مَدِينَةٌ وَاحِدةٌ... وَحَمْلَتَانِ

مَدِينَةٌ وَاحِدةٌ... وَحَمْلَتَانِ
الثلاثاء 22 شتنبر 2026 - 23:56

لكلِّ حيٍّ مُرشّحُه… والمرشّح واحدٌ

تبدأ الحملة الانتخابية حين يتذكّر بعضُ المرشحين أنّ للمدينة أطرافًا لا تمرّ بها سياراتهم، وأنَّ خلف الشّوارع الواسِعة أزقةٌ ضيّقةٌ، وخلفَ الواجهات المصقُولة بُيوتًا يتسرّب إليها المطر، وأن سُكان تلك الأماكن لهم أسماء ومطالب مُؤجلة منذ أعْوام. والأهَمّ أن لهم أصواتًا انتخابية؛ عندها تتكاثر الزيارات، تلينُ الملامح، وتتّسعُ الابتسامات حتى يخيل للنّاظر أن المدينة لم تدخل موسم الانتخابات، وإنما موسمًا مفاجئًا من المحبة العامة.

الحملة واحدة في الوثائق والملصقات: الاسم ذاته، والصورة ذاتها، والشعار ذاته. غير أن بِضْعة كيلومترات داخل المدينة تكفي لِقَلْب المشهد؛ فإذا بالحملة تنشطرُ إلى صورتين تكاد كل واحدة منهما تُنكر الأخرى. يبدو المرشح كأنه أعدّ لكل حيٍّ نُسخةً خاصة منه؛ يبدّل عند حدوده لغتَه، ونبرة حديثِه، وهيئة حُضوره، بل وحتى القلق الذي يختار أن يرسمه على ملامحِه.

مرشّحٌ مُتعدِّدُ الاسْتعمالات

لا يحتاجُ السكانُ في الحي الشعبي إلى السّؤال إن كانت الحملة قد وصلت. يسمعونها أولًا. سيارةٌ بمُكبرات صوت تدور في الأزقة وتكرِّر اسم المرشح حتى يصبح جزءًا من صخب المكان، إلى جوار أصوات الباعة والأطفال والمحركات القَديمة. يخرج صاحب البقالة إلى الباب، يرفع الميكانيكي رأسه، ويتجمّع الأطفالُ حول الموكب؛ هؤلاء أكثر واقعية من الكبار لأنهم لا ينتظرون إصلاح منظومة النّقل أو إعادة تأهيل المجال الحضري، تكفيهم قُبعة أو قميص أو زجاجة عَصير. لقد أدركوا مبكرًا أن الأشياء الصغيرة التي تصل إلى اليد أكثر يقينًا من المشاريع الكبيرة التي تصل إلى الخُطب. تتوقّف السّيارات وينزل المرشّح، فتبدأ عيناهُ بالأرض؛ الحيُّ لا يمنح الأحذية اللاّمعة حَصانةً خاصّة. الحُفر قديمة، راسخة، عاشتْ عدّة دورات انتخابية، رأت مرشحين يأتون ويذهبون، سَمعَت وُعودًا بإصلاحها، ثم بقيت في مكانها تُؤدِّي مُهمَّتها بِصبر: اختبارُ توازنِ المارة وذاكرةَ المنتخبين.

بعد الاطمئنان إلى الحذاء ترتفع الرأس وتظهر الابتسامة المناسبة. ابتسامة واسعة، عائلية، كأن الرجل غادر هذا الزقاق صباحًا وعاد إليه مساء. تتقدّم اليدُ، تتكاثر المصافحات، ويصبح السُّكان في دقائق أعمامًا وأمهات وأبناءَ حيٍّ يسكنُ القَلب منذ زمن لا توجد، لسوء الحظ، صُور تُثْبته.

ديمقراطية بمكبّر صوت… وأخرى بصوت منخفض

في المقهى الشعبي يجلس المرشح على كرسي بلاستيكي ويحمل كأس شاي أمام العدسات. دقائق قليلة تكفي ليغدو الكرسي شهادة في التّواضع والقُرب من الناس. بعدها تتراكم أمامه مشاكل الحيّ: الماء، المستوصف، المدرسة، البطالة، النقل، الإنارة، الطريق. لكل مشكلة مكان في ملامحه؛ هزّة رأس، تقطيبُ جبْهة، نظرة بعيدة توحي بأن الحَل موجود في أفُق لا يراهُ سواه.

ثم تتحوَّل الأشياء كلها إلى أولويات. الصحة أولوية، التعليم أولوية، التشغيل أولوية، الشباب أولوية، النقل أولوية، الأحياء الهامشية أولوية، تكبر القائمة حتى تحتاج الأولويات نفسها إلى ترتيب حسب الأولوية. تنتهي الجَوْلة بعْد أن تجمعَ الحملة ما تحتاجه من صُور. تغلق أبواب السّيارات، يهدأ الضجيج، يعود البائع إلى متجره والحلاق إلى زبونه والأطفال إلى لَعِبهم. يبقى الحيُّ في مكانه، فيما تنطلق صُوَرُ المرشَّح بسُرعة إلى مَواقع التّواصل مُرفقة بعبارات عن الإنصات إلى نبض المواطن والوُقوف الميداني على احتياجَاته.

قاموسٌ انتخابي حسب الرَّمز البريدي

ثمّ يعبر المرشح إلى الحيّ الراقي فتتغيَّر الحمْلة كما يتغيَّر ديكور المسرح بين فَصْلين. تختفي مكبرات الصوت. يبدو أن الدّيمقراطية هنا أقل حاجة إلى رفع صوتها. ينزل المرشح مطمئنًا إلى الأرض. الرصيف مُستوٍ، الطريق نظيفٌ، الأشجار مشذبة. تتقلص الابتسامة قليلًا، تختفي الحميمية الزائدة، ويستعيد الجسد مسافته المهذّبة. قبل ساعة كان المرشح ابنَ الحي، هنا يصبح صاحب رؤية. تتغَيرُ اللغة وتتراجع مفردات الماء والمستوصف والبطالة، وتتقدم جودة الحياة، والاستدامة، وجاذبية المجال، والنجاعة الطاقية، والتنقل الأخضر، والتخطيط الذكي. المدينة التي كانت صباحًا تبحث عن قناة صرف صالحة للاستعمال تقفُ مساءً على عتبة المدينة الذّكية. هكذا يتمّ فتح ملفّات تليق بالمكان: محطات شحن السيارات الكهربائية، المسارات الآمنة للدراجات، المساحات الخضراء، مواقف السيارات.

المسافة بين الحيّيْن قصيرة على الخريطة، شاسعة في نوع القَلق. لذلك، لا يخطئ المرشح قاموسه. يعرف أن الكرامة تناسب شارعًا متصدعًا، وأن جودة الحياة أكثر انسجامًا مع شرفة تطل على حديقة. يعرف أين يتحدث عن فرصة عمل، وأين يتحدث عن جاذبية الاستثمار. صباحًا يميل بجسده نحو الناس ويصافح طويلًا. مساء يجلس مستقيمًا، يمسك قلمًا، ويُدوِّن الملاحظات مثل خبير يقود ورشة عن مدينة المستقبل. في الحي الشعبي يصنع القُرب، وفي الحي الراقي يصنع الكفاءة. هكذا، تستمر الحملة الواحدة في يومها الطويل: صباحًا خبزٌ وزيتٌ وشايٌ على طاولة بسيطة، مساءً حديثٌ عن التنمية المستدامة قُرب قَطع حلوى مُرتّبة بِعنَاية؛ صَباحًا ترتفع أكْمامُ القَميص قليلًا، مساء تَعود السّترة إلى انضباطها.

مدينتان تحت سَماءٍ واحدة

من أعلى، تبدو المدينة مُتماسكة: طرقٌ تمتد، وأحياءٌ تتجاورُ، وحدود ترسمها إدارة واحدة. وما إن تنزل إلى شوارعها حتى يتشقّق هذا الانسجام؛ حيّانِ يتنفّسان الهواء نفسه، ولا يَملِكَان الحِصة نفسها من الغَد. المرشَّح يعرف هذا جيّدًا، ولا يبدو أن التناقض يُزعجه. في الحي الشعبي يتحدث عن الكَرامة والإنصاف، وفي الحي الراقي عن الاستثمار والفُرص. يتبدل القاموس، وتتبدّل الوُعود، ويبقى الهَدف ثابتًا: أن يصل الحيّانِ، بكل ما يفصل بينهما، إلى المكان نفسه في اليوم نفسه … صُندوق الاقتراع.

هكذا لا تُوَحِّدُ الحمْلةُ المدينةَ، وإنّما تتعلّم كيف تستثمرُ انقسَامها. لكلِّ حيٍّ وعْدُه، ولكلِّ خوفٍ عِبارته، ولكلِّ جُمهورٍ النُّسخة التي تناسِبه من المرشح نَفسه. وحين ينتهي النّهار، تَختفي كل تلكَ الفَوارق داخلَ الصُّندوق، لا لأن المسافة بين الحيّيْنِ قد زَالت، وإنمَا لأن الورقة الانتخابية لا تسألُ النّاخبَ مِنْ أيّ حيٍّ أتَى.

لنتأمّلْ؛ وإلى حديث آخر.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
حفل اليوم السعودي بالرباط
الثلاثاء 22 شتنبر 2026 - 23:58 1

حفل اليوم السعودي بالرباط

صوت وصورة
"فلامات" الاتحاد الدستوري
الثلاثاء 22 شتنبر 2026 - 22:41

"فلامات" الاتحاد الدستوري

صوت وصورة
بنعتيق في "دوار الكورة"
الثلاثاء 22 شتنبر 2026 - 20:58 2

بنعتيق في "دوار الكورة"

صوت وصورة
قواعد الانتخابات التشريعية
الثلاثاء 22 شتنبر 2026 - 20:06 1

قواعد الانتخابات التشريعية

صوت وصورة
أبعاد استراتيجية | دبلوماسية الجزائر على المحك
الثلاثاء 22 شتنبر 2026 - 19:00

أبعاد استراتيجية | دبلوماسية الجزائر على المحك

صوت وصورة
حملة مرشح "الأحرار" في مديونة
الثلاثاء 22 شتنبر 2026 - 18:53 3

حملة مرشح "الأحرار" في مديونة