من هم الشجعان اليوم؟

من هم الشجعان اليوم؟
الثلاثاء 12 نونبر 2024 - 17:06

في عمله الأخير: “الشجعان”، اختار الروائي هشام ناجح أن يحكي عن جزء مهم من تاريخ منطقة تادلة وبني ملال، لقد اختار أيضا أن يكتب عن سردية الشجاعة. ما معنى أن يكتب كاتب اليوم عن الشجاعة وبمعنى أصح عن الشجعان؟ ما الذي يبرر لجوء كاتب إلى “الرواية التاريخية”، أو تحديدا استحضار تاريخ منطقة تادلة؟ هل يتعلق الأمر برد الاعتبار للتاريخ المنسي أو المهمش أم يتعلق الأمر بالتحسر على فقدان الشجاعة في حاضرنا ومعيشنا؟ هل “الشجعان” رواية تسلط الضوء على ملحمة منطقة تادلة أم إن تادلة هي معبر تاريخي وجغرافي وسردي من أجل الكتابة عن الشجاعة؟

يقول إتيان دولابواسيي، متى فقدت الشجاعة ضاعت الحرية، فمن يألف الخضوع لا تغلي في صدره حُميَّا الحرية، التي تدفعه للموت من أجل الشرف والمجد. على هذا الإيقاع المليء بالدلالات، يختتم هشام ناجح روايته “الشجعان” كالتالي: “سقطت الأم بني ملال: النشيد المدوزن “الشجعان..الشجعان..الشجعان”.. دوى الصدى الرنان في كل أنحاء بني ملال: “الشجعان..الشجعان..الشجعان” ماذا يعني ذلك؟ يعني أن الشجاعة بمعزل عن الانتصار، وأن الفعل الشجاع لا يمكن وضع حد له، وأن ثمة شيئا دائما يتعين فعله. ففي نهاية كل فعل شجاع ثمة فشل. إن ما يجعل الشجاعة مقدسة ليس هو نجاح العملية التي نقوم بها، بل هو شجاعة القيام بها.

فمن هم الشجعان؟ إنهم أفراد لا يتصف كل واحد منهم فقط بالشجاعة، فالشجاعة الفردية فضيلة، (أفلاطون وأرسطو)، تتجلى في علاقة الفرد بذاته، لكن الشجاعة هنا نمط وجود جماعي، تظهر في علاقة الفرد بالأرض، بالتاريخ، بالعيش المشترك. الشجعان هنا رجال (موحى أوسعيد والبوزيدي والبعطيطي وجليلة ولد العسري وسيدي بيه…الخ) ونساء (النيرية وحادة وزوجة الحتروف…) وحتى أطفال (بيجيخ)… إنهم يعيشون حياة الأبطال، يمارسون حقهم في الحياة في عز الاحتقان والحرب والترقب، ذلك “أن أسمى الأفراح هي التي تدعو إلى احتقار الترقبات بالنكاية فيها وبالائتلاف مع الجماعة، وإقامة عرس من لا شيء، وجذب حبل الفرح قبل أن ينفرط ويتبدد”، ويموتون موتة الأبطال: “كانت موتة المجاهد القرشي بن الرغاي رائعة، ظل فوق حصانه والرصاص يلعلع في جسده، ودماؤه تقطر على الأرض إلى أن فارق الحياة” (ص. 60-276).

الشجعان هم أولئك الذين يعتبرون أن الحرب هي التي اختارتهم، وتفرض عليهم إرادتها، وهم فقط يستجيبون لنداء العزة. إنهم أولئك المحاربون المحكومون بمقاومة حمل السلاح وتوجيهه؛ وبمقاومة غواية الترقبات. ذلك أن “الشجاعة الحقيقية متعلقة بالكمية المقابلة من الخوف. فهي محاولة لتغطية مساحة الرعب الخفي والمعلن بإدراج القدرة والسيطرة في كل السياقات المجرجرة” (ص. 58 و239).

الشجعان هم من يجمعون بين الشجاعة البدنية والشجاعة الروحية، لأنهم كانوا يقبلون على المخاطرة بحياتهم، رغم أنهم غير متيقنين بما سيترتب عن ذلك. إنهم لا يحاربون، فقط في سياق الغالب والمغلوب، بل إنهم يواجهون الموت، من أجل الدفاع عن القيم المدنية: الكرامة والحرية.

إنها مفارقة سياسية، فما حدث في منطقة تادلة وبني ملال، يفترض قراءة جيو-سياسية وتاريخية عن علاقة المدينة بالبادية. ذلك أن ما قام به الشجعان، هو الدفاع عن فضاء سياسي لا تكون فيه السلطة السياسية محتلة وقاهرة. إنه دفاع عن القيم المدنية. بالفعل لقد كانت البادية أكثر قوة وتأثيرا في تاريخ المغرب، لقد شكلت بؤرة توتر بالنسبة للسلطة المركزية، كانت مشتلا للمقاومة المسلحة وللجهاد، وهو ما جعل المجال القروي مستهدفا. لذا ستخضع البادية لتهميش ممنهج، الشيء الذي سيؤدي إلى عزلها عن الممارسة السياسية، مع العمل استراتيجيا على تهدئة البادية، وجعل المدينة تلغي القرية، وبالتالي الحد ما أمكن من بريق الشجاعة.

إن السرد التاريخي والملحمي الذي تقدمه رواية الشجعان يضعنا في صلب مجرى التاريخ، حيث تنفتح أمامنا ثلاثة طرق في القراءة والفهم، والإمساك بالمعنى: المستوى المجرد للتقدم، هل تابعنا في حاضرنا ما مات م من أجله الشجعان؟ والمستوى الوجودي للغموض: ما الذي تعذر علينا إدراكه ومازال يتعين علينا توضيحه في ما جرى من أحداث؟ والمستوى السري للأمل: ما الذي يمكننا استخلاصه من تجربة الشجعان من أجل الاستمرار في الحلم بغد أفضل؟

إن الكتابة عن “الشجعان” اليوم موسومة بنبرة مزدوجة: نبرة التحسر على ما نعيشه في الحاضر، من استنزاف وتآكل وفقدان المعنى جراء استحالة التحكم في مجرى الزمن، حيث تستأسد اللاشجاعة، وحيث يتضاءل وجود الشجعان الذين يهتجسون ببناء المدينة والدفاع عن قيمها والحرص على استدامتها. هل يتعلق الأمر بنهاية الشجاعة؟ هل نهاية الشجاعة تعني نهاية الشعب؟ما أحوجنا إلى الشجاعة في مواجهة انغلاق الراهن: فحاضرنا يعج بتداعيات تكشف عن حضور مفرط للهيمنة، وهي اللغة المفضلة للراهن في استنطاقه للحقيقة، للوجود، للواقع، للقيمة، للحياة، للعيش…

ما أحوجنا إلى قراءة “الشجعان” لكي نواجه الراهن، نواجه ظلمة الكهف، وظلم المدينة (دفاعا عن سقراط، أفلاطون). ولكي نواجه الجبن والكسل (لتكن لديك الشجاعة على استخدام عقلك ذلك هو شعار الأنوار، كانط). ولمواجهة الاضطهاد والاستغلال (خوض غمار الصراع، ماركس).

تمة تخريب يطال المدينة، فمن يدافع عن المدينة اليوم، عن الحرية والعدالة والحقيقة؟ كيف يمكن استرجاع التاريخ من قبضة من لم يصنعوا أمجاده، بل يتحكمون الآن في تخريبه؟ ترى هل يمكن الحديث عن الشجعان اليوم؟ من هم الشجعان اليوم؟

*جزء من قراءة تحليلية لرواية هشام ناجح: “الشجعان”

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
السيول تجتاح طرق إسني بالحوز
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 19:49

السيول تجتاح طرق إسني بالحوز

صوت وصورة
جنرال أمريكي: المغرب مصدر للأمن
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 16:47 2

جنرال أمريكي: المغرب مصدر للأمن

صوت وصورة
مبادرة ساكنة لفك العزلة
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 15:06 9

مبادرة ساكنة لفك العزلة

صوت وصورة
تشييع المغربية ضحية الهجوم الحوثي
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 10:57 2

تشييع المغربية ضحية الهجوم الحوثي

صوت وصورة
معرض الطيران يجمع الفرجة والمعرفة
السبت 10 أكتوبر 2026 - 23:30

معرض الطيران يجمع الفرجة والمعرفة

صوت وصورة
مضادات "درون" مصنوعة مغربيا
السبت 10 أكتوبر 2026 - 21:30 5

مضادات "درون" مصنوعة مغربيا