نقل عوامل النجاح الكروي إلى مجالات أخرى

نقل عوامل النجاح الكروي إلى مجالات أخرى
الجمعة 17 أكتوبر 2025 - 17:54

نجح الفريق الوطني المغربي لكرة القدم لأقل من عشرين سنة في الوصول إلى نهائي كأس العالم، بعد فريق الكبار في قطر سنة 2022 الذي وصل إلى المربع الذهبي، والذي حطم قبل أيام الرقم القياسي العالمي في عدد الانتصارات المتتالية، دون إغفال الحديث عن نجاحات الفريق الوطني النسوي بدوره، مما يشير إلى وجود نهضة كروية لا غبار عليها في المغرب، لكن هذا يطرح سؤالاً هاماً لدى فئات عريضة من الملاحظين، وكذلك من المجتمع المغربي نفسه، كيف يمكن نقل أسباب ومرتكزات النجاح الكروي إلى مجالات أخرى وخاصة مجال الخدمات الاجتماعية التي تعرف تدهوراً ملموساً في المغرب.

لكن ما هي هذه الأسس التي قام عليها النجاح الكروي في المغرب؟ وإلى أي مدى يمكن نقلها إلى مجالات أخرى؟

يبدو أن هذه القوة الضاربة التي حققت النجاح الكروي قد نبعت من أربعة عوامل، يمكن اعتبارها أساس تألق الفرق المغربية في كرة القدم، كما يمكن اعتبار بعضها أساس النجاح التنموي العام كذلك، إذا ما تم اعتمادها في المجالات الأخرى بنفس الروح والمسؤولية:

ويتمثل العامل الأول في توفير جميع المعايير والمرتكزات الدولية للتكوين والتأطير والتدريب الجيد بإرادة سياسية للدولة، بما فيها الاعتمادات المالية المطلوبة، والتي سبق أن استنكرها كثيرون واعتبروها تبذيراً للمال العام. وهذا المُعطى مهم جداً، إذ لا يمكن منافسة فرق دولية تحظى بكل الإمكانيات اللوجستيكية المطلوبة، باعتماد أنصاف الحلول وأنصاف الإمكانيات.

أما العامل الثاني فيتمثل في استقطاب المهارات الكُفأة بالشروط التي ترتضيها، وهو واحد من الأسس التي كانت غائبة في الماضي بسبب سوء التقدير الذي ميز المرحلة السابقة، وبسبب خلل في معايير الاختيار، والتي أصبحت اليوم أكثر وضوحاً وإجرائية.

ويتمثل العامل الثالث في توفر مدرب وطني يجيد التواصل بالعامية المغربية والفرنسية والإنجليزية، ويخاطب كل لاعب باللسان الذي يتقنه، فمعظم اللاعبين المغاربة من أبناء العائلات المهاجرة في بلدان مختلفة، عاشوا سياقات متباينة وتربوا في أوضاع وبلغات تختلف حسب البلد المضيف، ولا بد من مخاطبتهم باللغات التي ترتبط بحياتهم اليومية وأحياناً بحميميتهم.

أما العامل الرابع فهو الروح الوطنية والشعور الهوياتي بالانتماء لوطن أصلي، حتى ولو كانت هناك جنسية أخرى، مما شكل لحماً بين كل أعضاء الفريق الواحد وخلق لديهم قضية يستميتون من أجلها، وهي رفع راية الوطن عالياً بين الأمم، ويفسر ذلك الروح القتالية الكبيرة والتضحيات الجسيمة التي بذلها اللاعبون.

أما عن نقل أسباب النجاح الكروي إلى مجالات أخرى اقتصادية واجتماعية، فالدروس التي تمنحنا إياها عوامل النجاح الكروي الأربعة أكثر وضوحاً من أن تخفى على لبيب، وتتمثل فيما يلي:

ـ العمل على إنجاح الأوراش التنموية بتوفير الإمكانيات والاعتمادات الضرورية لإنجاح مختلف المشاريع ومراقبة أشكال صرف الميزانية وحمايتها من الفساد وسوء التدبير، وذلك في ظل إرادة سياسية حاسمة في “ربط المسؤولية بالمحاسبة”، وهو المبدأ الذي أقره دستور المملكة منذ سنة 2011، والذي ظل غير ساري المفعول بالشكل المطلوب.

ـ اعتماد معيار أولوية الكفاءة والمهنية على العلاقات الزبونية والقرابة والتدخلات الفوقية، مما يجعل الأطر تعمل بشكل جيد وفي ظروف ملائمة، تحميها من السلطوية والفساد والبيروقراطية، وتمنحها إمكانية التكوين المستمر والمكثف بهدف تطوير مهاراتها وخبراتها باستمرار.

ـ وضع الثقة في الكفاءات الوطنية والقطع مع العادة التي كانت متبعة وهي تفضيل الأجنبي وتهميش الطاقات الذاتية في التدريب والتسيير، حيث تبين أن وجود مسؤولين وطنيين ذوي مهارات احترافية يجعل إمكانيات النجاح أكثر ضماناً، ويسمح هذا باستعادة الأطر المغربية المهاجرة التي يمكنها أن تقدم الكثير لبلدها إذا توفرت لها ظروف العمل الملائمة.

ـ شحذ الروح الوطنية والشعور الهوياتي بالانتماء للمغرب، من أجل رفع إنتاجية المغاربة في جميع المجالات عبر تمتعهم بحقوقهم الأساسية حتى يقوموا بواجبهم على أحسن وجه.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

9
  • MC
    الجمعة 17 أكتوبر 2025 - 18:54

    “If you want to build a ship, don’t drum up the men to gather wood, divide the work, and give orders. Instead, teach them to yearn for the vast and endless sea”

    “إذا أردت بناء سفينة، فلا تحشد الرجال لجمع الخشب وتقسيم العمل وإعطاء الأوامر، بل علمهم أن يتوقوا إلى البحر الواسع اللامتناهي.”

    Antoine de Saint-Exupéry
    (1900-1944)

    (الاقتباس هو بمثابة دعوة لتحويل المشروع الوطني ككل إلى “بحر واسع” يشوق المغاربة للعمل والاجتهاد من أجله، وليس فقط إلى مجموعة مهام عملية توزع عليهم.)

    أستاذ أحمد،

    ما يصنع النجاح في الملعب ليس فقط توفر الإمكانيات، بل وضوح الهدف وشعور كل عضو في الفريق بأنه ضروري لا غنى عنه. وهذا ما نفتقر إليه في مؤسسات عديدة، حيث تختفي المسؤولية الجماعية وراء خطابات براقة وشعارات فارغة. إن ما يحتاجه المغرب اليوم هو أن تنتقل “روح المنتخب” إلى المزرعة، والمستشفى، والإدارة، والمدرسة، فيتحول الانتماء من شعار إلى ممارسة.

    لو استطعنا أن نزرع في الطفل المغربي، منذ الصغر، إيماناً بأن بلده ملعبه الأكبر، وأن كل إتقان في عمله هو هدف يسجله للوطن، لتغير وجه التنمية جذرياً.

    ALHOCEIMA

  • MC
    الجمعة 17 أكتوبر 2025 - 19:07

    “If you want to build a ship, don’t drum up the men to gather wood, divide the work, and give orders. Instead, teach them to yearn for the vast and endless sea”

    “إذا أردت بناء سفينة، فلا تحشد الرجال لجمع الخشب وتقسيم العمل وإعطاء الأوامر، بل علمهم أن يتوقوا إلى البحر الواسع اللامتناهي.”

    Antoine de Saint-Exupéry (1900-1944)

    (الاقتباس هو بمثابة دعوة لتحويل المشروع الوطني ككل إلى “بحر واسع” يشوق المغاربة للعمل والاجتهاد من أجله، وليس فقط إلى مجموعة مهام عملية توزع عليهم.)

    أستاذ أحمد،

    ما يصنع النجاح في الملعب ليس فقط توفر الإمكانيات، بل وضوح الهدف وشعور كل عضو في الفريق بأنه ضروري لا غنى عنه. وهذا ما نفتقر إليه في مؤسسات عديدة، حيث تختفي المسؤولية الجماعية وراء خطابات براقة وشعارات فارغة. إن ما يحتاجه المغرب اليوم هو أن تنتقل “روح المنتخب” إلى المزرعة، والمستشفى، والإدارة، والمدرسة، فيتحول الانتماء من شعار إلى ممارسة.

    لو استطعنا أن نزرع في الطفل المغربي، منذ الصغر، إيماناً بأن بلده ملعبه الأكبر، وأن كل إتقان في عمله هو هدف يسجله للوطن، لتغير وجه التنمية جذرياً.

    ALHOCEIMA

  • KITAB
    الجمعة 17 أكتوبر 2025 - 19:51

    موضوع اﻷستاذ يطرح إشكالية ، ما زالت بعض دول الجنوب تعتمدها في نظرتها للقطاعات ما بين قطاعات منتجة وأخرى (غير منتجة) ، فقطاع التعليم مثلا ما زال لدينا مهمشا بالرغم من الميزانية الضخمة التي يبتلعها كل سنة وبدون جدوى ، قطاع الرياضة أضحى أفضل سفير عابر للقارات سيما كرة القدم ، لذا شاهدنا المغرب في الآونة اﻷخيرة أولى اهتماما منقطع النظير لهذا القطاع ورصد له ميزانيات ضخمة وغير مسبوقة ، وربما على حساب المعيش اليومي للمواطن ، لكن المفارقة أن هذه المنشآت الرياضية على ضخامتها (وفخامتها) لا تتوازى مطلقا مع قطاعات حيوية أخرى كالصحة والتعليم والإدارة ، وهو واقع (تظاهراتي) لا يتناسب وحجم العطالة والقضايا التي تنخر المجتمع ، وكأن الرياضة هي فقط الواجهة التي تراها السلطات اﻷنسب للتعريف بالمغرب ، أو بمعنى آخر مغرب الرياضة وكرة القدم ليس هو مغرب الصحة والتعليم والإدارة، سلمات

  • amaghrabi
    الجمعة 17 أكتوبر 2025 - 21:10

    سيدي عصيد لا أوافقك رأيك هذه المرة لان بناء وتشييد ملاعب كروية ورياضية بجميع أنواعها واجب الدولة وأنا أعيب على الدولة أنها تظلم بعض المدن المغربية بحيث مثلا مدينة الناظور تشتكي وتبكي منذ عشرلت السنين لبناء ملعب يليق بالمدينة مثل ملا عب باقي المدن المغربية وبالتالي في اعتقادي دولتنا لم تبذر الاموال في بناء مركبات رياضية وانما هو واجب وفي نظري قصرت كثيرا وظلمت كثيرا بعض المدن المغربية وبالتالي فعدد المستشفيا ت كثيرة في المغرب ومع ذلك صحة المواطنين تتدهور واوضاع المستشفيات متدهورة وفي حالة يرثى لها والمدارس موجودة بعشرات الالاف في المغرب واوضاع التعليم متدهورة وبالتالي فنجاح كرة القدم المغربية في السنين الاخيرة ليس مرتبط ببناء الملاعب وانما له علاقة باسباب اخرى لا اريد ذكرها في هذا التعليق.نعم هناك اولويات والاولويات في المغرب لا تنتهي ابدا وبالتالي لا بد من خطف بعض المرافق الرياضية والترفيهية واعتقد هذه المرافق الرياضية ستدخل ارباحا في المستقبل على الدولة المغربية والشعب المغربي

  • عابر
    السبت 18 أكتوبر 2025 - 22:17

    إلى حد ما ، ورغم اختلافي معك في كثير من ارائك، اصبت القول هذه المرة . إن التركيز او الميل الى جهة على حساب اخرى ، ربما اهم ، يؤدي الى اختلال المجتمع ، ويبطىء مسيرة التنمية بشكل عام. إن الدول التي تحترم شعوبها وتاريخها ، تنظر وتخطيط بعيدا ، لما الصالح العام، مع وضع الاولويات: الأولى فالنالي فالتالث… وهذا لا يأتى إلا بوضع الرجل المناسب في المكان المناسب ، واسناد المهام الى ذوي الاختصاص ، ونبذ المحاباة والزبونية

  • مهاجر من ألمانيا
    الأحد 19 أكتوبر 2025 - 09:25

    أتفق مع الكاتب في أهمية الكفاءة و المحاسبة, لكنني أرى أن المقارنة بين النجاح الكروي و الاصلاح في قطاعات معقدة كالتعليم و الصحة هي مقارنة تبسيطية. النجاح الرياضي يعتمد على أهداف محدودة و ادارة مركزية, بينما تتطلب تحديات القطاعات الحيوية معالجة مشاكل هيكلية عميقة و نقص في الاطر و التجهيزات و تعميم التعليم والتغطية الصحية وووو هي تحديات لا يمكن حلها بنفس سرعة و مرونة القطاع الكروي

  • متتبع
    الأحد 19 أكتوبر 2025 - 09:54

    اكثر ما استمتعت به هو قراءة الفاتحة من طرف الأشبال قبل ضربات الجزاء رغم ان كثيرا منهم ولدوا ومستقرون خارج المغرب هذا صك اصل لا يباع ولا يشترى.

  • المغتربة
    الأحد 19 أكتوبر 2025 - 11:46

    ما ينقصنا ليس الكفاءة و لا الروح الوطنية أضن ان ما ينقصنا هو تطبيق القانون على الجميع و ربط المسؤولية بالمحاسبة وهناك عنصر اخر له علاقة بالتنشئة و التربية فهذا لا يمكن ان نحاسب عليه الا الله سبحانه و تعالى وهو الاخلاص في العمل فمثلا هناك فرق بين معلم مخلص في عمله و المتهاون و ذلك ذواليك على الدكتور و عامل نظافة وووو
    ادا كانو كلهم مسؤولون على أعمالهم ولديهم مراقب ذاتي يعني يراقب نفسه بنفسه الضمير الحي الذي لا يتركه ينعم بالحياة الا اذا قام بعمله على أحسن وجه و هذا رأيناه في بداية دراستنا و اذكر المعلم الذي يشرح الدرس بكل ضمير و المعلم الذي لا يهمه افهم او لا تفهم
    اذن علينا غرس القيم و روح المسؤولية في أبناءنا لكي يكونوا في مستوى التحديات مستقبلا

  • amaghrabi
    الإثنين 20 أكتوبر 2025 - 14:55

    الى الاستاذ عصيد الذي أقدره وأحترمه وأعتز به وأفتخر به ولا أشك أبدا في نواياه الصادقة للدفاع عن المصالح العليا للوطن والمواطنين وانه والحمد لله كرس حياته في هذا المجال الوطني والانساني من اجل المواطنة الصادقة التي تكرس الاحترام المتبادل بين المواطنين المغاربة بغض الطرف عن ميولاتهم السياسية واعتقاداتهم اللروحية لان الوطن للجميع والدين لله وهي القاعدة التي لا تفسد في الود قضية.ولكن سيدي بالنسبة للكرة المغربية التي دخلت منذ سنتين او اكثر مرحلة جديدة تشرف المغرب والمغاربة وبالامس ما حققه الفريق الشاب من انجاز عالمي عز اركان الكرة الارضية واصبح المغرب كلام وحديث المجتمع العالمي اليس هذا من انجاز جلالة الملك الرياضي الاول الذي بتلك المشاريع والبنية التحتية الرياضية يرجع اليه الفضل اولا واخيرا.نعم لاولويات التعليم والصحة والعيش الكريم ولكن لابد من الاهتمام بالرياضة وباقي الفنون سيدي ,نطلب العيش الكريم ولكن في اعتقادي لا ننكر ولا ننتقد بناء مشاريع رياضية على انها من الثانويات

صوت وصورة
لوكهيد مارتن بمعرض مراكش
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 20:51

لوكهيد مارتن بمعرض مراكش

صوت وصورة
السيول تجتاح طرق أسني بالحوز
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 19:49

السيول تجتاح طرق أسني بالحوز

صوت وصورة
جنرال أمريكي: المغرب مصدر للأمن
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 16:47

جنرال أمريكي: المغرب مصدر للأمن

صوت وصورة
مبادرة ساكنة لفك العزلة
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 15:06

مبادرة ساكنة لفك العزلة

صوت وصورة
تشييع المغربية ضحية الهجوم الحوثي
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 10:57

تشييع المغربية ضحية الهجوم الحوثي

صوت وصورة
معرض الطيران يجمع الفرجة والمعرفة
السبت 10 أكتوبر 2026 - 23:30

معرض الطيران يجمع الفرجة والمعرفة