من أسباب الهمّ الراهن

من أسباب الهمّ الراهن
الأحد 8 مارس 2026 - 15:26

ولا أقول النهضة.

فحديث النهضة من عوامل ضلالنا لأكثر من قرن. حديثٌ غازل فينا غرورنا بأننا شيء، ونحن لم نكن منذ قرونِ سباتنا المستمرة حتى اليوم، لم نكن حتى ذاك “الشيء الصغير” الذي تحدث عنه ألفونس دوديه، هذا الكاتب المبدع الذي أصدر كتابه ذاك في سن السادسة والعشرين ومنح العالمَ ابنَه ليون بعد سنة من “الشيء الصغير”، فكان الابن هو “الشيء الكبير” الذي شبّ؛ فأسس الحركة الفرنسية مع أنداده، رغم ما علِق بالجريدة والمذهب من مآخذ وما شابَهُما من انتقادات.

لا، لم تكن نهضة تلك التي قيل عنها إنها نهضتنا، ولم تتمخض فتلد تقدما ولا تحسُّنَ حال. ولو قَلّدْنا بعضَ أرباب أقلامنا، ممن تحدثوا عن الغُمَّة، غمّتنا، لخلصنا إلى تطويق بعض مضارنا، ولوضعنا عليها الأصبع واليد جميعاً، ولأخضعناها لمبضع التشريح. ولعل ذاك منا، كان كفيلا بأن يوصلنا إلى مرقى التشريع الأصوب، ولعلنا اليوم أن نكون في وضع المتنازعين حول سبل التنفيذ والبحث عن وسائل التصحيح والتشذيب، والعمل على الرقي والارتقاء من علاجِ همٍّ إلى مداواة غيره من الهموم.

كلا! لم نسرح بعيدًا عن أطلال مخلفات القدماء، ولم نقطع القطع الواجب مع ذيول الاستعمار، ولم نحسن تدبير شأننا المالي، فأحرى أن نتحدث عن سموٍّ فينا روحي، ورفع ٍ لأفقنا المعنوي.

وأنا إذ أقول هذا، لا أفرّق بين عالٍ ودانٍ؛ فالكل في قعر القفة الواحدة معا وسواء، إنما تمايزت بيننا وميّزت المناصب، فأما لو ملكتَ سلطانَ النظر إلينا من خارج، فلحكمتَ بأن ما هنالك إلا الفصيل يَتْبَعُ أمَّه، ومن تأبَّى فهو لا يفعل سوى أن يشرد، فإن عاد، فقد عاد ليَتَّبِع، فإن حرن، فهو هناك، يرى الفجر، ولا فجر هنالك، كالضارب في صحراء، يمني النفس بجرعة ماء، يتراءى له السراب، فيشهق سروراً، وهل وراء السراب ماء؟
فإن توافق منا النظر على الانكباب فحصا عن أسباب همّنا، والذي هو لنا بحق المُمْتَلَك الأصيل، فلأقل مسرعا إن من تلك الأسباب إضاعتَنا لبطاقة هويتنا، أضعناها وعبثا حاول البحثَ عنها منا من حاول، ودعك من التفاصيل.

ومنها، عدم صدقنا في محاربة الجهل، أستغفر الله! ما هذا الذي أقوله هنا؟ بل إصرارنا على تكريس الجهل، وقد طورنا لذلك شبكة من المخططين والمبرمِجين، نجحتْ في دحر المستوى التعليمي لدى المتعلمين، وانظر واحكم قبل أن تتفوه ببنت فم.

ودعنا ننتقل إلى سبب ثالث من أسباب همّنا الراهن، وحديثنا هنا إنما هو بمناسبة هذا الكلام المرتفع هنا وهناك عن خروج سنة ودخول أخرى؛ ككلامنا المتلاطم البارحة غير البعيدة عن وفاة قرن وميلاد قرن جديد، وتصرم حال وبزوغ حال أخرى غيرها، ولا ميّت هناك، ولا رأى المجتمعُ مولودا جديدا، فإنما المستنقع واحد، وأحسننا تخبطا فيه من بلغ منه الحافة، بلغ وليس خرج، فمَنِ الخارج اليوم؟ بل من يدعي مجرّد إمكان الخروج؟

ستقول لي، أو يقول غيرك: قبل أن تنتقل إلى سبب ثالث، فقد نسيتَ أهمَّ شيء، العقل!

أقول: آه من العقل، ونقد العقل، ونقد نقد العقل! فذاك حديث، هو لعمري حديث آخر، وإنه بحق لحديث ذو شجون، وليس في مثل هذا القول العابر، ليس فيه عن مثله كلام.

لنرفق ببعضنا البعض، من شر الإطالة والتطويل، وما حديث الهمّ إلا حديث يسكن كل فكر جاد منا، وفيه ينيخ. هل أقول كما قال ذاك الفحل اللغوي: ينيخ بكلكله؟ فليكن، فهو حديث يفعل ذلك ويزيد، على كل قلب صادق في العزم على بلوغ الهدف، وصدر مضمّخ بعطر التاريخ، وأنف شامخ يضخ عزةً، وتوقاً أكيداً للحرية، ورغبة مطلقة في التقدم. فأما الازدهار، فما الازدهار؟ أهو موجود أم معدوم أم وصف أم صفة أم حال، أم أنه مجرد شعار؟!

فالسبب الثالث، الذي يتلو مقارعة الجهل، معهود، هو وبقية الأسباب التي تليه متتالية، مترادفة، متزاحمة، اعتدنا على سماعها، ولم نحصّل لها بعد سبيلَ مخرج، أم أننا حصّلنا، ولم نسلك بعد طريق الفعل… وذاك لهو حتماً سبب الأسباب كلها وبدون أدنى استثناء.

-باحث في الفكر الإسلامي

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

2
  • MC
    الأحد 8 مارس 2026 - 20:04

    “I’ve learned from experience that the greater part of our happiness or misery depends on our disposition and not on our circumstances”
    “لقد تعلمت من التجربة أن الجزء الأكبر من سعادتنا أو بؤسنا يعتمد على تكويننا النفسي وليس على ظروفنا ”
    (M Washington)

    “To change the world, begin by stitching your own patch in the quilt”
    “لتغيير العالم، ابدأ بخياطة رقعتك الخاصة في اللحاف”
    (Arundhati)

    “Action is the antidote to despair”
    “العمل هو ترياق اليأس ”
    (J Oates)

    “إذا كان الحديث عن النهضة ضلالاً، فالسكوت عن الإصلاح موتٌ بطيء”
    أستاذي ،
    صدقت في تشخيص الداء ولكنك أصبتنا بالإحباط أكثر مما أضأت لنا طريقاً. نعم، نحن نعيش في “قعر القفة” ذاتها، لكن إصرارك على أن الكل سواء ينفي عنا مسؤولية التمايز ومحاولة الخروج ولو بخطوة. “ليس العيب في معرفة أسباب الهمّ، بل العيب في تحويل هذه المعرفة إلى متحف نزوره ولا نسكنه”. أتفق معك أن العجز عن الفعل هو “سبب الأسباب”، لكن هذا العجز ليس قدراً محتوماً، بل هو اختيار جماعي نعيد إنتاجه يومياً حين نفضّل لوم “السراب” على أن نجرب السير في اتجاه آخر.

    ALHOCEIMA

  • MC
    الأحد 8 مارس 2026 - 20:05

    “The end-product of education should be a free creative man, who can battle against historical circumstances and adversities of nature”
    “يجب أن يكون المنتج النهائي للتعليم إنساناً حراً مبدعاً، قادراً على محاربة الظروف التاريخية وشدائد الطبيعة”
    (S Radhakrishnan)

    “العِلْمُ يَرْفَعُ بَيْتًا لَا عِمَادَ لَهُ *** وَالْجَهْلُ يَهْدِمُ بَيْتَ الْعِزِّ وَالشَّرَفِ”
    احمد شوقي

    قال تعالى: {وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا}. [طه: 114]

    “أستاذي،
    تكريس الجهل” هو جوهر المشكلة ولبها”.

    كُلّ أمة تضع التعليم في ذيل اهتماماتها، تحكم على مستقبلها بالبقاء في غياهب العدم. إن لب ‘الهم الراهن’ يكمن في استقالة العقل التربوي، فكيف لأمة أن تكسر قيد التبعية وتصنيفها التعليمي يترنح في الرتب الأخيرة عالمياً، حيث لا يمكن بناء سيادة حقيقية بمناهج تقتل النقد وتكرس الحفظ؟
    إن الحل يبدأ بجعل المدرسة ‘مقدساً وطنياً’ واستعادة كرامة المعلم ليكون مهندساً للهوية، مع ضرورة توطين العلوم بلغة حية تفتح آفاق الاختراع لا مجرد الاستهلاك. فبدون ثورة جذرية في ‘صناعة الإنسان’ سنبقى ندور في فلك السراب الذي وصفته بدقة.”

    ALHOCEIMA

صوت وصورة
حكايات ما تقالتش | الرابور علي صامد
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 23:30

حكايات ما تقالتش | الرابور علي صامد

صوت وصورة
ميطا 3 | هل حسم المغرب لقب "الكان"؟
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 21:23

ميطا 3 | هل حسم المغرب لقب "الكان"؟

صوت وصورة
ليلة رعب في أولاد عياد
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 20:45

ليلة رعب في أولاد عياد

صوت وصورة
المعارضة وتفعيل التوجيهات الملكية
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 20:30

المعارضة وتفعيل التوجيهات الملكية

صوت وصورة
إشادات بمضامين الخطاب الملكي
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 20:02

إشادات بمضامين الخطاب الملكي

صوت وصورة
الملك محمد السادس يترأس افتتاح البرلمان
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 16:00

الملك محمد السادس يترأس افتتاح البرلمان