نجاحات كبرى وأسئلة مؤجلة

نجاحات كبرى وأسئلة مؤجلة
السبت 14 فبراير 2026 - 22:08

في السنوات الأخيرة، أصبح الحديث عن المغرب محفوفًا بازدواجية واضحة في الرؤية والتقييم. فهناك من ينظر إلى البلاد من زاوية الإنجاز والتراكم الإيجابي، معتبرًا أن المغرب قطع أشواطًا مهمة في مسار التحديث وتعزيز موقعه الإقليمي والدولي. وفي المقابل، يركز آخرون على الاختلالات البنيوية والأعطاب الاجتماعية والاقتصادية التي ما تزال تثقل كاهل فئات واسعة من المواطنين. غير أن المقاربة الأكثر إنصافًا وعمقًا لا تكمن في الاصطفاف مع هذا الطرف أو ذاك، بل في محاولة فهم التوتر القائم بين مشروع الدولة، كما يُصاغ على مستوى الرؤية الاستراتيجية، وواقع المجتمع بما يحمله من انتظارات وضغوط يومية.

منذ مطلع الألفية الثالثة، دخل المغرب مرحلة جديدة اتسمت بتبني خيارات استراتيجية واضحة تقوم على المشاريع الكبرى وتعزيز الحضور الجيوسياسي إقليميًا وقاريًا. هذا التحول لم يكن مجرد شعارات، بل تُرجم إلى سياسات ومبادرات ملموسة. فالنجاحات الدبلوماسية المرتبطة بقضية الصحراء المغربية، على سبيل المثال، لم تأتِ من فراغ، بل كانت نتيجة عمل دؤوب وطويل النفس، تُوّج بتغيّر مواقف دولية وبدعم متزايد لمقترح الحكم الذاتي باعتباره حلًا سياسيًا واقعيًا وعمليًا. وفي السياق نفسه، جاءت مشاريع استراتيجية كبرى مثل أنبوب الغاز نيجيريا–المغرب، والمبادرة الأطلسية، وبرامج تنمية الأقاليم الجنوبية، لتؤكد طموح المغرب في التحول إلى حلقة وصل أساسية بين إفريقيا وأوروبا، وفاعل محوري في معادلات التعاون جنوب–جنوب.

اقتصاديًا، برزت خلال السنوات الماضية محاولات جادة لبناء قاعدة صناعية متينة، خصوصًا في مجالي صناعة السيارات والطيران، مع سعي واضح للاندماج في سلاسل الإنتاج العالمية وجذب الاستثمارات الأجنبية. هذا التوجه منح المغرب صورة بلد “صاعد” يتمتع بالاستقرار وبقدرة تنافسية متزايدة. أما على المستوى الرياضي، فقد لعبت الإنجازات الكروية دورًا رمزيًا بالغ الأهمية، خاصة خلال مونديال قطر 2022، حيث أعاد الأداء التاريخي للمنتخب الوطني تشكيل الوعي الجماعي، داخليًا وخارجيًا، حول قدرات المغاربة على التميز وتحقيق المستحيل. وفي السياق ذاته، يندرج النجاح الذي حققه المغرب في تنظيم كأس أمم إفريقيا 2025. فهذه التظاهرة القارية الكبرى لم تكن مجرد حدث رياضي، بل فرصة لإبراز تطور البنية التحتية، والخبرة التنظيمية، وقدرة البلاد على احتضان أحداث دولية كبرى، بما يعزز مكانتها القارية والدولية.

غير أن هذه الصورة المضيئة تصطدم، في الحياة اليومية، بواقع اجتماعي أكثر تعقيدًا وقسوة. فالقطاعات التي تمس المواطن بشكل مباشر، مثل الصحة والتعليم والقضاء، ما تزال تعاني من أعطاب عميقة تتجلى في ضعف جودة الخدمات، وغياب العدالة المجالية، وتراجع الثقة في المؤسسات، وانتشار البيروقراطية المرهقة. هنا يبرز التناقض الجوهري: دولة تفكر بعقل استراتيجي بعيد المدى، ومواطن يعيش تحت ضغط اليومي، بين الهشاشة الاجتماعية وعدم اليقين الاقتصادي.

يتجلى هذا التناقض بشكل أوضح مع صعود جيل جديد لا يكتفي بخطاب الإنجازات الكبرى ولا يثق في الشعارات العامة. إنه جيل يقارن نفسه بنظرائه في العالم، يسأل، وينتقد، ويحتج عبر الفضاء الرقمي، ويطالب قبل كل شيء بفرص حقيقية وكرامة ملموسة في حياته اليومية. الفجوة بين خطاب الدولة وانتظارات هذا الجيل قد تتحول، إن لم تتم معالجتها بجرأة وواقعية، إلى أزمة ثقة طويلة الأمد.

أما المغاربة المقيمون في الخارج فيحملون نظرة مزدوجة بدورهم. فهم يلاحظون بوضوح التغيرات التي مست البنية التحتية من طرق وموانئ ومدن، كما يتابعون تطور الخطاب الرسمي والطموحات الكبرى. لكنهم في الوقت ذاته يصطدمون ببطء الإدارة، وتدهور بعض الخدمات، وبشعور عام بأن ثمار التنمية لا تتوزع بالعدل. هذه النظرة ليست سلبية ولا متعالية، بل غالبًا ما تكون أكثر حساسية لأنها تقارن بين ما هو ممكن وما هو قائم بالفعل.

التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في إنجاز المشاريع الكبرى أو تنظيم التظاهرات القارية، بل في القدرة على ربط الرؤية الاستراتيجية بالعدالة الاجتماعية، والطموح الجيوسياسي بالكرامة اليومية للمواطن. فبدون هذا الربط، سيظل النجاح ناقصًا، وسيظل النقد حاضرًا ومتصاعدًا. المغرب اليوم لا يحتاج إلى تفاؤل أعمى ولا إلى تشاؤم هدّام، بل إلى وعي نقدي هادئ يعترف بما تحقق، ويضغط في الوقت نفسه من أجل ما لم يتحقق بعد.

لا يمكن فهم هذا التناقض دون استحضار أن أعلى سلطة في البلاد قد نبّهت إليه صراحة. فقد أكد الملك محمد السادس، خلال خطابه بمناسبة الذكرى السادسة والعشرين لتوليه العرش، أن النمو الاقتصادي وتطوير البنية التحتية وحدهما لا يكفيان، إذ لا بد أن يترجما إلى تحسينات حقيقية وملموسة في مستوى معيشة المواطنين في جميع المناطق والفئات الاجتماعية.

هذا التشخيص الملكي يمنح شرعية واضحة لهذا النقاش، ويؤكد أن الإشكال ليس مجرد انطباع مجتمعي أو خطاب نقدي معزول، بل معطى بنيوي تعيه الدولة نفسها. غير أن الإشكال الحقيقي لا يكمن في التشخيص، بقدر ما يكمن في ضعف الترجمة السياسية والمؤسساتية لهذا الوعي، حيث ظلت الفجوة قائمة بين الطموح المعلن والتنزيل الاجتماعي الملموس.

ويبقى السؤال المفتوح، وربما الحاسم، هو ما إذا كانت الحكومة المقبلة التي ستفرزها انتخابات شتنبر 2026 ستكون فعلًا في مستوى هذا التحدي المركّب: هل ستنجح في إعطاء دفعة حقيقية للبعد الاجتماعي وبناء أسس دولة اجتماعية منصفة، دون التفريط في استمرارية المشاريع الاستراتيجية الكبرى للدولة؟

هذا هو الامتحان الذي أخفقت فيه الحكومات السابقة، حين تعاملت مع الاجتماعي إما كملف ثانوي أو كشعار ظرفي، وفشلت في تحويل النمو والمشاريع الكبرى إلى تحسين ملموس في حياة المواطنين. الرهان اليوم ليس في الاختيار بين الدولة القوية والدولة الاجتماعية، بل في القدرة على الجمع بينهما في رؤية واحدة متماسكة. فهل تمتلك النخبة السياسية القادمة الجرأة والكفاءة والإرادة للقيام بهذا الربط الضروري، أم أن المغرب سيواصل السير بالسرعتين نفسيهما: سرعة الطموح الاستراتيجي، وبطء العدالة الاجتماعية؟

-كاتب وأستاذ جامعي بإسبانيا

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

1
  • MC
    الأحد 15 فبراير 2026 - 11:46

    “Si no hay comida para el pueblo, no hay paz para el gobierno”
    “إذا لم يكن هناك طعام للشعب، فلا سلام للحكومة.”
    Emiliano Zapata
    (1879-1919)
    (Mexican)

    “A vision without execution is just a hallucination”
    “الرؤية بدون تنفيذ هي مجرد هلوسة.”
    Thomas Edison
    (1847-1931)

    “The greatest danger in times of turbulence is not the turbulence; it is to act with yesterday’s logic”
    “الخطر الأكبر في أوقات الاضطراب ليس الاضطراب نفسه، بل التصرف بمنطق الأمس”
    Peter Drucker
    (1909-2005)

    أستاذي،
    “الرؤية التي لا تعانق كرامة الإنسان هي مجرد خيال عابر”
    إن تشخيصك يلمس جوهر العقد الاجتماعي الجديد، فالدولة التي تبني الموانئ وتكسب المعارك الدبلوماسية لا تكتمل هيبتها إلا حين يلمس المواطن البسيط ذلك في جودة مشفاه وكرامة عيشه. إن التحدي في أفق 2026 ليس في موازنة الأرقام، بل في ردم الفجوة الوجدانية بين طموح “المملكة الصاعدة” وواقع “الإنسان القلق”، لكي لا تظل النجاحات الكبرى مجرد جزر معزولة عن حياة الناس اليومية.
    “عظمة الأمم لا تُقاس بطول ناطحات سحابها، بل بمدى صلابة الأرض التي يقف عليها أضعف أفرادها”.

    ALHOCEIMA

صوت وصورة
معرض الطيران يجمع الفرجة والمعرفة
السبت 10 أكتوبر 2026 - 23:30

معرض الطيران يجمع الفرجة والمعرفة

صوت وصورة
مضادات "درون" مصنوعة مغربيا
السبت 10 أكتوبر 2026 - 21:30 3

مضادات "درون" مصنوعة مغربيا

صوت وصورة
الدار البيضاء تتضامن مع غزة
السبت 10 أكتوبر 2026 - 20:15 2

الدار البيضاء تتضامن مع غزة

صوت وصورة
سعر الدجاج بـ24 درهما
السبت 10 أكتوبر 2026 - 19:45 10

سعر الدجاج بـ24 درهما

صوت وصورة
لشكر .. تحالف "البام" والكتلة
السبت 10 أكتوبر 2026 - 19:15 8

لشكر .. تحالف "البام" والكتلة

صوت وصورة
صقور السعودية في سماء مراكش
السبت 10 أكتوبر 2026 - 16:32 3

صقور السعودية في سماء مراكش