من أجل ثورة "مرحاضية"

من أجل ثورة "مرحاضية"
السبت 3 دجنبر 2016 - 03:31

أستأذن القراء الكرام أن أحدثهم في موضوع قد يستكنف المثقفون من الخوض فيه. .. ولكن بما أنني مجرد إنسان “كأيّها الناس”، لا أنتمي إلى طبقة المثقفين، بالمعنى المتداول للكلمة، سأتوسّم فيكم أن تلتمسوا لي بعض العذر إذا ما “اضطررت” اضطراراً للحديث عن هذا الموضوع “الخطير” … إنه موضوع “الطّواليت” فالشوارع العمومية (عزّكوم الله).

لماذا أقول لكم بأني “اضطررت” اضطراراً للحديث عن هذا الموضوع ؟.. ل”اضطراري” هذا قصة سأحكيها لكم.

كنت ذات يوم أتجول في مدينة مغربية “اضررت” لزيارتها لأسباب عملية. كانت نيتي أن اقضي فيها يوما واحدا لأعود مساء إلى مدينة مراكش التي أسكن فيها. لكن حدث لي أني أردت أن أسحب بعض النقود من شباك أوتوماتيكي في هذه المدينة لتفاجئني الآلة بحجز بطاقتي البنكية. وبما أن اليوم كان سبتا، فقد أُخبرت بأن علي أن أنتظر إلى يوم الإثنين لاستعادة بطاقتي. لم تكن بحوزتي سوى نقود قليلة لا تكفي للشيء الكثير، مما “اضطرّني” للمبيت في فندق ذكرني ب”المطعم البلدي” الذي وصفه شاعر الحمراء رحمة الله في قصيدتة الشهيرة.

تعوّدت أن أكون مكتفيا بكل شيء .. وأن أعيش في كل الظروف (سبق لي أن “اضطررت” إلى المبيت في الشارع عندما كنت طالبا!) .. لكن ما لا أطيقه بالفعل هو المراحيض القذرة!

لست أدري لماذا لا نزال نعيش بعقلية تعتبر المرحاض مجرد “بيت للماء” في أحسن الأحوال؟! أول ما يصدمني عندما أعود من بلد تحترم فيها الطبيعة “الكيماوية” للإنسان هو أن أكتشف بأن مراحض المطار عندنا لا تتوفر على “الورق الصحي”، فتكون “مضطرا” لأن “تُدَوِّرَ” مع حارس المراحيض ليعطيك شيئا من هذا الورق الذي يكون نفيسا في حالة “الإضطرار”.

مشكلتي مع المراحيض أني شديد الحساسية سريع التقيؤ عند شم الروائح الكريهة. لن أصف لكم الحالة المرعبة التي وجدت عليها مرحاض الفندق الذي حللت به رأفةً بشهيتكم التي لا أريد أن أكون سببا مباشرا في فقدانكم لها!

قررت أن لا أستعمل مرحاض الفندق وأن أتجه كلما “اضطررت” إلى مقاهي المدينة التي قد تكون أرحم برجل أربعيني لا يتشبّث بشيء في الحياة الدنيا سوى بحد أدنى من نظافة المرافق الصحية!

لقد كنت “مضطرا” لهذا الحل لسببين: أولهما أن مرحاض الفندق كان تجربة جحيمية لا تطاق. وثانيهما أن هذه المدينة لم تكن تتوفر على مراحيض عمومية!

بالمناسبة، طرحت يوما على نفسي السؤال الفلسفي العميق التالي : أيهما أهم، بناء المراحيض أم بناء الحدائق؟ و بما أن القاعدة الفقهية تذهب إلى أن “درء المفسدة مُقدم على جلب المصلحة”، وبما أن جحيم “الإضطرار” مفسدة عظيمة، فإن الفطرة السليمة ستفضل مدينة مليئة بالمراحيض على مدينة مليئة بالحدائق ولا مرحاض فيها!

المشكلة التي واجهتني في استعمال مراحيض المقاهي، أني كنت مضطرا لدفع ثمن قهوة لا أشربها كلما استبدت بي الحاجة إلى استعمال المرحاض. تخيلوا ماذا يعني أن تدفع 12 درهما زائد درهمين من “الفابور” التي أصبحت أشبه بضريبة تدفعها للنادل حتى لا ينظر إليك بشيء من الإحتقار عند مغادرتك للمقهى.

أضف إلى هذا أني “أضطرّ” في كل مرة أستعمل فيها مرحاض المقهى أن “أدّعي” أني جئت بالفعل لأشرب القهوة، مما يعني بأني أكون “مضطرا” للجلوس لبعض الوقت على الكرسي وانتظار مجيء القهوة وتجرّع بعضها بعد أن تجيئ. أمثل دور زبون “يتڭلضم” على القهوةِ في “القهوةِ” .. ولكن الله وحده يعلم ب”الثورة المظفرة” التي ألهبها الحماس الثوري لأَمعائي.

إن المرء ليأسف عندما يجد بأننا، في بلدنا، لا زلنا ننظر إلى الشوارع على أنها امتداد طبيعي للمرحاض بحيث يمكن للإنسان أن يفجر كل فضائحه في أي مكان! أحاول أن أتخيل يابانيا يتبوّل في أحد شوارع طوكيو الجميلة .. أنا متيقن أن اليابانيين قد يعلنون حالة الطوارئ إذا فعلها أحدهم لا لأنه سينجّس المكان بل لأنهم سيعتقدون أنه أحد الهاربين من مستشفى المجانين! أذكر أنني “حصّلْتُ” سيدة محترمة كانت في زيارة لنا في بيت أبويّ وهي تتبوّل في “السّطاح” رغم أننا كنا نتوفر عل ثلاثة مراحيض بالبيت. لم أفهم لماذا فعلت ذلك! ولماذا استمرت في فعلتها وهي تنظر إلي بعينين مفتوحيتين تشع منهما علامات الرضى! لقد أحسست عندما “حصّلْتها” أنها “حصَّلتني” وأنا “أحصِّلها” .. لذلك فقد أحسست بخجل لم يعد يسمح لي أن أنظر إلى وجهها.

أولا نحتاج في بلدنا إلى ثورة مرحاضية تتغير بها وضعيتنا الأنطولوجية من كائنات لا تعترف بواقعها “الكيماوي” إلى كائنات تتعامل مع هذا الواقع، لا كمجرد “اضطرار”، ولكن كحاجة يمكن أن نشبعها بشيء من التعامل “الإستطيقي”؟ … لنصرخ إذن بغضب ثوري: الشعب يريد .. مراحيض عمومية نظيفة!!

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

13
  • زندباد
    السبت 3 دجنبر 2016 - 04:42

    نعم الفكر و الفكرة. حاول استقطاب ال"synapses" اكثر فاكثر نحو هذا ال "Spectrum". فالوان الطيف تختلف باحتلاف أنطولوجية المداخل. ههههه

  • د. عبد الله بن أهنية: الرياض
    السبت 3 دجنبر 2016 - 06:40

    باسم الله الرحمن الرحيم
    والصلاة والسلام على خير الخلق أجمعين

    أشكرك أستاذي على طرح هذا الموضوع المسكوت عنه بينما تطرح مواضيع أخرى في برامج المقصود منها "بدون حرج" بينما تستحي أن تشاهدها مع أهلك.
    نعم نهتم برونقة شوارعنا وزخرفتها ليتبول فيها بعض المارة وكأننا قردة. لما لا تكون هنالك مراحيض للمارة وتكون مشروعا (بالمقابل) مثلما رأيته في هونغ كونغ وإسطنبول وماليزيا وغيرها. الفكرة أن كل شيء مجاني مآله الخراب والوسخ والإهمال (مع كامل الأسف). نحن بلد سياحي يجب أن يوفر مراحيض للناس في كل زاوية، وقد وجه إلي هذا اللوم من سياح زاروا المغرب وكانوا مستائين من هذا. وعلى ذكر المطارات وغيرها، فليس هناك "ماء" للإستنجاء والوضوء ونحن في بلد مسلم!!! فرضت ماليزيا، مثلا، على كل المطارات والفنادق والمراحيض العامة جعل حنفية للإستنجاء يستفيد منها المسلم وغيره، أما أن نفرض التيمم على بلد بأكمله فهذا هو العار بنفسه.
    أرجو أن تتحرك الجهاة المعنية كي تساعدنا على إكمال نظافتنا أو على الأقل وضوئنا ونحن مستورين ولا تدعنا نشحت مناديل لن تزيل النجاسة مهما قام مصنعينها بتعطيرها، فإذا حضر الماء بطل التيمم !!!
    تحياتي

  • مغربي
    السبت 3 دجنبر 2016 - 06:52

    بما أن القاعدة الفقهية تذهب إلى أن "درء المفسدة مُقدم على جلب المصلحة"
    …
    الأولى إذن أن يوفر للمواطن المقيم في الشوارع قوته اليومي على بناء المراحض التي سيفرغ فيها " مفسدته " ناهيك عن الحدائق التي لو كانت تثمر خضرا صالح للأكل لانكب عليها المواطن البسيط انكبابا !
    هذا هو الموضوع الأصلي الذي يستكنف منه المثقفون بالمعنى المتداول من الخوض فيه خصوصا في قنوات الصرف الصحي ..

  • Lamya
    السبت 3 دجنبر 2016 - 08:33

    فعلا حالة المراحض وحتى الحمام بصفة عامة في المغرب حالة كارثية. النظافة من الايمان. المكان الذي يقضي فيه الانسان حاجته و يتوضئ ويتطهر فيه يجب ايضا ان يكون طاهرا وجميلا ورائحته زكية, ليشعر الانسان بالراحة النفسية و الطمئنينة الصحية.

  • KARIMA
    السبت 3 دجنبر 2016 - 09:45

    Bravo si Lhaloui. Un thème exceptionnel et l information a été très très très bien mise en scène

  • عادل بونظيف
    السبت 3 دجنبر 2016 - 12:37

    المرحاض في المخيلة الثقافية المغربية، ينتمي الى عالم ما وراء الطبيعة، فهو عالم مليئ بالعفاريت و "الجنون"، وهو بذلك لا ينتمي الى عالمنا، عالم الشهادة، وقد كان يسمى "خلاء" أي انه ضل معزولا تاريخيا عن مرافق السكن. مع مجيئ العصرنة قمنا بادماجه في البيوت على مضض، في ركن موحش تحت السلالم… له باب لا يمكن تحديد لونه ولايحكم إغلاقه… لان ثمن القفل حرام إنفاقه على هذا المرفق المتطفل على حوزة الدار، جذرانه طيف من الالوان الغامقة والتى تشتد سوادا في الاسفل عند دخولها الى منطقة محملة برسوبات من العصر الجوراسي… و أدع مخيلتكم تستحضر حالة السطل و الصنبور…هذا وكل من يلجه اضطرارا لا رغبة، يجب ان يستعيذ من الخبث و الخبائث أي عالم الاشرارو ملكوت الظلمات كما هو راسخ في المخيلة الشعبية… وألا يلتفت يمنة او يسرة… وبسرعة فائقة يأخذ وضع جلسة القرفصاء و يتخلص من تلك المخلفات ولسان حاله يطلب السماح من ''اصحاب لمكان'' ثم ينقذف الى الخارج حامدا الله الذي سلم… و أن المغامرة هذه المرة كذلك مرت بسلام.
    هذه المفارقة الثقافية بين نموذجين حضاريين متقابلين تجد بعض تجسيداتها في نظرتنا للاشياء

  • La vérité qui blesse
    السبت 3 دجنبر 2016 - 14:02

    J'ai rencontré un jour un japonais de 74 ans à l'aéroport de Roissy C. de Gaulle à Paris.Il m'a avoué ceci à propos de notre pays: "j'ai visité le Maroc en 1995.Votre pays est certainement très accueillant. J'ai fait Rabat – Merzouga. Nous étions un groupe de 50 séniors japonais dont des femmes.Dites-moi: est-ce concevable pour un pays touristique comme le vôtre qu'il n'y ait pas de toilettes utilisables pour une si longue distance ? On s'était arrêté à Meknès justement pour les toilettes et c'était même dans un hôtel classé. Excusez- moi de vous dire que les toilettes étaient sales et sans papier.Vous imaginez la situation pour une femme de 80 ans de surcroît japonaise! De plus, votre argent est sale et même répugnant".
    A bon entendeur salut!

  • مواطن؟
    السبت 3 دجنبر 2016 - 15:02

    ياسيدي هناك من هو مريض بالبروستات أو المثانة من الرجال خاصة الكبار وأيضا نساء كبيرات لايستطعن حبس البول لمدة طويلة ويعتبر المرحاض مسألة جد مهمة عند التجوال،أثناء الكوب 22 وضعوا مراحض متنقلة في بعض الشوارع بمراكش ومع إنتهاء القمة كُحِشت هذه المراحض .

  • الشراط
    السبت 3 دجنبر 2016 - 18:36

    قلة المراحيض هي سبب كثير من الامراض لان الناس تخجل ان تذهب الى اي مكان لقضاء الحاجة
    فهناك امراض مختلفة تتطلب دورة المياه في كل حين
    واذا وجدت هذه المراحيض تجدها (رومية) لاتصلح لكي ينظف الانسان تمام النظافة
    وحداري ان تستعمل الماء الذي ينزل من (لاصانص) فرغم ذلك فهو ملوث وشديد الثلوث
    وكما قال الاستاذ لابد بالنهوض بهذا المرفق الحيوي وبأسرع وقت حتى ندخل في خانة المتحضرين
    والا فالامراض والمعاناة تبقى سيدة الموقف

  • doctor
    السبت 3 دجنبر 2016 - 22:21

    even schools in morocco don t have WC, in meknes they simply don t exist, the bus stations in the old medina are used as toilets it s disgusting this is one of the reasons I stopped visiting morocco the sad truth is that people have no value, no schools . no
    hospitals , no toilets…………..

  • ابن حي الجزولي
    السبت 3 دجنبر 2016 - 23:32

    بدون حاجة لطرح اي سؤال فلسفي عميق كنت دائما اقارن بين ما تحتويه

    فضاءات مراكش القديم في عمرانها و مثيلاتها باحيائها الحديثة

    فبمراكش العتيقة بالاضافة للمساكن و الدكاكين بالسويقات و المساجد و

    القيساريات وكل واجهة ذات منافع تحضر المراحض بكل حي او حارة

    و لست مضطرا لقطع مسافة طويلة كي تقضي حاجتك

    ولان مهندس المدينة الاول ذاك العبقري المجهول لم يفرط فيها من شيء

    ذا منفعة و حاجة ولانه ايضا يعلم انه كل من عليها فان لم ينسى ان يهب

    للمقابر مكانا فيها . تلكم معالم مراكش القديم كما صممها مهندس حادق

    مجهول فماذا عن معالم ما وراء سورها الحامي العظيم ؟ اختصر القول واشهد

    ان المدينة وراءه كأنها اقيمت لقوم لا يقضون حاجتهم ولا يموتون

    وتحياتي للاستاذ من مراكش

  • الأشعري
    الأحد 4 دجنبر 2016 - 17:11

    درس في النظافة من اليابان

    بتاريخ 16 يونيو 2014
    نشرت independent

    Japanese fans who watched their national team be defeated by the Ivory Coast in the Fifa World Cup on Saturday showed it is possible to lose graciously, when they stayed behind after the match to help clean up.

    Despite seeing the Blue Samurais lose 2-1 against Didier Drogba's team at the Arena Pernambuco in Recife, Japanese spectators armed with bin liners patrolled their side of the stadium and gathered up discarded litter, Yahoo Sport reported.

    While gathering waste after a sporting event is customary in Japan, the spectators’ actions came as a shock to football fans from other countries.

  • abdou
    الأحد 4 دجنبر 2016 - 19:37

    j etais avec ma belle soeur française ; en 1985 à Fes on a mangé dans un snack apres nous sommes allés dans l ancienne ville medina on s est bcp balade et on a achete des articles d artisanat ; ensuite ma belle soeur a eu mal au ventre et voulait aller aux wc on a pas trouve ces Wc ; j etais obligé de demander une jeune fille qui etait devant la porte de sa maison . qui l a fait rentrer faire ses besoins ds leur toilettes

صوت وصورة
أبعاد استراتيجية | أحداث سبتة.. وماذا بعد؟
الثلاثاء 6 أكتوبر 2026 - 21:00

أبعاد استراتيجية | أحداث سبتة.. وماذا بعد؟

صوت وصورة
"الكتاب" يدرس المشاركة الحكومية
الثلاثاء 6 أكتوبر 2026 - 20:30 3

"الكتاب" يدرس المشاركة الحكومية

صوت وصورة
عاصفة قوية تضرب فاس
الثلاثاء 6 أكتوبر 2026 - 17:34 6

عاصفة قوية تضرب فاس

صوت وصورة
وجه آخر للبحر في البيضاء
الثلاثاء 6 أكتوبر 2026 - 16:28 2

وجه آخر للبحر في البيضاء

صوت وصورة
منتجات مغربية تتألق في أبوظبي
الثلاثاء 6 أكتوبر 2026 - 16:04 1

منتجات مغربية تتألق في أبوظبي

صوت وصورة
بنعبد الله يحدد أولويات المرحلة
الثلاثاء 6 أكتوبر 2026 - 12:37 5

بنعبد الله يحدد أولويات المرحلة