولها على شهادة في العلوم السياسية وأخرى في الصحافة من جامعة كيبيك في مونريال، كانت من الأوائل الذين التحقوا بالقناة الثانية المغربية، الذين استطاعوا فرض اسمهم منذ البدايات الأولى مطلع التسعينات من القرن الماضي.
لتبدأ تجربة جديدة في المشهد الإعلامي المغربي، تجربة برنامج حواري يتم بثه على الهواء مياشرة، هو برنامج “وجه وحدث” الذي استضافت فيه أسماء وازنة في عالم الفكر والسياسة، مما شكل في حينه منارة متميزة للصوت الحر والنقدي في مرحلة سياسية واجتماعية صعبة.
“وجه وحدث” تجربة متميزة ابتدأت سنة 1993، استضافت فيه الراحلة مجموعة من الشخصيات في عالم الفكر والسياسة، من أبرزهم المفكر الراحل محمد عابد الجابري والمؤرخ عبد الله العروي وغيرهما من أقطاب الثقافة البارزين مغربيا وعربيا. وكانت فلسفة الأستاذة مليكة في هذا الاختيار أن يكون المثقف حاضرا لتحليل الموقف وكشف الحُجب أمام الرأي العام، بعيدا عن لغة السياسي المحترف التي غالبا ما تتسم بكونها محنطة وذات تطلعات مصلحية باحثة عن الأصوات الانتخابية.
لكن تجربة “وجه وحدث” المتميزة، وإن لقيت استحسانا واسعا لدى النخب والجمهور، فإنها تعرضت لعمليات قصف من دوائر السلطة داخل الدولة التي لم تكن تستوعب متغيرات المرحلة وضرورة التكيف مع لحظة عاصفة هزت كيان العالم، هي لحظة سقوط جدار برلين وما تبعها من زلازل.
فكان التوقيف قسرا مآلا منتظرا لتلك التجربة. وكان بطل القصة هو إدريس البصري، الوزير القوي آنذاك، الذي لم يستسغ حلقة استضافت فيها الراحلة مالك، في عام 1996، امحمد بوستة، الأمين العام لحزب الاستقلال آنذاك؛ فقد حضر في تلك الحلقة حسن نجمي، صحافيا ممثلا لجريدة “الاتحاد الاشتراكي”، سائلا الراحل بوستة: “كيف توقعون ميثاق شرف مع إدريس البصري وهو رمز كل تزوير انتخابي في البلاد؟”.
لم يتردد البصري في إعطاء أوامره لتوقيف البرنامج نهائيا، بل إنه سيواجه ملاك حين التقاها وجها لوجه في مؤتمر لنقابة الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، مهددا إياها بالقول: “سأقاضيك. لقد ذكرني نجمي بالاسم، وأهانني أمام زوجتي وأولادي وأمام المغاربة، ولم تتدخلي، ولم تردي عليه، وتركته يتحدث وأنت تبتسمين، ولم تقاطعيه (…)”.
طبعا لم يذهب إدريس البصري إلى القضاء، لكنه اكتفى بفرض عطالة إجبارية على مالك، قبل أن يفاجَأ بعد شهور من تعيين عبد الرحمان اليوسفي رئيسا للحكومة بعودة الراحلة إلى القناة الثانية ببرنامج شبيه باسم آخر هو “في الواجهة”.
وبعد تجربة متميزة، تعرض البرنامج للإيقاف مجددا سنة 2003، من دون أي مبرر، وهذه المرة من طرف حراس معبد التسلط وسدنته الأوفياء لمنطق التعليمات، لتنتهي تجربة البرنامج الحواري الأكثر نجاحا في تاريخ التلفزيون العمومي المغربي. وهو البرنامج الذي اعتبره الجميع نموذجيا على مستوى الموضوعات والشخصيات والإخراج واهتمام الرأي العام، وكان المرور منه امتحانا حقيقيا وجواز سفر مؤكد لكي يحتل ضيفه مكانة عند الشعب.
لقد كانت الراحلة مليكة إحدى المساهِمات الأساسيات في التمهيد للحظة الانتقال الديمقراطي المجهض، أو بالأحرى لحظة الصراع من أجل الانتقال الديمقراطي الذي لا يقدر له أن يكتمل في بلادنا؛ حيث كانت الرسائل تمرر في فضاء البلاطو الذي تستضيف فيه الشخصيات الفكرية والثقافية والسياسية المختلفة بحسب نجاحها أو إخفاقها أمام الأستاذة مليكة.
كانت الراحلة لا تعترف بالخطوط الحمراء من حيث الموضوعات المطروحة، ولا تستشير أحدا حول طبيعتها، وكانت تتيح الفرصة أمام ضيوفها للتعبير عن آرائهم دون رقابة أو توجيه، حتى إن الكثير من ضيوفها، سواء كانوا شخصيات أساسية أو ضيوفا للمشاركة في محاورة أولئك الضيوف، يعترفون لها بالقدرة على إدارة متميزة للحوار بما يساعد على رفع الوعي العام وترك الحرية للمحاورين في طرح الأسئلة مهما كانت حارقة.
وقد استضافت لأول مرة معتقلين سياسيين وشخصيات انتُهِكت حُرماتها بقسوة تفوق المألوف، مثل مختطفي المعتقل السري الرهيب تازممارت. وأكثر من ذلك، كانت الراحلة تعتبر، كما صرحت بذلك في أحد حواراتها، أن برنامجها ينبغي أن يكون منبرا لبسط وجهات النظر أمام الجمهور من طرف الضيوف بتعدد مدارسهم واختياراتهم، ولا ينبغي أن يكون مجرد منبر يستغله بعض السياسيين لإرسال رسائل إلى الملك، كما كان يفعل بعضهم بالفعل؛ لأن برنامجا حواريا مباشرا مثل ذاك الذي كانت تديره ليس مطلوبا من ضيوفه القيام بهذا الأمر بالمنطق الديمقراطي الذي كانت تفهمه وتتطلع إلى المساهمة في إنزاله على الأرض.
لم يكن إيقاف برنامجها ليوقف حلمها وطموحها من أجل بناء المغرب الآخر، مغرب الديمقراطية والكرامة والعدالة الاجتماعية والمساواة، لتقوم الراحلة بجمع تلك التجربة المتميزة في كتاب حمل عنوان: “الحوارات السياسية: (وجه وحدث)، و(في الواجهة) 1993-2003)، بعد تشجيع من الكاتب الراحل الأستاذ محمد العربي المساري الذي كتب تقديما له يؤكد فيه أن نجاح برنامج مليكة مالك يرجع الفضل فيه إلى أنها استوعبت المناخ السياسي الذي كان سائدا، بل وساهمت في بنائه بشكل أساسي؛ حيث كان البث المباشر حينها إيذانا بإلغاء هاجس الرقابة، وكان الفضل فيه للمهنية العالية التي كانت تجسدها الراحلة في تجربتها الإعلامية.
وشكل ظهور هذا الكتاب، كما أرادته، نوعا من حفظ الذاكرة الإعلامية والسياسية لتلك المرحلة، مما جعل منه أول تجربة حملت همومها صحافية في المغرب وفي الوطن العربي. هموم إعلامية تصدت لمهنتها بمنطق المسؤولية والالتزام والإحساس بأهمية الثقافي كمؤطر للسياسي وموجه له؛ لذا غالبا ما كنت ألتقيها في تظاهرات ثقافية كبيرة، مثل معرض الكتاب، أو في تظاهرات حركة 20 فبراير، أو في التظاهرات الشعبية للتضامن مع القضايا العربية في فلسطين والعراق ولبنان، تصدح بصوتها مع المتظاهرين تدين العدوان والحروب وتنتصر للحرية والكرامة والشهداء.
رحلت الإعلامية المحترمة مليكة مالك، أيقونة الشاشة المغربية التي همشتها دوائر القرار اللامسؤول في بلادنا وفي قلبها شيء من غُصة ظلم ذوي القربى. ظلم وتعسف لم يُفقدها حِلمها وحُلمها في مغرب ديمقراطي عادل. كنت قد تواصلت معها هاتفيا لما علمت بخبر محنتها مع المرض لكي أكتشف فيها شخصية نموذجية في العفاف والشموخ، وكان طلبها الوحيد دعوات وكلمات جميلة يمكن تسطيرها من أجلها. وكم كان أملنا جميعا أن نراها وقد استرجعت ألَقَها وصحتها.
هكذا عرفتها في حياتها، امرأة ذات نظرة إيجابية للحياة التي كانت تراها بعين الأمل، ما دام أنها صاحبة قلب كان بحجم الوطن يتسع للجميع، رغم ما تعرضت له من محنة التوقيف عن العمل، ومن محنة مَرَضية داهمتها، وتحملت فيها أعباء خطأ طبي كارثي.
لقد رحلت الأستاذة مليكة شامخة مثلما عاشت مرفوعة الرأس، دون أن ينسيها ذلك أن تكون صاحبة روح مرحة ولطف بالغ مع عزيمة قوية لا تلين تحملها نظراتها الحازمة.
لروح مليكة السلام والرحمة والطمأنينة. خلّدها الله في الذاكرين عزاء لكل من افتقدها في زمان ما زال فيه الإعلام الوطني والعربي في حاجة إلى أمثالها وإلى تجربتها المليئة بدروس النزاهة والتضحية والالتزام.
رحم الله الفقيدة وغفر الله لنا ولها مع الأسف تهمش الكفاءات وتتوارى عن الأنظار والخونة الفاسدين تفتح لهم الأبواب. ومادمت في المغرب فلا تستغرب. ولكن عند الله تجتمع الخصوم وكل واحد سيأخذ جزاءه الأبدي أما الدنيوي فهو زائل لامحالة.
ادعو لها بالرحمة و المغفرة… لقد كنت فعلا من متتبعي برنامجيها الراقيين… و لكن الدوام لله
بالفعل أنها صحفية بامتياز .صحفية بكل المقاييس .كانت سباقة في طرح افكار وجدال فكري و نقض بناء بدون مجاملات ولا مكياج .جريئة …حين تشاهدها وهي تدير برامجها تحس انك في دول ديمقراطية عصرية حضارية،وتحس أن لها ضمير وطني حي لها غير على هذا الوطن،لا تدير البرنامج من أخل ملء الفراغ وتمويه المتفرج وتنويمه ،لكن لجعله في قلب الحذت،وتقريبه من الوجه الحقيقي للقضايا الساخنة.بالفعل أنها صحفية بامتياز،
Au Maroc les meilleurs on les réprimes et les lèches ….on les primes
C'est comme ça dans les pays non démocratiques
هادي 60 سنة و حنا نسمعو فالنضال التوري و الديمقراطي و الازرق و الاصفر و المخطط و لم نر غير التملق و التمسح بالمخزن من اليسار و اليمين. الامم لا تتقدم بالبرامج التلفزية و الحوارات و الندوات. المرحومة مالك اذا كانت مضايقة من البصري فهي كانت في نفس الوقت محمية من جهات اخرى;;;;;;;;;;;;;;;;;;;;
امرأة تساوي الف رجل دات عزيمة وإرادة في وقت الرقابة والرصاص
رحمة الله عليها لقد كانت صحافية بامتياز ،دات صوت قوي وجسور.لازلت استحضر برنامجيها الشيقين،والطريقة التي كانت تديربها النقاش،وباسلوب سلس كانها فراشة.رحمة اللة عليها مرة اخرى لانها ادت رسالتها الصحافية بكل وقتدار ومسؤولية .نامي في قبرك بسلام والف تحية
اتساءل كيف لطبيب ان ينسی او يخطء في ميدان الجراحة اعتقد ان الطيبيب لن يترك اجسام غريبة داخل جسم الانسان الا تعمدا او اهمالا
فليرحمها الله ويسكنها فسيح جنانه الا انه لابد من الاشارة ان لم تخني الذاكرة استضافة المفكر عابد الجابري تمت ببرنامج في الواجهة وبذلك وجب التنبيه والسلام
نعم رحم الله الفقيدة المرأة المناضلة في مهنة المتاعب واسكنها فسيح جناته مع الشهداء والابرار والصديقين لا تسالنا إلا الدعاء لها بالرحمة والمغفرة بمناسبة اليوم العالمي للمرأة العربية المكافحة
تجربة فريدة من نوعها..إنسانة مثقفة، سابقة لعصرها.
لم تمت؛ لأنها خلدت اسمها، وذلك باحترامها لمهنتها وحبها لبلدها.
رحم الله الفقيدة وأسكنها فسيح جنانه.
رحمها الله وان لله وان اليه راجعون ( يايتها النفس المطمئنة ارجعي الى ربك راضية ) صدق الله العظيم
عرفتها في منتهى البساطة وهي ملءى السنابل التي تنحني في تواضع.أستاذة في قمة الرقي والتواضع رحمك الله وأسكنك جناته الفضيحة ستبقين في قلوبنا رمزا للحرية والوطنية
مقال رائع و متميز للكاتب.
رحم الله هذه المرأة المناضلة ، أتذكر جيدا انجذابي و متابعتي لتلك الحوارات الساخنة رغم صغري في السن أنذاك.
رحمك الله قلت الحق في وجه الجبابرة..اتدكر في احدى حلقاتها حينما قالت لمحمد العربي المساري وكان وزيرا للخارجية انت احزاب الدولة ..فاجابها بانفعال ..ارني حزبا مغربيا لم يؤسس داخل القصر ..واتحدى الجميع ..هكدا كنا نعرف بعض الحقائق ..كل الاحزاب اسست داخل القصر لتؤدي دورا محددا لها ..رحمك الله ..هكدا هم الشرفاء يحاربون ..يسجنون ..ويقتلون..لا يهم ..انتم السابقون ونحن اللاحقون..في سبيل الله ومن اجل امتنا كل شيء يهون..
رحم الله الفقيدة .
فعلا لقد عشنا مع برنامجيها احلى اللحظات وتتبعناهما قلبا وقالبا وكنا نمني النفس بان يستمر داك الاشعاع في السطوع ولكن للاسف لم تستمر التجربة واجهضت مرتين لينطفىء داك النبراس وتتكالب اشباه البرامج علينا مستبلدة عموم المغاربة.رحم الله الفقيدة وانا لله وانا اليه راجعون.
عندما أقارن مليكة مالك وجامع لحسن .أتساءل عن معايير التوضيف في القناة الثانية .فإذا كانت الأولى لامعة في مجالها فإن حالة الثاني تدعو إلى الرثاء .
كانت مليكة ملك تشتغل طبقا للضوابط التي يضعها المخزن للإعلام العمومي، فلا داعي لأن يصبغ على المرحومة صفة المناضلة والمجاهدة والمكافحة وإلى ما ذلك من المصطلحات الرنانة، فكلما قرأت الإطراء الزائد عن الحد في أحد مواتانا أتذكر المثل المغربي الشهير: مللي تيموت الميت تايطوالو رجليه..
رحمة الله عليها كانت امراة مقتدرة نبيلة ومحترمة
استدعت لبرنامجها القيم رجالات الفكر والسياسة
كانت بذرة تحول الى الكثير من الناس
رحمها الله والحقنا بها في جنانه