من جامعي الكرات إلى "اللبؤات" .. سرحان يستحضر سيرة "الهامش الفنان"

من جامعي الكرات إلى "اللبؤات" .. سرحان يستحضر سيرة "الهامش الفنان"
صورة: أرشيف
الثلاثاء 30 يونيو 2026 - 20:30

يمضي الشاعر سعد سرحان في عادته الأثيرة؛ أن يعثر على المعنى حيث لا ننتبه، وأن يقتنص من اليومي والعابر ما يكشف جوهرا أعمق عن الإنسان والمجتمع والذاكرة. من الملعب إلى اللغة، ومن الطفولة إلى المجد، تتشكّل نصوص سرحان كأنها تمرين على الإنصات لما تقوله الهوامش حين تتقدم، فجأة، لتصبح أصل الحكاية.

هذه الحلقة الأخيرة من سلسلة “الدكتورة كرة القدم” للشاعر سعد سرحان:

جامع الكرات

في كرة القدم، الوقت ليس من ذهب فقط، بل هو من لقب أيضًا، فالكثير من الكؤوس والميداليات والألقاب والبطولات تمَّ حسمُها في الدقائق الأخيرة من المباراة، وأحيانًا في الوقت بدل الضائع منها. والأمثلة على ما أقول ليست ممّا يحتاج غوصًا في التاريخ، فهي تطفو على سطح الذاكرة.

حَقْنًا للوقت إذن، ظهر جامعو الكرات في ملاعب كرة القدم. ولقد فعلوا أول مرّة في ملعب تشيلسي سنة 1905، قبل أن يصير لهم نظراء في باقي ملاعب العالم.

يشكّل صِبية الكرات فريقًا من ناشئي الفريق المضيف بعدد يختلف من دوري لآخر، كما يفعل حسب حجم الملعب وأهمية المباراة، فينتشرون حول محيط المستطيل الأخضر بواقع ثلاثة أو أربعة عند كل خط تماسّ وواحد أو اثنين خلف كلّ مرمى، يعيدون الكرة بسرعة إلى اللّعب كلّما خرجت من الملعب، فيحدّون بذلك من نزيف الوقت، إذا كان ذلك في صالح فريقهم، أو يتماطلون قليلًا للمسّ بهِمّة الخصم، إذا كانت مجريات المباراة في صالحه.

العديدُ من جامعي الكرات يصبحون فيما بعد من نجوم اللّعبة، فمنهم كريستيانو وكانافارو وسفيان رحيمي وراوول غونزاليس وفيل فودين وفيليب لام… أمّا غوارديولا، وقد كان هو الآخر جامع كرات، فلا يني يتفوّق على نفسه، إذ لا يكتفي الآن، وهو مَن هو في عالم التدريب، بإصدار تعليماته للفريق، بل يصدرها حتى لجامعي الكرات، حسب أهمّية المباراة وطبيعة الخصم.

غير أنّ من جامعي الكرات من يستعجل النجومية فينالها وهو بعد طفل، نظير مساهمته الواضحة في مجد فريقه كأوكلي كانونير، بطل ركنيّة ليفربول ضد برشلونة التي أسفرت عن ريمونتادا تاريخية مهّدت إلى الفوز بكأس عصبة الأبطال سنة 2019، أو نظير تسبّبه في إيذاء الخصم كتشارلي مورغان الذي كان وراء طرد إيدين هازارد من نصف نهائي كأس الرابطة سنة 2013، وإيقافه عن اللّعب لثلاث مباريات. ومثل هؤلاء الأطفال غالبًا ما يحظون بتكريم رمزي من فرقهم. ولأنّهم قاصرون، فإنّ أيّ طيش منهم خلال المباريات يؤدّي غراماتٍ عنه أولياء أمورهم من أندية ومنتخبات.

ولعلّ آخر لحظة قويّة في هذا الموضوع هي احتفال مورينو بعناق صبيّ الكرات في بنيفيكا، فرانسيسكو كونيا، فور تسجيل حارس الفريق الهدف الرابع على ريال مدريد برسم عصبة الأبطال لسنة 2026. صورة ذلك العناق ستظلّ محفورة في ذاكرة الصبيّ أبد العمر، فلا النسيان ولا الزهايمر ولا حتى الخرف بقادر على طمسها.

مواهب هؤلاء الصِّبية تظهر في وقت مبكّر، وغالبًا ما تشي بما سيكونون عليه من مجد. ففي فيديو متداول لركلات الترجيح، يظهر أحد جامعي الكرات خلف المرمى وهو يشير لجهة التسديد، وفي كلّ مرة يصدق توقّعه، فهو بذلك حارس كبير، حارس كبير مع وقف التنفيذ، خصوصًا وأنّ الحارسين كان يرتميان عكس توقعه. ما اسمه، ذلك الصبيّ؟ الفيديو لا يخبرنا عنه شيئا. فلنسمّه ليڤ إذن، ليڤ جونيور، تيمّنًا بليڤ ياشين، أعظم من تصدّى لضربات الجزاء في كلّ العصور.

…

وخُلاصةً،

من هم جامعو الكرات؟

إنّهم الهوامش التي تضيء المتن.

نون

في المغرب، لا تقِلُّ نون النسوة عن تاء التيستوستيرون في شيء، فهي ليست له كالجَنيبَة للنّجيبَة، إذ أثبتت، في غير مضمار، وعلى مدى تاريخ كامل، أنّها أنجب. فبالنّون، لا بالتّاء، تبتدئ النّجابة. وبالنون، أيضًا، والقلم شاهدٌ، يبتدئ النّص. لذلك، ما كان للمغرب أن يكون نصًّا محرّرًا بدون نون كنزة ونون زينب، فالأوْربِية والنفزاوية على سبيل التكريم، لم تكونا مجرّد حاشيتين فيه، فهما حفيدتا أكثر من نون مطموسة في المخطوط الكبير.

مع نهاية كلّ موسم دراسي تتصدّر النون النتائج متبوعة بالتاء طبعًا، فإذا التحقن بأرقى المعاهد والجامعات، كان لهنّ الألق من بنجرير حتى باريس على سبيل التّميّز. ولعلّ عددهنّ في البوليتيكنيك هنا وهناك أن يضرم الخضرة في رفات جدّاتهن.

للجسد المغربيّ أيضًا نجابته. ولعلّ أسرع نون تقفز منه فعلًا إلى الذهن هي نون نوال ونزهة. فحين كانت ألعاب القوى في المغرب في كامل قواها، وكان عويطة ومن لفَّ لفّه يلتفتون فلا أنفاس خلفهم، كانت نوال ومن في حكمها يتقلّدن الميداليات تِلْوَ بعضها فيرتقي البلد بذلك في سبورة الأمم. ولولا ألقابهنّ، ألقاب النون، لما كان لنا الشّأن الذي كان.

…

ثمّ نصل إلى مربط اللّبؤة، لبؤة الأطلس.

على الصعيد الرياضي، يعيش المغرب نهضة كروية لم يسبق نفسه إليها إلّا في فترتين، إحداهما مع تاء التنس المذكّرة، والأخرى مع ألعاب القوى بجنسيها. وإذا كان في ذلك من فضل يُعزى، فإلى أكاديمية محمد السادس لكرة القدم، وهي عندي الأخت الكبرى لجامعة محمد السادس متعدّدة التّخصّصات، سوى أنّ هذه مفتوحة أمام تاء التّألّق ونون النجابة، فيما تلك مفتوحة، لأسباب غير مفهومة ولا مبرّرة، في وجه الذكور دون الإناث، وهو الأمر الذي على الجامعة الملكية لكرة القدم أن تتداركه في أقرب الآجال، لا إنصافًا للنون فقط، بل من أجل رفع سويّة المنتخبات النسوية بجميع فئاتها، وذلك بترصيعها بجواهر الأكاديمية أسوة بما تفعل مع الذكور…

وللتذكير فقط، فاللّبؤات يوسعن البرّية شراسة أكثر ممّا تفعل الأسود.

عصبة

في طريق عودتي إلى البيت زوالًا، استوقفني مشهد ثلاث بنات يلعبن عند باب مدرسة ابتدائية. كنّ جميعًا دون العاشرة ويرتدين وزراتٍ في منتهى الفرح.

يبدو أنّ أولياء أمورهن تأخّروا عليهن قليلًا، فانتهزنهُ، انتهزنَ ذلك القليل من الوقت في اللعب بعبوة مشروبٍ غازيٍّ صادفنها كنعمة في الجوار.

كلّ واحدة منهنّ كانت فريقًا بأسره: فلا هذه تأبه لتلك، ولا الثالثة تنتظر منهما التفاتة. كنَّ يمرّرن لأقرب فراغٍ، وينتشين بصوت العبوة كما لو أنّه هدفٌ محقّق.

لا هنّ باللاعبات ولا العبوة كرة. ومع ذلك أوسعن المكانَ مهارة. فالطفولة لوحدها مهارة، مهارة عظمى تنخفض بارتفاع الرّشد.

فقط لو يتأخّروا عليهنّ قليلًا لأنعم بالمزيد، أنا الجمهور الذي لا يُشقّ له هتافٌ. لأجلي تُبثّ حصريًّا على القناة التي أغمز منها واحدةٌ من أجمل مباريات عصبة الأطفال.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

3
  • سامي
    الثلاثاء 30 يونيو 2026 - 21:37

    المهم ان يتحدتو على النساء شمن لبواة مجرد خشبيات. لم يحققون اي إنجاز المهم ان تتركو شريحة النساء على خاطرها ،

  • اسطاد المغربي
    الثلاثاء 30 يونيو 2026 - 21:40

    مل ما يوحد في كرة المضرب جميع نجوم كرة المضرب في المغرب جلهم جامعي الكرات حيث ان بعض المدربين القدامى يحاربونهم لكي لا ياخدوا مكانهم في التدريب و هدا حصل في بعض النوادي المغربية و خصوصا في اشهر نادي برز فيه العيناوي حيث ان المدربين القدامى يحاربون جامعي الكرات الدين بدؤوا في الضهور و انا ضحية هده التعسفات و الطرد من النادي بسبب هده الكراهية يجب على المسؤولين العناية بجامعي الكرات في جميع الرياضات لان اكبر مثل راحيمي و كثير منهم

  • تعتذر الكرة للفيفا
    الثلاثاء 30 يونيو 2026 - 22:59

    لو طلبت الفيفا من الكرة ان تكتب سيرتها الذاتية لرفضت. ستقول انا اكثر موظفة تعرضت لسوء الفهم. الجميع يظن انه يركلني بينما انا من اركض باكثرهم. جعلت الملايين يسافرون ويصرخون ويبكون ويتصالحون ويتخاصمون ويحسبون التسلل كما لو كانوا مهندسين. انا مجرد دائرة صغيرة اقود كوكبا كاملا بخيط من جلد وهواء. حتى الفلاسفة لم ينجحوا في اثبات ان المجتمع مستدير كما انجح انا كل حين وان. ولو اختفيت اسبوعا واحدا لعادت نشرات الاخبار تتحدث عن اشياء اكثر خطورة بكثير واكثر اهمية بمراحل

صوت وصورة
لقاء خاص | عبد اللطيف وهبي
الجمعة 2 أكتوبر 2026 - 08:55 12

لقاء خاص | عبد اللطيف وهبي

صوت وصورة
الشعر الصوفي ''إكسير الشفاء''
الجمعة 2 أكتوبر 2026 - 07:48 2

الشعر الصوفي ''إكسير الشفاء''

صوت وصورة
دراسات أثرية حول العصر المرابطي
الجمعة 2 أكتوبر 2026 - 00:30

دراسات أثرية حول العصر المرابطي

صوت وصورة
أمطار غزيرة وسيول جارفة بوجدة
الخميس 1 أكتوبر 2026 - 23:48 4

أمطار غزيرة وسيول جارفة بوجدة

صوت وصورة
التسعيرة ثابتة و''المازوط'' غالي
الخميس 1 أكتوبر 2026 - 20:32 6

التسعيرة ثابتة و''المازوط'' غالي

صوت وصورة
عرشان يدعم "حكومة المنصوري"
الخميس 1 أكتوبر 2026 - 13:42 5

عرشان يدعم "حكومة المنصوري"